“دراسة سيميو- تواصليّة” للدكتور محمد عبد الله الخولي
تتمايلُ الحروفُ في روض الكلام كغصونِ زيتونٍ على رُبى فلسطين، وتنبضُ القصيدةُ بوجعِ الأرضِ وحنينِ الإنسان، أقفُ أنا-غدير حميدان الزبون-على عتبةِ البوح، أستفتحُ مقامي بفيضٍ من العشقِ الدرويشيّ الذي رافقني منذ الطفولة، يومَ كانت الكلماتُ الأولى تُنقشُ في وجداني: “سجّل أنا عربي”، وكنتُ أرتّلها كما يُرتّلُ الدعاء، وأستعيدُ “أحنّ إلى خبز أمي” كما يُستعادُ الدفءُ في ليالي الغياب، وأتأمّلُ “ريتا والبندقية”، إذْ يتعانقُ الحبُّ والمأساة في مشهدٍ لا يغيب.
ابتدأ التعلّقُ بأدبِ محمود درويش شاعرِ القضيةِ والإنسان في فسحة الطفولة؛ هناك عندما كانت الكلماتُ تتسرّبُ إلينا على هيئة أناشيدَ خفيفة لا ندرك عمقها، لكنّها تترك في القلب أثرًا لا يُمحى.
ومع امتداد الذاكرة أخذ هذا الصوتُ ينمو معنا، ويتبدّل كما نتبدّل، ويزدادُ رسوخًا كلّما اتّسعت تجاربنا حتى غدا جزءًا من يوميّاتنا نردّده غناءً في استراحاتِ القهوة، ونستحضره كأنّه رفيقُ العملِ والوقتِ والوجدان.
كان حضوره أشبهَ بخيطٍ خفيّ يربط بين مراحل العمر، يلوّن تفاصيلها ويمنحها معنًى إضافيًا، ففي كلّ مرحلة كنّا نكتشف في نصوصه وجهًا جديدًا لنا، أو ظلًّا من ذواتنا لم نكن قد رأيناه من قبل.
وفي اللحظة التي تضيقُ بها الأيام كانت قصائده تتّسع لنا، وتفتح نوافذها على أفقٍ أبعد، وتعيد ترتيب الفوضى داخلنا بكلماتٍ تبدو بسيطة، لكنها مشبعة بحكمة التجربة وحرارة الشعور.
ومع مرور الوقت تحوّل درويش إلى ذاكرةٍ موازية تسكننا كما نسكنها، نستعيده في لحظات الفرح كما في مواطن الحنين، وفي الغياب كما في الحضور حتى صارت مفرداته جزءًا من لغتنا اليومية، وصوره مرآةً لأسئلتنا الكبرى: من نكون؟ وإلى أين نمضي؟ وكيف نحمل الوطن فينا وقتما يبتعد، أو في الوقت الذي نبتعد نحن عنه؟
إنّ تعلّقنا بدرويش يتجاوز حدود الإعجاب الأدبي، ليغدو علاقةً حميمة بين القارئ والنص تتشكّل عبر الزمن، وتزداد عمقًا مع كلّ قراءة جديدة.
فشعر محمود درويش كائنٌ حيّ ينمو فينا، ويمنحنا في كلّ مرّة ما يناسب حالتنا، ويبوح لنا بما لم نكن قادرين على قوله.
ولم يكن هذا الولعُ عابرًا، فقد تكرّسَ في مسيرتي البحثيّة، إذ أفردتُ للدراسةِ الدرويشيّة حيّزًا من جهدي، وغصتُ في عوالمها قراءةً وتأمّلًا حتى اتخذتُ أحدَ دواوينه عنوانًا لأطروحتي في الدكتوراة في محاولةٍ للاقترابِ من سرِّ هذا الشعرِ الذي يتجاوزُ القولَ إلى الكينونة.
وفي سياقِ حوارٍ أدبيٍّ عابرٍ للحدود جمعني بابنِ مصرَ الحبيبة الدكتور محمد عبد الله الخولي لفتَ انتباهي إلى عملهِ الموسوم بـ “التمثيل الشعري للموضوع عند محمود درويش: دراسة سيميو-تواصليّة”، فكان ذلك الوقوفُ لحظةَ دهشةٍ واستدعاء، إذ بدا لي النصُّ بابًا آخر يُفضي إلى قراءةٍ مغايرة تتقصّى البُنى الدلاليّة ومساراتِ المعنى في شعرِ درويش، وتعيدُ النظرَ في تمثّلاتِ الموضوعِ بين الرمزِ والتواصل.
ومن هنا كان هذا المقالُ محاولةً للسيرِ بين ضفّتي الإعجابِ والنقد، والوقوفِ على ما لهذا العملِ من إضاءةٍ معرفيّة، وما عليه من تساؤلاتٍ منهجيّة في قراءةٍ تأملُ أنْ تكونَ امتدادًا لذاك العشقِ القديم لا تكرارًا له، وأنْ تظلّ وفيةً لروحِ الشعرِ الدرويشيّ، وهو يعلّمنا أنْ نرى، وأنْ نقول، وأنْ نكون.
تُعدّ دراسة الشعر الحديث، وبخاصة شعر محمود درويش من أكثر الحقول النقدية تعقيدًا وتعددًا في المقاربات؛ نظرًا لتشابك البعد الجمالي بالبعد التاريخي، وتداخل الذاتي بالجمعي، وانفتاح النص الشعري على مستويات متعددة من الدلالة والتأويل.
فالشعر الحديث أضحى فضاءً تتقاطع فيه أسئلة الهوية والذاكرة والوجود، وتتداخل داخله أنساق ثقافية وتاريخية تعيد تشكيل الوعي الجمعي بوساطة اللغة.
ومن هذا المنطلق يغدو التعامل مع هذا الشعر محكومًا بضرورة امتلاك أدوات نقدية قادرة على استيعاب هذا التعقيد، والكشف عن البنى العميقة التي تتحكم في إنتاج المعنى.
وتزداد هذه الضرورة إلحاحًا عند مقاربة تجربة شعرية بحجم تجربة محمود درويش، والتي تجاوزت حدود الجغرافيا والثقافة المحلية لتغدو ظاهرة شعرية عالمية استطاعت أنْ تؤسس خطابًا شعريًا يمزج بين الخصوصي والكوني، ويحوّل التجربة الفلسطينية من سياقها التاريخي المحدّد إلى أفق إنساني مفتوح.
فقد نجح درويش في إعادة صياغة العلاقة بين الشعر والواقع، ليُعاد تشكيله داخل النص عبر آليات لغوية ورمزية وتخييلية تمنحه أبعادًا جديدة.
وتبرز أهمية هذه التجربة في قدرتها على إنتاج نص شعري متعدد الطبقات تتجاور فيه الدلالة المباشرة مع الإيحاء، والمرجع الواقعي مع البناء الجمالي في صيغة تجعل من القراءة فعلًا تأويليًا مفتوحًا على احتمالات متعددة.
ومن ثمّ لم يعد بالإمكان الاكتفاء بالقراءات التقليدية التي تنظر إلى النص على أنّه مرآة للواقع أو وعاء لمضمون جاهز، إذ إنّ مثل هذه المقاربات تظل عاجزة عن استيعاب دينامية النص الشعري الحديث، وعن إدراك الكيفية التي يُعاد بها إنتاج الواقع داخل اللغة.
وقد أفرز هذا التحول حاجة ملحّة إلى تبني مقاربات نقدية حديثة، تُعيد مساءلة العلاقة بين اللغة والواقع والذات، وتفكك آليات إنتاج المعنى داخل الخطاب الشعري من خلال التركيز على البنية الدلالية للنص، وعلى الأدوار التي تضطلع بها كلّ من العلامة والسياق والمتلقي في تشكيل المعنى.
ويندرج كتاب “التمثيل الشعري للموضوع عند محمود درويش” للدكتور محمد عبد الله الخولي ضمن الجهود النقدية التي تسعى إلى إعادة بناء المفاهيم المؤسسة للعملية الشعرية من خلال توظيف المنهج السيميائي في أفقه التواصلي.
وتنبع أهمية هذا العمل من كونه ينطلق من شعر درويش لبناء تصور نظري أوسع حول طبيعة التمثيل الشعري، وآليات تشكّل “الموضوع” داخل النص.
فالموضوع في هذا الإطار يُفهم كنتاج لعملية دلالية معقدة تتداخل فيها اللغة مع التجربة، وتتفاعل فيها الذات الشاعرة مع أفق التلقي.
ويكتسب هذا الطرح مشروعيته من طبيعة النص الدرويشي الذي يتسم بقدرة عالية على تحويل التجربة التاريخية إلى بنية شعرية، وعلى إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والعالم عبر اللغة.
فالشعر عند درويش يعمل على تفكيك الواقع وإعادة بنائه في صيغة تجعل من الكلمة فضاءً لإعادة خلق العالم.
ومقاربة هذا الشعر تقتضي وعيًا نقديًا يتجاوز حدود التفسير المباشر نحو تحليل الآليات التي تُنتج المعنى، وتكشف عن مستويات التمثيل المختلفة التي يتشكل من خلالها الموضوع الشعري.
وعليه فإنّ توسيع أفق القراءة النقدية لهذا العمل يقتضي الانطلاق من فرضية مركزية مؤداها أنّ شعر محمود درويش يمثل مختبرًا دلاليًا غنيًا، يسمح باختبار النماذج النظرية الحديثة، وفي مقدمتها النموذج السيميائي التواصلي.
كما يقتضي النظر إلى هذا الشعر في سياق عالمي تتقاطع فيه قضايا الإنسان المعاصر، وتتجلى فيه قدرة اللغة الشعرية على تجاوز الحدود الثقافية، لتخاطب الإنسان في كونيته.
وهذا ما يمنح دراسة التمثيل الشعري في هذا السياق أهمية مضاعفة، إذ يتعلق الأمر باستكشاف إمكانات الشعر في إعادة تشكيل العالم، وفي إنتاج معنى يتجدد باستمرار عبر تعدد القراءات وتنوع التأويلات.
يُصنَّف كتاب “التمثيل الشعري للموضوع عند محمود درويش: دراسة سيميائية تواصلية” ضمن الأعمال النقدية العربية المعاصرة التي تنشغل بإعادة بناء العلاقة بين الشعر والواقع من داخل البنية اللغوية للنص.
ويعود هذا العمل إلى الدكتور محمد عبد الله الخولي، وهو باحث وناقد أكاديمي مصري يتجلى في هذا الكتاب انخراطه العميق في حقول السيميائيات وتحليل الخطاب والشعرية الحديثة، مع توظيف منهجي واعٍ للمرجعيات الغربية في سياق قراءة النص الشعري العربي.
ويعكس هذا الاشتغال قدرة على استيعاب التصورات النظرية المرتبطة بالعلامة والتأويل والتواصل، واستثمارها في بناء مقاربة نقدية تسعى إلى مقاربة الشعر من زاوية إنتاج المعنى وتشكله داخل الخطاب.
وتكشف عتبة العنوان عن بناء دلالي مركّب، يقوم على تفاعل مصطلحين مركزيين: “التمثيل الشعري” و”الموضوع”، ويحيل التمثيل إلى فعل إجرائي دينامي يتصل بكيفية تشكّل الدلالة داخل النص، ويشير الموضوع إلى مجال الإحالة الذي يتداخل فيه الواقعي بالمتخيل.
ويمنح اقتران العنوان باسم محمود درويش بعدًا تطبيقيًا محددًا يربط التصور النظري بتجربة شعرية ذات ثقل جمالي وثقافي.
ويُسهم العنوان الفرعي “دراسة سيميائية تواصلية” في توجيه أفق التلقي عبر تحديد الإطار المنهجي الذي تتحرك داخله الدراسة، إذْ تتقاطع فيه تصورات تشارلز بيرس حول العلامة بثلاثيتها المعروفة، مع نماذج رومان جاكوبسون في تحليل العملية التواصلية في صيغة نقدية تنفتح على دور المتلقي في إنتاج المعنى.
وقد صدر الكتاب عن “دار النابغة للنشر والتوزيع”، ويقع في (537) صفحة، وهو حجم يكشف عن امتداد تحليلي واسع، يتيح للمؤلف بسط أطروحته عبر مستويات متعددة تجمع بين التأصيل المفاهيمي والتطبيق النصي.
ويعكس هذا الامتداد رغبة في الإحاطة بمختلف أبعاد التمثيل الشعري ضمن مسار بحثي متدرج يستوعب التنظير والتحليل في آن واحد.
وتتوزع بِنية الكتاب إلى مقدمة وأربعة فصول رئيسة تتكامل فيما بينها ضمن نسق منهجي متصاعد، إذْ تنهض المقدمة بوظيفة تأطيرية تتحدد فيها إشكالية البحث، وتُعرض منطلقاته النظرية، وتُرسم حدوده المفهومية.
ويُشكّل الفصل الأول المعنون بـ “مفاهيم نقدية” قاعدة تأسيسية للعمل، فهو يتناول مفهوم الموضوع في أبعاده المختلفة، ويتتبع تحوّلاته من التصور المطلق إلى المقاربة البنيوية وصولًا إلى الأفق السيميائي، مع بلورة نموذج سيميائي تواصلي يُعيد تنظيم العلاقة بين العلامة والمرجع والمتلقي، وينتهي بتحديد دوائر التمثيل الثلاث: الواقع، والرمز، والخيال.
ويأتي الفصل الثاني بعنوان “التمثيل الواقعي للموضوع”، ليُعنى بدراسة تجليات الواقع داخل النص الشعري من خلال تحليل بنى المكان والمنفى، والعلاقة بين الوطن والهوية، إضافة إلى استكشاف التداخلات الأجناسية بين الشعر والسرد والمسرح، وتحليل الطقوس الثقافية والزمن الشعري، والعنوان بوصفه عتبة دلالية تُسهم في توجيه القراءة.
ويُبرز هذا الفصل كيفية تشكّل الواقع داخل النص عبر آليات لغوية وجمالية تعيد صياغته في بنية شعرية.
أما الفصل الثالث المسوم ب “التمثيل الرمزي للموضوع” فيرتقي بالتحليل إلى مستوى أكثر تجريدًا، ليدرس آليات إنتاج الرمز وانتقال الدلالة من المباشر إلى المركّب مع تتبع استراتيجيات التمثيل الرمزي، وتحليل مستويات التأويل في أبعادها الإنسانية والطبيعية والدينية والأسطورية.
ويكشف هذا الاشتغال عن اتساع الحقل الدلالي للنص الشعري، وقدرته على استيعاب أنساق ثقافية متعددة داخل بنية رمزية متداخلة.
ويُعالج الفصل الرابع المعنون ب “التمثيل التخييلي للموضوع” المستوى الأقصى من التشكيل الشعري، ليتحول الموضوع إلى بناء تخييلي تنصهر فيه المرجعيات الواقعية مع تمثلات الذات، فتتشكل عوالم شعرية ذات طابع داخلي تعكس دينامية الخيال بوصفه قوة مولِّدة للمعنى.
ويتناول هذا الفصل مستويات التخيل الشعري، ويُبرز دوره في إعادة تشكيل الواقع داخل فضاء جمالي مستقل.
وتنتهي بنية الكتاب بقائمة المصادر والمراجع التي تعكس تنوع المرجعيات النظرية والمعرفية، وتكشف عن انفتاح المؤلف على حقل واسع من الدراسات النقدية الحديثة. ويُظهر هذا البناء الكلي تدرجًا منهجيًا ينتقل من التأصيل المفاهيمي إلى التحليل التطبيقي، ومن المباشر إلى المجرد في مسار نقدي يسعى إلى الإحاطة بمختلف أبعاد التمثيل الشعري، ضمن رؤية علمية دقيقة تتكامل فيها المفاهيم والإجراءات.
وينطلق هذا العمل من فرضية مركزية مفادها أنّ “الموضوع” في الشعر يُعاد تشكيله عبر اللغة، ضمن شبكة من العلاقات الدلالية التي تتداخل فيها العلامة بالمرجع، والذات بالموضوع، والنص بالمتلقي.
وبذلك يتحول الشعر من كونه تمثيلًا انعكاسيًا للواقع إلى كونه فعلًا إنتاجيًا يعيد خلق هذا الواقع داخل بنية لغوية مخصوصة.
وتنبع أهمية هذا الكتاب من كونه لا يكتفي بتطبيق أدوات نقدية جاهزة على شعر درويش، إنما يسعى إلى تأسيس نموذج نظري يزاوج بين السيميائيات والبُعد التواصلي، مستفيدًا من تصورات تشارلز بيرس في ثلاثية العلامة، ومن اجتهادات رومان جاكوبسون في وظائف اللغة، مع محاولة تجاوز محدودية كل منهما عبر إدماج دور المتلقي في إنتاج الدلالة.
ومن هنا فإنّ الكتاب ينشغل بتحليل “الموضوع” مركّزا على آليات تمثيله، وعلى التحولات التي تطرأ عليه حين ينتقل من مستوى الواقع إلى مستوى الخطاب الشعري.
وتأتي هذه القراءة النقدية استجابة لحاجة منهجية إلى تفكيك هذا المشروع، والكشف عن بنيته المفهومية، وآلياته الإجرائية، وحدوده المعرفية، كما تسعى إلى إعادة بنائه من الداخل عبر تتبع تطور مفاهيمه الأساسية (التمثيل، الموضوع، المرجع، العلامة، التأويل)، وتحليل كيفية اشتغالها داخل الفصول المختلفة مع الوقوف عند مدى اتساقها النظري، وقدرتها على تفسير الظاهرة الشعرية عند درويش.
كما تهدف هذه الدراسة إلى مساءلة الاختيارات المنهجية التي تبناها المؤلف من خلال فحص علاقته بالمرجعيات السيميائية والبنيوية والتأويلية، والكشف عن حدود هذا التداخل المعرفي، ومدى نجاحه في إنتاج رؤية نقدية متماسكة.
وإلى جانب ذلك تعمل القراءة على اختبار فاعلية النموذج الذي يقترحه الخولي خاصة في تقسيمه لدوائر التمثيل الشعري إلى: الواقعي، والرمزي، والتخييلي، وذلك من خلال تحليل كيفية انتقال الموضوع بين هذه المستويات، وتأثير ذلك في بنية النص ودلالته.
وعليه فإنّ هذه الدراسة تنطلق من فرضية مؤداها أنّ قيمة هذا الكتاب تكمن فيما يقدمه من تصور نظري للتمثيل الشعري، لأنه بات عملية دلالية مركبة تفتح النص على أفق تأويلي لا نهائي.
وهذه القيمة لا تخلو من إشكالات تتعلق بكثافة الجهاز الاصطلاحي، وهيمنة البعد التنظيري، وإشكالية التوفيق بين المرجعيات المختلفة، وهو ما ستسعى هذه القراءة إلى الكشف عنه وتحليله.
وبناءً على ذلك، ستعتمد هذه الدراسة منهجًا تحليليًا نقديًا يقوم على قراءة الفصول وفق تدرجها البنيوي، مع ربطها بالإطار النظري العام، بهدف الوصول إلى تقييم علمي متوازن يبرز إسهام الكتاب في حقل النقد الأدبي، ويحدد في الوقت ذاته حدوده وآفاق تطويره.
تمهيد عام: أفق القراءة ومنطلقها النظري.
يندرج هذا الكتاب ضمن الحقل النقدي الذي يسعى إلى تجاوز المقاربات التقليدية للنص الشعري، تلك التي كانت تنظر إلى الشعر كانعكاس مباشر للواقع، أو كتعبير عن تجربة ذاتية محددة نحو أفق أكثر تعقيدًا يقوم على مساءلة العلاقة بين اللغة والواقع والذات.
فقراءة الخولي تنشغل بكيفية تمثيل “الموضوع” داخل البنية الشعرية، أي كيف يتحول الواقع إلى خطاب لغوي يحمل طابعًا جماليًا ودلاليًا مركبًا.
إنّ هذا التحول المنهجي يضع الكتاب ضمن سياق النقد السيميائي المعاصر، ليُقرأ على أنه نظام من العلامات تتداخل فيه مستويات الدلالة، وتتعدد فيه إمكانات التأويل. فالخولي يطرح منذ البداية سؤالًا مركزيًا:
كيف يتشكل الموضوع داخل النص الشعري؟
وهل هو معطى سابق، أم أنه نتاج عملية لغوية وجمالية معقدة؟
أولاً: بنية الكتاب وشكله المعرفي
يتميز الكتاب ببنية أكاديمية واضحة تقوم على تدرج منهجي يبدأ بالتأسيس النظري، ثم ينتقل إلى التفصيل المفاهيمي وصولًا إلى المقاربة التطبيقية.
غير أنّ هذه البنية على الرغم من انتظامها الظاهري تكشف عن نزوع واضح نحو تغليب الجانب التنظيري على حساب الجانب التطبيقي، وهو ما يجعل الكتاب أقرب إلى مشروع نظري في “الشعرية” منه إلى قراءة تطبيقية مباشرة لشعر محمود درويش.
أمّا من حيث اللغة فيعتمد المؤلف أسلوبًا علميًا كثيفًا، تتراكم فيه المصطلحات السيميائية والفلسفية مثل: “التمثيل”، “المؤول”، “المدلول”، “النسق”، “الانزياح”، “التواصلية”، وغيرها. وهذه الكثافة الاصطلاحية تمنح النص صرامة علمية، لكنها في الوقت ذاته تخلق نوعًا من الإغلاق بحيث يصبح الخطاب موجّهًا إلى قارئ متخصص أكثر من كونه موجّهًا إلى قارئ عام.
أما من حيث المرجعية النظرية فيتبدّى بوضوح أنّ المقاربة المعتمدة من قبل المؤلف في دراسة الموضوع الشعري عند محمود درويش تستند إلى تراثين نقديين رئيسيين يتكاملان في قراءة البِنية الدلالية والرمزية للنص:
1- التراث السيميائي الغربي
يرتكز هذا التراث على التصورات التي بلورها كلّ من تشارلز ساندرز بيرس ورومان جاكوبسون، وتُفهم العلامة على أنها عبارة عن نظام دلالي متعدد المستويات يتجاوز العلاقة البسيطة بين الدالّ والمدلول إلى شبكة معقّدة من الإحالات والتأويلات.
فمن منظور بيرس تتخذ العلامة ثلاثة أبعاد: الأيقونة، والمؤشّر، والرمز، وهو ما يتيح مقاربة الصورة الشعرية عند درويش كونها فضاءً تتداخل فيه الإشارات الحسية مع الرموز الثقافية والتاريخية.
أما جاكوبسون فقد أسهم في إبراز الوظيفة الشعرية للغة مركّزًا على البنية الصوتية والتركيبية، وعلى كيفية اشتغال الانزياح والتوازي داخل النص، الأمر الذي يساعد في تحليل البنية الإيقاعية والدلالية في شعر درويش، فاللغة تتكثف لتنتج معاني تتجاوز المباشر إلى الإيحائي.
2- التراث البنيوي وما بعد البنيوي
يتأسس هذا التراث على قراءة النص من منطلق الحكم عليه كبنية مغلقة نسبيًا تتحدد عناصرها من خلال العلاقات الداخلية بينها، كما عند كلود ليفي-ستروس ورولان بارت. ففي هذا الإطار يُنظر إلى القصيدة على أنّها نظام من العلاقات الدلالية التي تتولد عبر التكرار والتقابل والتناص.
غير أنّ المقاربة لا تقف عند حدود البنيوية، فهي تنفتح على ما بعد البنيوية، خاصة مع جاك دريدا، ليُعاد النظر في ثبات المعنى، ويُنظر إلى النص كفضاء للتشظي والانزلاق الدلالي، بما يتيح قراءة شعر درويش قراءةً دينامية تكشف تعددية الأصوات وتداخل المرجعيات.
وفي ضوء هذا التكامل بين السيميائيات والبنيوية، وما بعدها يغدو النص الشعري عند محمود درويش حقلًا مفتوحًا للتأويل تتشابك فيه العلامات مع البنى، ويتحوّل المعنى إلى عملية إنتاج مستمرة لا تُختزل في دلالة واحدة، إنما تتوالد عبر التفاعل بين النص والقارئ والسياق الثقافي.
وهذا التداخل المرجعي يمنح الكتاب عمقًا نظريًا، لكنه يضعه أيضًا أمام تحدي التوفيق بين هذه المرجعيات المختلفة.
ثانياً: مفهوم التمثيل الشعري وإشكاليته
يُعد مفهوم “التمثيل” حجر الزاوية في هذا الكتاب، إذْ ينطلق الخولي من التصور السيميائي الذي يرى أنّ العلاقة بين العلامة وموضوعها هي علاقة إحالة وتأويل، فالنص الشعري يعيد إنتاج الواقع داخل نظام لغوي خاص.
وبالاستناد إلى تصور تشارلز بيرس يحدد المؤلف التمثيل كعلاقة ثلاثية تقوم على الممثل (العلامة)، والموضوع، والمؤول.
غير أنّ الأهمية الحقيقية لهذا التصور تكمن في كونه يفتح المجال أمام فكرة لا نهائية المعنى، إذ إنّ كل تمثيل يولّد تمثيلًا آخر، وكلّ علامة تستدعي علامة جديدة في سلسلة لا تنتهي من التأويلات.
وعلى هذا الأساس فإنّ الموضوع في الشعر لا يمكن أنْ يكون ثابتًا أو مكتملًا، فهو دائم التحول، ويتشكل باستمرار عبر اللغة، ويتغير بتغير زاوية النظر إليه.
فالتمثيل الشعري يصبح عملية دينامية تتداخل فيها الذات الشاعرة مع اللغة، ومع العالم في إنتاج دلالة لا يمكن اختزالها في معنى واحد.
ثالثاً: مفهوم الموضوع وإعادة بنائه داخل النص
ينتقد الخولي التصورات التقليدية التي ترى أنّ الموضوع كيان سابق على النص، وأنّ الشاعر يقوم فقط بنقله أو التعبير عنه، فهو يقترح بدلًا من ذلك تصورًا مغايرًا يرى أنّ الموضوع لا يوجد إلا داخل النص، وأنه نتاج عملية تمثيل لغوي.
وبهذا المعنى فإنّ “الموضوع” هو بناء لغوي، وتركيب دلالي، ونتاج تفاعل بين الذات واللغة، كما أنّ هذا التحول في النظر إلى الموضوع يؤدي إلى نتيجة مهمة مفادها أنّ قراءة النص ينبغي أنْ تبحث عن كيفية تشكله داخله، فالموضوع ليس ما يقوله النص، إنما كيف يقوله.
وهذا ما يجعل من التمثيل الشعري عملية معقدة تتداخل فيها مستويات متعددة:
المستوى الواقعي، والمستوى الرمزي، والمستوى التخييلي.
رابعاً: مستويات التمثيل الشعري: نحو نموذج تحليلي
يقدم الخولي نموذجًا تحليليًا مهمًا يتمثل في تقسيم التمثيل الشعري إلى ثلاثة مستويات:
1. مستوى هيمنة الموضوع
في هذا المستوى يظل الموضوع قريبًا من الواقع، ويكون النص خاضعًا له، بحيث يمكن للقارئ أنْ يتعرف بسهولة على المرجع الواقعي للنص.
وغالبًا ما يكون هذا المستوى مرتبطًا بالشعر الخطابي أو المباشر.
2. مستوى التوازن بين الموضوع والنص
يتحول الموضوع في هذا المستوى إلى بنية شعرية دون أنْ يفقد ارتباطه بالواقع، ويتميز هذا المستوى بقدر من الانزياح يسمح بإنتاج دلالة جمالية مع الحفاظ على إمكانية التأويل.
3. مستوى هيمنة الذات الشاعرة
تصبح الذات ضمن هذا المستوى هي المركز، وتفرض رؤيتها على النص إلى درجة يصبح معها الموضوع غامضًا أو متوارياً.
وهنا يتحول النص إلى فضاء تأويلي مفتوح يصعب الإمساك بمعناه.
هذا التقسيم يمثل أداة تحليلية، كما يكشف أيضًا عن رؤية عميقة لطبيعة الشعر، فهو مجال خصب لصراع مستمر بين الواقع، واللغة، والذات.
خامساً: قراءة شعر محمود درويش
يرى الخولي أنّ شعر محمود درويش يمثل أنموذجًا غنيًا لدراسة التمثيل الشعري؛ نظرًا لتعدد مستوياته، وتعقيد بنيته، وتنوع موضوعاته، غير أنّ المؤلف يتعامل مع درويش كشاعر للقضية الفلسطينية إلى جانب اعتباره شاعرًا يعيد تشكيل هذه القضية داخل لغة شعرية ذات طابع جمالي خاص.
فالقضية الفلسطينية في هذا السياق تتحول إلى رمز، واستعارة، وبنية تخييلية؛ لأنّ قراءة شعر درويش يجب أنْ تنفتح على أبعاده الجمالية والدلالية.
في هذا الأفق التأويلي تتحوّل القضية الفلسطينية في شعر محمود درويش إلى بنية رمزية مركّبة تتداخل فيها مستويات الدلالة وتتشابك.
فهي تظهر رمزًا يتجاوز حدوده الجغرافية والتاريخية ليغدو علامة إنسانية كونية تُحيل إلى تجربة الفقد والاقتلاع والبحث عن الهوية، ففلسطين في النص الدرويشي حالة وجودية تُعاد صياغتها عبر اللغة.
كما تتجلى القضية كاستعارة كبرى، فيعمد الشاعر إلى تحويل العناصر الواقعية (الأرض، والمنفى، والعودة، والذاكرة) إلى صور تخييلية كثيفة تتسع لتشمل أبعادًا نفسية ووجودية.
فالأرض قد تغدو جسدًا، والهوية جرحًا مفتوحًا، والمنفى زمنًا معلقًا، وهو ما يمنح التجربة الشعرية طابعها الإيحائي العميق، ويُخرجها من حدود المباشرة إلى فضاء المجاز الخلّاق.
كذلك تتخذ القضية شكل بنية تخييلية تنتظم داخلها مكوّنات النص، فتُقرأ القصيدة كعالم يُعاد بناؤه وفق قوانين الشعر، وتتفاعل الرموز والاستعارات والصور ضمن شبكة دلالية متكاملة تُنتج المعنى عبر العلاقات الداخلية بين عناصرها.
وقراءة شعر درويش ضرورةً منهجية تقتضي الانفتاح على أبعاده الجمالية والدلالية معًا؛ إذ لا يمكن اختزال النص في بُعده السياسي، كما لا يجوز فصله عن سياقه التاريخي؛ لأنّ القيمة الحقيقية لتجربته الشعرية تكمن في هذا التوتر الخلّاق بين الواقعي والمتخيَّل، وبين المرجعي والرمزي، فتتأسس دلالة متعددة تتجدّد مع كل قراءة، وتظلّ مفتوحة على إمكانات تأويل لا نهائية.
سادساً: اللغة الشعرية المنتجة للواقع
يؤكد الخولي أنّ اللغة الشعرية تخلق الواقع، وهذه الفكرة تمثل تحولًا جذريًا في فهم العلاقة بين اللغة والعالم، فلم تعد اللغة وسيلة للتعبير، إنما أصبحت أداة لإنتاج المعنى.
فالواقع في الشعر لا يظهر إلا من خلال اللغة، وبقدر ما تسمح به هذه اللغة، وهذا يعني أنّ العالم الشعري هو عالم مستقل له قوانينه الخاصة، وهذا الطرح يقترب من تصورات ما بعد البنيوية، والتي ترى أنّ اللغة هي التي تنتج الواقع، وليس العكس.
سابعًا: تقييم نقدي للكتاب
يمكن القول إنّ هذا الكتاب الذي قدّمه محمد خولي يمثّل إضافة نوعية إلى حقل النقد العربي المعاصر، ولا سيّما في مجال الدراسات السيميائية وتطبيقاتها على الخطاب الشعري.
فالخولي ينخرط في مشروع نقدي يسعى إلى إعادة بناء أدوات قراءة النص الأدبي، وتجاوز الأطر التفسيرية التقليدية التي طالما حصرت الشعر في بعده الموضوعي أو المرجعي، ومع ذلك فإنّ القيمة العلمية لأيّ عمل لا تكتمل إلا بإخضاعه لنظر نقدي متوازن يُبرز مكامن القوة كما يرصد حدود التجربة وإشكالاتها.
أولًا: المحاسن
1. عمق نظري واضح
يتكئ الكتاب على خلفية معرفية رصينة تستمد أدواتها من التراث السيميائي والبنيوي الغربي، وهو ما يمنح التحليل بعدًا إبستمولوجيًا متينًا يتجلّى في قدرة المؤلف على توظيفها ضمن سياق نقدي عربي، بما يشي بوعيٍ منهجي يسعى إلى تأصيل هذه الأدوات داخل الثقافة النقدية العربية لا مجرد استنساخها.
2. بناء مفاهيمي متماسك
يتميّز العمل بوضوح هندسته المفاهيمية، حيث تتآزر المصطلحات ضمن شبكة دلالية منسجمة تتدرّج من التعريف إلى الإجراء، ومن التنظير إلى التطبيق.
وهذا التماسك يسهم في بناء رؤية نقدية متكاملة تجعل من النص الشعري نظامًا من العلامات القابلة للتحليل وفق منطق داخلي بدل النظر إليه على أنّه خطاب مفكك أو اعتباطي.
3. محاولة جادة لتجاوز القراءات التقليدية
يُحسب للمؤلف سعيه إلى كسر أفق التلقي الكلاسيكي الذي يركّز على المضامين المباشرة، إذ يقدّم قراءة تنفتح على الأبعاد الرمزية والتخييلية للنص خاصة في تناول شعر محمود درويش.
وبذلك يسهم الكتاب في نقل مركز الثقل من “ماذا يقول النص؟” إلى “كيف يقول النص ما يقوله؟”، وهو تحوّل نوعي في آليات القراءة النقدية.
ثانيًا: المآخذ
1. كثافة اصطلاحية قد تعيق الفهم
على الرغم من أهمية الجهاز المفاهيمي المعتمد فإنّ كثافة المصطلحات السيميائية وتداخلها قد تجعل النص النقدي عسير التلقّي خاصة بالنسبة للقارئ غير المتخصص. إذ يغلب أحيانًا حضور المفهوم على حساب الشرح، ما يخلق مسافة بين الخطاب النقدي والمتلقي، ويحدّ من انتشار هذا النوع من الدراسات خارج الدوائر الأكاديمية الضيقة.
2. هيمنة الجانب النظري على التطبيقي
يميل الكتاب إلى ترجيح الكفّة النظرية بحيث يبدو التحليل التطبيقي محدودًا قياسًا إلى الامتداد المفاهيمي.
وكان من الممكن تعزيز القيمة الإجرائية للعمل عبر توسيع الحيّز التطبيقي، وإيراد قراءات نصية أكثر تفصيلًا تُجسّد المفاهيم في سياق عملي واضح.
3. ميل إلى التجريد أحيانًا
يتّسم الخطاب النقدي في بعض مواضعه بدرجة من التجريد قد تُضعف صلته بالنصوص المدروسة، حيث يتحوّل التحليل إلى بناء مفاهيمي قائم بذاته، وهذا الميل على الرغم من كونه جزءًا من طبيعة الخطاب السيميائي إلى أنّه يحتاج إلى موازنة دقيقة تُبقي النص الأدبي في مركز العملية النقدية.
ثالثًا: أفق القراءة وإمكاناتها
على الرغم من هذه الملاحظات فإنّ الكتاب يفتح أفقًا رحبًا أمام الدراسات النقدية العربية، إذ يقدّم نموذجًا لقراءة تتجاوز الأحكام الانطباعية نحو تحليل علمي يستند إلى أدوات منهجية دقيقة.
كما أنّه يتيح إمكانات تطوير لاحقة سواء عبر تعميق الجانب التطبيقي، أو عبر تبسيط الجهاز المفاهيمي، أو حتى من خلال توسيع النصوص المدروسة.
ويمكن النظر إلى هذا العمل كخطوة ضمن مسار تراكمي لا مشروع مكتمل نهائيًا؛ إذ يضع أسسًا يمكن للباحثين البناء عليها سواء بالمراجعة أو بالتطوير أو بالمقارنة مع مقاربات نقدية أخرى.
ومن باب إنصاف تجربة الدكتور محمد خولي يقتضي الإقرار بأنّ ما قد يبدو من مآخذ لا ينفصل عن طبيعة المشروع الذي يسعى إلى إدخال أدوات معرفية معقّدة إلى حقل نقدي ما يزال في طور التشكّل.
وخلاصة القول: إنّ هذا الكتاب يجمع بين الجرأة المعرفية والجهد المنهجي، ويؤسّس لوعي نقدي جديد، حتى وإنْ ظلّ بحاجة إلى مزيد من التوازن بين التنظير والتطبيق. وهو بذلك يُعدّ إسهامًا جادًا يستحق التقدير، ويشكّل إضافة ثريّة في دراسة الشعر العربي الحديث وتحليل بنياته الدلالية.
ويمكن النظر إلى هذا الكتاب على أنّه محاولة جادة لإعادة التفكير في العلاقة بين الشعر والواقع من خلال مفهوم التمثيل، وهو يفتح أفقًا نقديًا جديدًا يدعو إلى قراءة النصوص الشعرية على أنها أنظمة دلالية معقدة لا يمكن اختزالها في معنى واحد.
إنّ أهم ما يقدمه الخولي هو هذا التحول في النظر من البحث عن “الموضوع” إلى البحث عن “تمثيله”، وهذا التحول في حدّ ذاته يمثل نقلة نوعية في النقد الأدبي تستحق الوقوف عندها والتوسع فيها.
تشير هذه القراءة النقدية إلى أنّ كتاب “التمثيل الشعري للموضوع عند محمود درويش” للدكتور محمد عبد الله الخولي يندرج ضمن المشاريع النقدية الجادة التي تسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين الشعر والواقع عبر وسيط اللغة، وفي ضوء مقاربات سيميائية ذات أفق تواصلي.
فقد نجح المؤلف إلى حدٍّ بعيد في نقل النقاش من مستوى التعامل مع “الموضوع” كمعطى سابق على النص إلى اعتباره بنية دلالية تُنتج داخل الخطاب الشعري، وتتشكل عبر تفاعل معقد بين العلامة والمرجع والذات والمتلقي.
لقد بيّنت الدراسة أنّ الخولي لا يكتفي باستثمار المنجز السيميائي كما تبلور عند تشارلز بيرس، ولا عند رومان جاكوبسون، فهو يسعى إلى إعادة تأويل هذه المرجعيات ضمن مشروع يهدف إلى بناء نموذج تحليلي قادر على استيعاب خصوصية النص الشعري، وخاصة في تجربة محمود درويش التي تتسم بتعقيد دلالي وتنوع في مستويات التمثيل. وتتجلّى القيمة المعرفية لهذا الكتاب في إسهامه النظري، ولا سيما في اقتراحه لتقسيم التمثيل الشعري إلى دوائر ثلاث هي: الواقعي، والرمزي، والتخييلي، وهي دوائر لا تعمل في عزلة، إنما تتداخل وتتكامل في إنتاج المعنى الشعري.
وقد كشفت هذه القراءة عن جملة من الإشكالات التي تفرض نفسها عند تقويم هذا العمل:
فمن جهة أولى يلاحظ هيمنة واضحة للبعد التنظيري على حساب الاشتغال التطبيقي، إذ كان بالإمكان تدعيم الأطروحات بمزيد من القراءات النصية التفصيلية التي تُظهر فاعلية الجهاز المفاهيمي المقترح.
ومن جهة ثانية، فإنّ الكثافة الاصطلاحية على الرغم من دلالتها على عمق معرفي إلّا أنها قد أسهمت في إضفاء قدر من الإغلاق على الخطاب، ما يجعل تلقيه مشروطًا بامتلاك خلفية نظرية متقدمة في السيميائيات والنقد الحديث.
أما من جهة ثالثة، فمحاولة التوفيق بين مرجعيات متعددة (بنيوية، سيميائية، تأويلية) تظل في بعض المواضع غير محسومة تمامًا، وهو ما يفتح المجال أمام تساؤلات حول مدى انسجام الإطار النظري العام.
ومع ذلك فإنّ هذه الملاحظات لا تقلل من أهمية الكتاب بقدر ما تندرج ضمن أفق نقدي يسعى إلى تطوير هذا النوع من الدراسات، والبناء عليه.
إذ يمكن اعتبار عمل الخولي خطوة متقدمة في سبيل تأسيس مقاربة عربية معاصرة للتمثيل الشعري قادرة على الانفتاح على المناهج الحديثة دون أنْ تفقد صلتها بخصوصية النص الأدبي العربي.
إنّ أهم ما تخلص إليه هذه الدراسة هو أنّ الشعر في ضوء هذا التصور يُفهم كونه ممارسة دلالية تُعيد إنتاج هذا الواقع داخل اللغة، وتفتحه على إمكانات تأويلية متعددة. وهو ما يجعل من “الموضوع” كيانًا ديناميًا لا يستقر، ويظل في حالة تشكّل مستمر تبعًا لتعدد القراءات وتنوع السياقات.
هذا وإنّ آفاق البحث في هذا المجال تظل مفتوحة، سواء من خلال تعميق الاشتغال على البعد التطبيقي للنموذج الذي يقترحه الخولي، أو عبر مقارنته بمقاربات نقدية أخرى، أو من خلال توسيع دائرة التطبيق لتشمل تجارب شعرية مختلفة.
كما يمكن أنْ يشكل هذا العمل منطلقًا لإعادة التفكير في مفاهيم مركزية في النقد الأدبي مثل: المرجع، والتمثيل، والتأويل في ضوء التحولات التي يشهدها الفكر النقدي المعاصر.
إنّ كتاب “التمثيل الشعري للموضوع عند محمود درويش” يفتح أسئلة جديدة، وهو ما يمثل في حد ذاته إحدى أهم وظائف الخطاب النقدي الجاد الذي يسعى إلى توسيع أفق التفكير في النصوص، وإعادة صياغة أدوات قراءتها.
في ختام مقالي أقول: تنطوي الصفحاتُ وتبقى جمرةُ المعنى يقِظةً في رمادِ اللغة، تشعُّ كلّما لامستها يدُ قارئٍ جديد، لينهض محمود درويش في هذا المقام كينونةً شعريّةً لا تستقرُّ على حال، لتتوالدُ من داخلها طبقاتُ الدلالة، وتفيضُ من حوافِّها أسئلةُ الوجود والهُوية والحنين.
يغدو النصُّ مع محمود درويش مجالًا حيًّا تتعالقُ فيه الإشارةُ والرمزُ والصوت، وتتشكّلُ خرائطُ المعنى على إيقاعِ التجربة، فتتبدّلُ القراءةُ كلّما تبدّلَ موقعُ النظر، وتغتني كلّما اتّسعَ أفقُ التأويل.
وفي ضوءِ هذا الامتداد يبرزُ جهدُ الدكتور محمد عبد الله الخولي كونه محاولةً واعيةً لإحكامِ النظر في بنيةِ التمثيل الشعريّ للموضوع، واستجلاءِ علاقاتِ العلامةِ بمحيطها التواصليّ.
وتتقدّمُ مقاربتهُ بخطًى محسوبة، فتلتقطُ الخيوطَ الدقيقة بين الدالِّ والمدلول، وتستقرئُ آلياتِ التشكيل في النصّ الدرويشيّ، فتفتحُ للمتلقّي مسالكَ جديدةً للفهم، وتستدعي في الآنِ نفسِه أسئلةً موازيةً حول حدودِ المنهج، وسِعةِ الإحاطة، وإمكانِ القبض على نصٍّ يراوغُ الاكتمال.
وهذا ما يسعى لتحويل القراءة إلى فعل مركّب يتجاورُ فيه الكشفُ مع الإبداع، ويصيرُ القارئُ شريكًا في بناءِ المعنى لا مجرّدَ متلقٍّ له.
كما تنسحبُ العلاماتُ من سكونها لتدخلَ حيّزَ الحركة، وتتجاوبُ الأصواتُ في نسيجٍ تتداخلُ فيه الذاتيّةُ بالجماعيّة، والتاريخيُّ بالوجدانيّ، فيتشكّلُ نصٌّ مفتوحٌ على أزمنةٍ متعدّدة، يَصْدُقُ فيه الحضورُ بقدرِ ما يتكثّفُ الغياب.
وفي هذا الأفق تتجلّى التجربةُ الدرويشيّةُ كمرآةٍ تعكسُ هشاشةَ الإنسان وقوّتَه معًا، وتمنحُ اللغةَ قدرةً على أنْ تقولَ ما يتجاوزُ القول، فيتبدّى الشعرُ طاقةً خلاّقة تُعيدُ ترتيبَ العالم في صيغةٍ أكثرَ إنسانيّة، وتستدعي من القارئ يقظةً دائمة تليقُ بعمقِ هذا الأثر واتّساعِه.
تمتدُّ الرحلةُ الأدبيّةُ في هذا المقال مقامًا من مقاماتِ العشقِ المعرفيّ، فتتآلفُ فيه الخبرةُ الشخصيّةُ مع التحليل، ويتحوّلُ التلقّي إلى ممارسةٍ واعية تُنصتُ للنصّ وتُحاورهُ في آن، ويتعزّزُ اليقينُ أنّ الشعرَ الدرويشيّ فضاءٌ لا يُحدُّ، وأنّ كلّ قراءةٍ تفتحُ بابًا لقراءةٍ أخرى، وكلّ تأويلٍ يُنبتُ تأويلًا جديدًا، في سلسلةٍ لا تنقطعُ من التفاعلِ والاشتغال.
يستقرُّ هذا المقالُ في خاتمته على أفقٍ رحب يوسّع المعنى، ويحرّر الدلالة، ليغدو درويشُ حضورًا متجدّدًا في الوعي، ونبضًا يرافقُ اللغةَ في مسيرتها، وصوتًا يعبرُ الأزمنةَ ليذكّرَ القارئ بأنّ الشعرَ تجربةٌ تُعاش، ومسارٌ يُعادُ اكتشافه مع كلّ اقتراب، فتتعانقُ البدايةُ مع النهاية تعانقَ الدائرةِ بنقطةِ انطلاقها، ما يكشف للوعي أنّ المعرفةَ الأدبيّةَ سيرورةٌ لولبيّةٌ تتقدّمُ عبر عودتها، وتُعيدُ تشكيلَ ذاتها مع كلِّ اقتراب.
عند هذا المنعطف، ينهضُ محمود درويش ككثافة دلاليّةً تتولّدُ من توتّرٍ خلّاقٍ بين القولِ ومجازه، وبين الإشارةِ وامتدادها، فتغدو القصيدةُ مجالًا يختبرُ القارئُ فيه أدواته ويعيدُ ترتيبَ وعيه.
وتتأسّسُ الحُجّةُ على تحويلِ المعنى إلى فعلٍ، وعلى جعلِ القراءةِ إنتاجًا يتشكّلُ ضمن أفقِ التلقّي، ويظهرُ المنهجُ لدى الدكتور محمد عبد الله الخولي إطارًا يلتقطُ العلاقاتِ بين العلامات، ويقترحُ مسالكَ للفهم تُوسّعُ مجالَ الدلالة، وتُعيدُ توزيعَ مراكزِ النظر داخل النصّ.
ومن ثمّ تتقدّمُ القراءةُ التي باتت ممارسةً واعية تجمعُ بين تفكيكِ البنيةِ واستنطاقِ المعنى، وتُسهمُ في توليدِ طبقاتٍ جديدةٍ من التأويل.
يتخذُ ختامي لهذه القراءة هيئةَ عتبةٍ معرفيّة تُحرّضُ على قلقٍ منتج، وتدعو إلى مساءلةِ الأسئلةِ، وإعادةِ صوغِ العلاقةِ بين القارئِ والنصّ.
فأيُّ معنى يتشكّلُ في كلِّ قراءة؟ وأيُّ أفقٍ يتّسعُ مع كلِّ اقتراب؟
إنّ القراءةَ هنا تجربةُ وعيٍ يتنامى، ومسارٌ تتكثّفُ فيه الدلالةُ عبر الحركة كونه انفتاحًا على بدايةٍ أشدَّ عمقًا، فكلُّ قراءةٍ خطوةً في طريقٍ يتجدّد يتواطأ فيه القارئُ مع النصّ على إنتاجِ معنى يتنامى باستمرار.
وفي هذا الأفق يستقرُّ الأدبُ فعلًا حيًّا، وتستقرُّ القراءةُ فعلَ خلقٍ دائم يوسّعُ حدودَ الرؤية، ويمنحُ المعنى امتدادًا لا ينضب.
كما تنبثقُ من بينِ السطورِ رسالةٌ خفيّة تُسلَّمُ إلى القارئ كما تُسلَّمُ زهرةٌ على عتبةِ دربٍ طويل، إنها زهرةٌ من أثرِ محمود درويش، ومن صدى قراءةٍ سعت إلى ملامسةِ جوهرِه، ومن يقينٍ يتنامى بأنّ النصَّ يزهرُ كلّما امتدّت إليه يدٌ جديدة.
سأترك هذه الزهرةُ شاهدةً على عبورٍ لم يكتمل، وعلى حوارٍ يطلبُ من يُتابعُه، وعلى معنى يتشكّلُ مع كلّ عينٍ تُصغي.
فإنْ صادفتْ هذه الكلماتُ قلبًا يلتقطُ خيطَها فإنّ الرحلةَ تستأنفُ نبضَها، ويتحوّلُ الأثرُ إلى امتداد، ويغدو القارئُ شريكًا في كتابةِ ما يتجدّد.
أرجو أنْ أكون قد وفّقتُ في غرسِ هذه الزهرةِ في طريقِ القراءة، لتظلَّ تنفتحُ كلّما مرَّ بها وعيٌ جديد، وتُهدي عطرَها لمن يُكملُ المسير.
وللهِ وَلِيُّ التوفيق، عليهِ أُفوِّضُ الحرفَ وما انطوى عليه من جهدٍ وتأمّل، وبهِ أستودِعُ هذه الزهرةَ على عتبةِ القراءة علّها تُزهرُ في خطى العابرين، وتمتدُّ في قلوبٍ تعرفُ للحياةِ وجهها الأبهى، كما أنشدَ محمود درويش يوم قال: ” وَنَحْنُ نُحِبُّ الحَيَاةَ إذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلاَ، وَنَرْقُصُ بَيْنَ شَهِيدْينِ نَرْفَعُ مِئْذَنَةً لِلْبَنَفْسَجِ بَيْنَهُمَا أَوْ نَخِيلاَ.
نُحِبُّ الحَيَاةَ إِذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلاَ، وَنَسْرِقُ مِنْ دُودَةِ القَزِّ خَيْطاً لِنَبْنِي سَمَاءً لَنَا، وَنُسَيِّجَ هَذَا الرَّحِيلاَ، وَنَفْتَحُ بَابَ الحَدِيقَةِ كَيْ يَخْرُجَ اليَاسَمِينُ إِلَى الطُّرُقَاتِ نَهَاراً جَمِيلاَ.
نُحِبُّ الحَيَاةَ إِذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلاَ، وَنَزْرَعُ حَيْثُ أَقمْنَا نَبَاتاً سَريعَ النُّمُوِّ، وَنَحْصدْ حَيْثُ أَقَمْنَا قَتِيلاَ، وَنَنْفُخُ فِي النَّايِ لَوْنَ البَعِيدِ البَعِيدِ، وَنَرْسُمُ فَوْقَ تُرابِ المَمَرَّ صَهِيلاَ،
وَنَكْتُبُ أَسْمَاءَنَا حَجَراً: أَيُّهَا البَرْقُ أَوْضِحْ لَنَا اللَّيْلَ أَوْضِحْ قَلِيلاَ.
نُحِبُّ الحَيَاةَ إِذا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلا…”.
د. غدير حميدان الزبون
صباحُ يومِ الأحد، من قلبِ غرفة تعجُّ بضجيجِ العلمِ والحياة
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية

