الدكتور محمد سيف الإسلام بــــــــوفـلاقـــــة
أستاذ التعـلــيم العــالي بجامعة عـــنابة
ليست التجارب الإنسانية سواء في عبورها دروب العمر؛ فثمة مسارات تنطوي في هدوء، كأنها أوراق جفّفتها رياح النسيان، وأخرى تترك على جدار الوجدان نقوشًا عصيّة على المحو والاندثار؛ إذ تظل تنبض تحت رماد الأعوام، وكلما هبّت من جهة الحنين نسمة؛ أعادت إليها وهجها الأول، وثمة أمكنة نغادر عتباتها، لكن أرواحنا تظل معلّقة بنوافذها، تستعيد من زواياها دفء البدايات، ومن أزقتها وقع الخطى التي رسمت ملامحنا الأولى، كما أنّ وجوهًا كثيرة يغيّبها الرحيل، بيد أنها لا تستسلم للغياب، وتظل تطلّ من شقوق الحكاية، كنجوم بعيدة يحجبها الأفق، ولا يُطفئ ضياءها.
ولعلّ قوافل السنين، مهما ابتعدت في مجراها، لا تستطيع أن تستأصل من النفس جذور التجربة، وجذوتها المتوقدة، ولا أن تطفئ ما أودعته الحياة في خزائن الروح من صور، ومشاهد، وانفعالات؛ فما تتركه الأيام في أعماقنا ليس غبارًا تذروه الرياح، بل طبقات من المعنى تتراكم في صمت، وتعيد تشكيل ملامحنا كما تنحت المياه الصخر على مهل، ومن تخوم هذا التداخل بين أطياف الأمس، ونبض الحاضر، وبين حكايات الذات، وما خلّفته الرحلة من ندوب وأضواء؛ تنبثق تجربة الأديب والباحث الدكتور عبد الله حمادي في كتابه: «مسيرة حياة»، والذي نكتشف من خلاله أن الكتابة قد غدت نافذةً تطلّ منها الذات على مساراتها المنقضية، ويعترف الأديب حمادي في افتتاحية هذه المذكرات بأنه قد تردد قبل كتابتها، حيث يقول: «كم ترددت وأنا أقدم على كتابه ما أسميته مذكرات حياتي؛ لكونها ستُجبرني على الولوج إلى مُكاشفة النفس الأمارة أو المطمئنة، ولكن في آخر الأمر أرخيتُ للقلم عنانه، وللنفس المطمئنة أن تقول ما تُريد، وأن تكشف الأسرار المخبأة منذ السنين…لقد غامرتُ في المجهول، وأنا أتقصى تلك الذكريات البعيدة، والسنوات الطوال…».
ويذكر بأنه قد تربي في أحضان الثورة الجزائرية والثوار، وتقاسم معهم حياة الكدّ والاجتهاد، وغامر مثلهم لنيل المُبتغى والانتصار، وقد جعل من الثورة الجزائرية، وحب الوطن نبراساً يهتدي به، وغاية ينشدها في الملمات الصعبة.
والحقيقة أن كتاب: «مسيرة حياة»، ليس مجرد استعادة لمحطات من عمر مضى، ولا سردا متتابعا لوقائع تعاقبت على حياة صاحبها؛ إنه، في أفقه السير ذاتي، محاولة لاستنطاق التجربة، وإعادة ترتيب شتات الذاكرة، والكشف عن الخيوط التي تصل بين الطفل الذي كان، والمثقف والأديب والباحث الموسوعي الذي صار، ومما لا يشوبه أدنى شك أن الذاكرة تخضع لعناصر مختلفة، ومن بينها قيمة الأحداث، وتأثيرها في نفس الكاتب، ومن اليقين أنها تلعب دوراً مهماً في نصوص الترجمة الذاتية، وفي الرواية السيرية؛ إذ تروى الأحداث بعد أن مرت عليها فترة طويلة، والكاتب يسترجع ذكرياته، وهو في الكهولة أو هو على مشارف الشيخوخة، وهي أحداث عاشها خلال مراحل منصرمة في طفولته وصباه وشبابه، وقد يؤدي استدعاء الذاكرة إلى امتزاج الواقع بالخيال، وإلى المراوغة، وما دبجه يراع الأديب عبد الله حمادي ينضوي تحت لواء السيرة الذاتية، ونلاحظ في هذا العمل المتميّز أنه يصول ويجول بين الأمكنة التي احتضنت البدايات، والعوالم التي اتسعت لها التجربة مع مرور السنين؛ فالذات، وهي تستعيد ماضيها، لا تعود إليه كما يعود المسافر إلى محطة غادرها؛ بل ترجع إليه محمّلة بما أضافه الزمن إلى رؤيتها، وبما كشفته الأيام من معانٍ؛ لم تكن ظاهرة ساعة وقوع الأحداث.
ولعل العنوان: «مسيرة حياة» يختزل، في بساطته الظاهرة، جانبا من طبيعة هذا العمل الأدبي الشائق؛ فالمسيرة توحي بالامتداد، والتحوّل والتغيّر، كما أنها تؤشر كذلك إلى الطريق والمسار، الذي لا تتضح معالمه كاملة، إلا حين ينظر المرء إلى المسافة التي قطعها، أما الحياة، فهي ذلك النسيج المتشابك من التجارب، واللقاءات، والأحداث المتداخلة، والشائكة، والمتباينة، وفيها من البدايات التي لا نعرف قيمتها إلا بعد انقضائها، ومن اللحظات التي تبدو عابرة ثم تكشف الذاكرة، بعد أعوام، أنها كانت منعطفات خفية في تشكيل الذات؛ فالذاكرة كنز إنساني دفين، كونها تحتفظ بالتجارب السابقة، وتخزنها، ثم تستدعيها مرة أخرى، ونلاحظ أن دائرة كتاب: «مسيرة حياة» تتسع وتتجاوز حدود التجربة الشخصية، فتتشابك فيها الذاكرة الفردية بالذاكرة العائلية، ويتقاطع المكان بالتاريخ، ويلتقي التكوين الثقافي بمسار الحياة، وكأن المؤلف، وهو ينقب في طبقات تجربته، لا يستخرج منها حكايته وحدها؛ بل يزيح الستار عن جانب من العالم الذي احتضن تلك الحكاية، وأسهم في تشكيلها، ولذلك نجده يقول: «حياتي في هذا الخضم الوارف بالظلال، تنحدر من أسرة تفخر بالعراقة والأصالة، تنتمي لجد يُسمى في الأوراق الثبوتية الاستعمارية الفرنسية جابر بن أحمد بن يوسف بن سيدي حمادي اليومني، المولود بدوار السبيخة، مشتة سيدي العربي، السمندو عام:1819م». وتنهض الطفولة في كتاب: «مسيرة حياة» بوصفها إحدى العتبات المهمة لاستعادة التكوين الأول للذات؛ فهي الزمن الذي تنغرس فيه البذور الأولى للوعي، وتتكون خلاله ملامح العلاقة بالعالم، والناس والغير، والعودة إلى هذه المرحلة ليست استرجاعا لسنوات بعيدة فحسب؛ بل محاولة لاستعادة الأجواء، والأشخاص، والمواقف التي أسهمت في تشكيل الشخصية، وتركت آثارها في الوعي اللاحق، فالطفولة لا تغيب تماما حين تنقضي سنواتها؛ إنها تظل، في أعماق الإنسان، أشبه بنبع خفي تتفرع عنه جداول من الذكريات، وقد تظل بعض صورها ساكنة زمنا طويلا، قبل أن توقظها كلمة، أو رائحة، أو مشهد، أو لقاء، وحين يستعيد الكاتب عبد الله حمادي تلك البدايات؛ فإنه لا يستعيد الطفل الذي كان في صورته الأولى وحدها، بل يستعيد أيضا المسافة التي تفصل ذلك الطفل عن الذات التي تتحدث عنه اليوم، ومن هنا، تكتسب ذكريات الطفولة قيمتها؛ بما تكشفه عن البيئة الاجتماعية والثقافية التي نشأ فيها المؤلف، وبما تتيحه من تتبع لبعض ملامح تكوينه؛ فالتجربة الأولى ليست مقدمة عابرة لما يأتي بعدها، بل إحدى الطبقات العميقة التي تتراكم فوقها خبرات العمر، وتتشكل في ضوئها بعض ملامح الشخصية، وقد وجدنا الدكتور عبد الله حمادي يستحضر بشغف بداية تعلمه في قرية الكريب، حيث يقول في هذا الصدد: «حين استقر أخي الأكبر في قرية الكريب، وصار مؤدبا للقرآن، قرر والدي إلحاقي بطُلاب القرآن، وأن أنضم إلى جمع غفير من القدادشة، حفظة القرآن، ولما كنت قد اكتسبت خبرة حين كنت أرافق أخي إلى دوار أولاد الطاوس، حين كان على وشك ختم القرآن، شعرتُ بشيء من الألفة منذ اليوم الأول، وخاصة أن أخي هو من صار مؤدبنا، فكنتُ أرافقه ذهاباً وإياباً إلى الجامع، وأحرص كل الحرص على عدم التأخر عن التعلم؛ بل أجتهد أكثر من غيري، لأثبت لأخي أنني جدير بحفظ القرآن مثله، وكنتُ حريصاً على مُجاراة الطلاب الأكثر مني سناً… »، وللمكان في كتاب: «مسيرة حياة» حضور يتجاوز وظيفته بوصفه إطارا تجري فيه الأحداث فقط؛ فهو خزان للصور، والذكريات، وشاهد على تحولات الحياة، وتغيرات الزمن، كما أنه يبدو بمنزلة فضاء؛ تتشابك فيه التجربة الفردية بملامح البيئة الاجتماعية والثقافية الجزائرية، وتبرز بوضوح مدينة قسنطينة، في هذا السياق؛ بوصفها مكانا للطفولة، والتكوين، وبدايات النشاط العلمي، كما أنها مرتع الحياة الثقافية والأدبية؛ التي خاض غمارها الكاتب منذ شبابه، كما شكلت مدينة قسنطينة في كتاب: «مسيرة حياة» حيزاً تتقاطع فيه ذاكرة المؤلف الخاصة، مع ذاكرة المدينة، حيث إن المدينة ليست حجارة تصطف في الشوارع، ولا أبنية تحددها الخرائط؛ إنها أيضا حياة تسري في الأزقة، وأصوات تتردد في البيوت، ووجوه تمر ثم تغيب، وعلاقات تترك في الوجدان ما لا تتركه المعالم المادية وحدها، وقد تتغير ملامح المكان، وتختفي بعض شواهده، وتتبدل وظائفه، غير أن صورته المستقرة في الذاكرة تستطيع أن تستدعي عالما بأكمله؛ كأن الماضي يفتح نافذة صغيرة في جدار الحاضر، ويطل منها على ما كان، وقد وصف المؤلف مدينة قسنطينة عند اللقاء الأوّل بعد الاستقلال بالقول: «حللنا بأطراف مدينة قسنطينة قرابة العصر، حيث واجهتنا قرية صغيرة تُسمى الخروب، في ذاك الوقت؛ كانت عبارة عن تجمع سكاني يمتد على أطراف الطريق الذي يشق القرية جنوباً شمالاً، بيوتات هذه القرية من المخلفات الاستعمارية، لا يوجد فيها ما يلفت الانتباه، تكثر فيها حضائر المواشي والاسطبلات… تحف الطريق المؤدي إلى قسنطينة من الخروب إليها أشجار كثيفة، ومزارع خصبة…، كان المنظرُ مدهشاً؛ فأحواز مدينة قسنطينة كانت من الخصوبة، ما يجعل البصر يستريح لمناظرها الخلابة، ويعكس مدى خصوبة الأرض التي تُحيط بقسنطينة؛ مما يؤكد وفرة الغذاء والماء بها. حين اقتربنا من مدينة قسنطينة اخترقنا حياً شعبياً أطلق عليه تسمية الكيلومتر الرابع…، وبعده وجدنا بساطاً أخضر يمتد من ذاك الملعب شمالاً، ليتصل بحي قيل لنا أنه يُسمى سيدي مبروك… ».
ومن خلال العديد من الأوصاف، والسرد الشائق الذي دبجه يراع الكاتب، يظهر التلاحم والتداخل ما بين سيرة الإنسان، وسيرة المكان؛ فاسترجاع حياة الأديب عبد الله حمادي، تقتضي استعادة بعض الفضاءات التي احتضنتها، وفي مقدمة هذه الفضاءات مدينة قسنطينة، التي حرص المؤلف على إيضاح كيف أثرت في شخصيته وتكوينه ووعيه، ويغدو المكان، بهذا المعنى، شريكا في الحكاية، وليس مجرد مسرح صامت لوصف الأحداث التي وقعت فيه؛ إذ يمنح الذاكرة ملامحها، ويضفي على التجربة الفردية جذورا، تتعمق في تربة المجتمع والثقافة، والحق أن الذات في كتاب: «مسيرة حياة» لا تنغلق على حدودها الفردية، بل تنفتح نحو محيطها العائلي، وتستحضر العديد من الأشخاص، وتصف العلاقات، والأصول والتحولات التي ارتبطت بذاكرتها؛ فالإنسان لا يبدأ حكايته من فراغ، ولا يصوغ هويته بمعزل عن الروابط التي احتضنت نشأته؛ إنه يحمل في تكوينه آثار الأسرة، وما تناقلته من تجارب وصور وقيم، وما عرفته من تحولات، وقد ركز الدكتور عبد الله حمادي على إبراز العديد من التحولات التاريخية، والسياسية، والاجتماعية التي عرفتها الجزائر، ولا سيما ما حدث بعد الانتقال من مرحلة الاستعمار الفرنسي إلى مرحلة الاستقلال والبناء والتشييد والتعمير؛ وما رافق ذلك من تغيرات في المجتمع الجزائري، والحياة الثقافية والتعليمية، حيث نجد الدكتور عبد الله حمادي يقول في إحدى صفحات الكتاب: «منذ ذلك التاريخ من شهر أكتوبر عام: 1962م، التحقت بثانوية فرانكو موسلمان بقسنطينة؛ هذه الثانوية التي ستفتح بيني وبين قسنطينة حواراً لم ينته إلى يومنا هذا من عام: 2025م، أي 63سنة بالتمام والكمال، حيث صار يحتلني وهج قسنطينة، حين أتدحرج صوب الجزارين، في أزقتها المتعانقة… ».
إن من يرغب في حصر القيمة العلمية لكتاب: «مسيرة حياة» للدكتور عبد الله حمادي، يصعب عليه حصرها في عناصر محددة؛ إذ تتوزع القيمة العلمية والأدبية لهذا الكتاب على عدة عناصر، من بينها أنه يُمثل وثيقة سيرية ماتعة، تتيح للقارئ الإحاطة بجوانب مختلفة، من سيرة وتكوين الأديب والباحث الموسوعي والمترجم عبد الله حمادي، ومساره العلمي، والثقافي، والأدبي، وتوفر مادة لدراسة صورة الكاتب عن نفسه، وعن المراحل التي يراها مؤثرة في تشكيل شخصيته وصقلها، كما أن هذا الكتاب يُشكل مصدراً ثميناً لمن يرغب في البحث في قضايا الذاكرة الاجتماعية، والثقافية الجزائرية؛ نظراً لما يحتويه من استعادة للأمكنة، وللأشخاص، والعلاقات والتحولات، وتنبع أهمية المعلومات الغزيرة التي قدمها الكاتب، من اتصالها بتجارب مهمة عاشها الأديب عبد الله حمادي، ووصفها بصدق، وبذاكرة منتعشة تستعيد ما عرفه، أو ما تشكل لديه عبر محيطه العائلي، والثقافي، كما يسمح هذا الكتاب بدراسة العلاقة بين السيرة والتاريخ؛ من خلال تتبع الطرائق التي تدخل بها التحولات العامة إلى الحكاية الشخصية، وكيف تنعكس الأحداث الكبرى على الحياة اليومية، والوعي الفردي. فالتاريخ، في هذا المستوى، لا يظهر بوصفه سلسلة من التواريخ، والأسماء فحسب؛ بل بوصفه قوة تؤثر في مصائر البشر، وتترك آثارها في اختياراتهم، وتطلعاتهم، وذاكرتهم، كما يوفر العمل مادة لتحليل العلاقة بين المكان والهوية، ولا سيما من خلال حضور قسنطينة، وغيرها من الفضاءات التي تسترجعها ذاكرة الأديب المتميّز عبد الله حمادي.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية
