الناقد قارئ للنصوص، حافظ لمجموعة من المصطلحات، مشروع معرفةٍ متكامل، تتداخل فيه الثقافة باللغة، والفلسفة بالتاريخ، وعلم النفس بعلم الاجتماع، ليصبح قادرًا على النفاذ إلى أعماق النص لا الوقوف عند سطحه، والنقد فعلُ فهمٍ وتأويلٍ وبحثٍ عن المعنى الكامن وراء الكلمات والصور والبُنى الفكرية والجمالية.
إن الناقد يبدأ من اللغة، لأنها الأداة الأولى التي يتشكل بها النص، فيدرك أسرار التعبير، وتحولات الدلالة، وفروق المعاني، ويعي أن الكلمة كائنٌ حيٌّ له تاريخٌ وسياقٌ وجغرافيا وثقافة، لذلك لا يجوز له أن يتعامل مع المصطلحات تعاملاً سطحيًّا، لأن كل مصطلح يحمل خلفه تراثًا معرفيًّا وفلسفيًّا وتحولاتٍ تاريخية قد تغيّر معناه من عصرٍ إلى آخر ومن بيئةٍ إلى أخرى،
كما أنه لا يقرأ النص بمعزلٍ عن زمنه وبيئته، لأن النص ابنُ سياقه الحضاري والاجتماعي والنفسي، حيث تأتي أهمية التاريخ، بوصفه وعيًا بحركة الإنسان والأفكار والتحولات التي تصنع النصوص وتمنحها معناها، وكذلك الفلسفة، فهي التي تمنحه القدرة على تجاوز ظاهر العبارة إلى ما وراءها، ليفهم الأسئلة الكبرى التي يطرحها النص عن الإنسان والوجود والمعرفة والجمال،
ومع كل هذا الاتساع المعرفي، يبقى التواضع شرطًا أساسيًّا في تكوين الناقد، فكلما اتسعت دائرة المعرفة أمام الإنسان، ازداد إدراكًا لضخامة المجهول، والناقد الحكيم لا يغتر بما قرأ أو كتب، لأنه يعلم أن الحقيقة أوسع من أن تُختزل في عقلٍ واحد أو رؤيةٍ واحدة أو منهجٍ واحد، لذلك فإن أعظم مراتب الفهم هو الوعي بأن كل قراءة هي محاولة للاقتراب منها لا احتكارها.
ومن هنا فإن النقد لا ينبغي أن يُحبس داخل مدرسة واحدة أو يُختزل في منهج بعينه، سواء أكان بنيويًّا أم تفكيكيًّا أم نفسيًّا أم اجتماعيًّا، لأن المدارس النقدية ليست حقائق مقدسة، فهي مجرد أدوات للفهم والمقاربة، والمنهج حين يتحول إلى عقيدة مغلقة يفقد النقد حيويته، ويصبح الناقد أسيرًا لقوالب جاهزة يفرضها على النصوص بدل أن ينطلق من النص نفسه، غير أن رفض الانغلاق المنهجي لا يعني الفوضى أو غياب الأداة، فالمعرفة الواسعة وحدها لا تكفي. إذ يحتاج النقد إلى منهج يضبط الرؤية ويحفظها من التشتت، لأن الموسوعية بلا منهج قد تتحول إلى تراكمٍ غير منتج، كما أن المنهج بلا ثقافة يتحول إلى جمودٍ آلي يكرر المصطلحات دون روح أو وعي،
فالناقد الحق هو من يجمع بين سعة الاطلاع ودقة الأداة، بين الثقافة والمنهج، بين الحرية والانضباط، فيقرأ النص بعقلٍ مفتوح لا بعقيدة نقدية مغلقة، ويجعل من المدارس وسائل للإضاءة والكشف، لا قيودًا تحدّ من الفهم أو تصادر إمكانات التأويل، وهي قدرة ٌ على الإنصات العميق للنص، وعلى بناء رؤية متوازنة تجمع بين المعرفة والوعي والجمال.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية