الحج في مصر عبر العصور ندوة باتحاد كتاب مصر

ـ مهدي.. التراث الثقافي اللا مادي ركيزة أصيلة في تشكيل الهوية المصرية

تحت رعاية د. علاء عبد الهادي، رئيس النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر والأمين العام للاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب، أقامت لجنة الحضارة المصرية القديمة بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر حلقة نقاشية بعنوان «الحج في مصر عبر العصور»، أدارها الكاتب والباحث عبدالله مهدي رئيس اللجنة، بمشاركة المستشار وكاتب المصريات سامي حرك، والدكتورة أمل الطيب محاضر الموسيقى الشعبية بأكاديمية الفنون وعضو لجنة التراث الثقافي اللامادي بالمجلس الأعلى للثقافة، والباحث إسحاق إبراهيم الباجوسي عضو لجنة التاريخ القبطي.
استهل عبدالله مهدي الحلقة بالتأكيد على أن اهتمام الباحثين بالحضارة المصرية القديمة لا يمثل نكوصًا إلى الماضي أو هروبًا من الحاضر، وإنما محاولة لاكتشاف القوانين الكامنة وراء مراحل الازدهار والانحطاط، واستخلاص الدروس التي يمكن توظيفها في مشروع حضاري جديد يليق بتاريخ مصر ومكانتها الجيوسياسية والثقافية. وأوضح أن حلقة «الحج في مصر عبر العصور» تأتي تأكيدًا على استمرارية الشخصية المصرية وتجلياتها الحضارية الممتدة من مصر القديمة إلى مصر القبطية ثم مصر العربية الإسلامية.
وتحدث المستشار سامي حرك عن مفهوم «الحج الأبدي» لدى المصري القديم، مشيرًا إلى أن المصريين كانوا يؤدون طقوس الحج إلى مدينة أبيدوس، حيث مقام أوزيريس، فيزرعون الأشجار ويقدمون الزهور بجوار الضريح، في طقس ارتبط بالحنين والوفاء والرجاء. وأوضح أن فكرة الحج ارتبطت لدى المصري القديم بالزيارة الدورية طلبًا للبركة وتحقيقًا للأمنيات وإشباعًا لحاجة إنسانية وروحية عميقة، لافتًا إلى أن الجذر الهيروغليفي «حن/حنو» جمع معاني الحنين والحنان والزيارة في آن واحد. كما استعرض ما أورده وليم نظير في كتاب «العادات المصرية بين الأمس واليوم» حول حج المصريين إلى أبيدوس، وما سجله جاستون ماسبيرو من رسوم تمثل مراكب الحجاج المتجهين إلى مقام أوزيريس، بوصف الحج حلمًا روحيًا يسعى الإنسان لتحقيقه.
ثم انتقل الحديث إلى الباحث إسحاق إبراهيم الباجوسي، الذي تناول العادات والتقاليد المصاحبة للحج المسيحي إلى القدس، متتبعًا الوصايا الكتابية والقوانين الكنسية المتعلقة بزيارة المدينة المقدسة منذ العصور الأولى للمسيحية. وأوضح أن الحج المسيحي ارتبط بالاجتماع والاحتفال والطواف حول الأماكن المقدسة، مستشهدًا برحلات الحجاج الأوائل مثل رحلة «إيجيريا» في القرن الرابع الميلادي، ورحلة البابا يؤنس عام 1702م. كما استعرض الطقوس الليتورجية المرتبطة بالحج، ومنها البصخة المقدسة وأسبوع الآلام وزياح الشعانين وطقوس فيض النور، إضافة إلى المظاهر الشعبية التي صاحبت الرحلة، مثل إطلاق لقب «الحاج» أو «المقدس» على العائدين من القدس، والوشم الديني، والترانيم الشعبية، ونسخ الأناجيل كنذور، وحفلات استقبال الحجاج التي كانت تتحول إلى مناسبات اجتماعية كبرى.
أما الدكتورة أمل الطيب فتحدثت عن العادات والتقاليد المرتبطة بالحج في المجتمع المصري الإسلامي، مؤكدة أن الحج يمثل لدى المصريين رحلة عبور روحية نحو الكمال الديني، ولذلك اكتسب مكانة خاصة في الوجدان الشعبي. وأوضحت أن المصريين نسجوا حول رحلة الحج منظومة واسعة من الطقوس والعادات الشعبية المتوارثة، تبدأ منذ لحظة الاستعداد للسفر وحتى العودة من الأراضي المقدسة. وأشارت إلى أن هذه التقاليد لم تفرضها سلطة بعينها، بل نشأت تلقائيًا من الجماعة الشعبية، وظلت تنتقل عبر الأجيال باعتبارها جزءًا أصيلًا من التراث الثقافي اللامادي المصري.
كما ألقت الضوء على المظاهر الاحتفالية المصاحبة للحج، ومنها الزينات الشعبية والاحتفالات العائلية وأغاني الحج، التي تمثل سجلًا فنيًا وثقافيًا يوثق مراحل الرحلة المقدسة ويعكس جماليات الموسيقى الشعبية المصرية. وقدمت خلال الحلقة نماذج مسجلة من أغاني الحج، موضحة كيف تحولت هذه الأغاني إلى مرآة للوجدان الشعبي، تحفظ الذاكرة الجمعية للمجتمع المصري وتكشف عن ثراء نسقه الثقافي والاجتماعي.
وفي ختام الحلقة أكد عبدالله مهدي أن العادات والتقاليد المرتبطة بالحج تمثل جزءًا أصيلًا من مكونات الشخصية المصرية، وتسهم في تعزيز الروابط الاجتماعية والحفاظ على التراث الثقافي اللامادي للأمة. كما قام بتوزيع شهادات المشاركة على الباحثين، إلى جانب شهادة شكر وتقدير للأديبة منال رضوان تقديرًا لدورها الفاعل في نشر الوعي بالحضارة المصرية القديمة وتدعيم الهوية الحضارية المصرية.

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!