الدكتور محمد سيف الإسلام بوفـلاقــــة
كلية الآداب واللُّغات، جامعة عنابة، الجزائر
-وقفة مع شهادة المُجاهد و الطبيب محمد تُــــومي-
أسهم الأطباء بأدوار مُهمّة جداً خلال ثورة التحرير الجزائرية المُظفرة(1954-1962م)؛ فقد اندمج العديد من الممرضين والأطباء في مختلف ربوع الوطن لخدمة الثورة التي كانت محتاجة إليهم، ولخدماتهم؛ وهناك مناطق شتى في الولايات التاريخية كانت تفتقر للممرضين والأطباء لأسباب مختلفة ومتعددة، ومن بين الأطباء الشجعان الذين انخرطوا لخدمة الثورة الجزائرية تحت لواء جبهة التحرير الوطني المجاهد الطبيب مُحمد تُومي الذي قدم شهادة ثمينة تستحق المدارسة والتأمل؛ نظراً لما تضمنته من معلومات دسمة قد تغيب عن المؤرخين والمهتمين بتاريخ الثورة الجزائرية العظيمة، فالمجاهد محمد تُومي قامة من القامات الوطنية النضالية و الجهادية والعلمية الأكاديمية، إنه رائد جيش التحرير الوطني، طبيب الولاية التاريخية الثانية خلال ثورة التحرير، وأحد مؤسسي كلية الطب بجامعة الجزائر، ينتمي إلى عائلة ميسورة تملك العديد من الأراضي الفلاحية الشاسعة في محيط برج منايل؛ حيث تعرضت العائلة إلى مصادرة أراضيها من قبل الاستدمار الفرنسي، انتقاماً من مُساندتها لثورة المقراني في عام: 1871م، وكونه ينتمي إلى عائلة ميسورة مادياً؛ فقد سمح له ذلك بالدراسة والانخراط في كلية الطب بمونبلييه الفرنسية، بيد أنه لبى نداء جبهة التحرير الوطني، كونه كان مناضلاً فاعلاً في الحركة الوطنية؛ فقد قطع حبل الدراسة، والتحق بالقاعدة الشرقية على الحدود الجزائرية التونسية سنة: 1956م، وفي عام:1957م غامر مع مجموعة من المجاهدين، ومنهم علي كافي، بقطع خط موريس للالتحاق بالثورة في الداخل، وهنا نجا بأعجوبة من موت مُحقق إثر صعقة بهذا الخط الجهنمي، في حين استشهد المجاهد علاوة بن بعطوش، وهو يُحاول تجاوز الخط المُكهرب، وبعد مسيرة شاقة ومضنية وصل إلى منطقة أولاد عسكر في ولاية جيجل حيث مقر الولاية التاريخية الثانية. ( بشير فريك: كلمات عابرة حول الفقيد محمد تومي، ج:الشروق، 17أفريل2024م، ص:21).
وقد ألّف الطبيب المجاهد محمد تُومي كتاب: «طبيب في معاقل الثورة حرب التحرير الوطني1954-1962م»، وقد تولت ترجمته إلى اللغة العربية الأستاذة حضرية يوسفي، وصدر في طبعة خاصة عن وزارة المجاهدين بالجزائر، وقد تضمن معلومات غزيرة وثمينة عن حياته، وعن التنظيم الصحي خلال الثورة الجزائرية؛ الذي كان خاضعاً بصفة مُباشرة إلى التقسيم الترابي الذي وضعته جبهة التحرير الوطني في بداية العمل المسلح، وتكرس هذا التقسيم بصفة نهائية غداة مؤتمر الصومام المنعقد في:20أوت1956م؛ إذ تم تقسيم التراب الجزائري إلى ولايات أو مقاطعات للإمدادات والعمليات، والولاية إلى مناطق، والمنطقة إلى نواحي، والناحية إلى أقسام.
كما احتوت شهادته على معلومات قيمة عن تطور المنظومة الصحية أثناء حرب التحرير الوطني ضد الاحتلال الفرنسي؛ وقد أرجع المجاهد مرحلة التأسيس إلى الفترة الممتدة ما بين:1954-1959م، حيث إن هذه المرحلة لم تشهد وجود مصلحة صحية منظمة، وتميّزت بانعدام الوسائل البشرية والمادية، وفي الداخل كان كل قسم وناحية، أو منطقة يتدبر أموره حسب الإمكانات المحلية المتوفرة؛ من خلال الاستنجاد بصفة ظرفية ببعض الأطباء أو الجراحين الذين لم يكن استقدامهم بالأمر الهين، بسبب الرقابة الشديدة التي كانت تُمارسها عليهم السلطات القمعية للاحتلال الفرنسي؛ لذلك فإن اللجوء إلى الوسائل المتاحة كان هو القاعدة الغالبة، وقد لاحظ المؤلف أن هذه المرحلة عرفت غياب أي تنسيق صحي بين مختلف الوحدات العاملة على مستوى الولاية نفسها، وقد تزامنت المرحلة الثانية الممتدة ما بين:1956-1962م، مع الإضراب التاريخي للطلبة الجزائريين، وسمحت لعدد كبير منهم بالالتحاق بالجبال، وقواعد العمليات الأساسية لجيش التحرير الوطني، وكان منهم طلبة الطب، والطلبة الذين تلقوا مبادئ أولية في الإسعاف، والأطباء والجراحون الذين جاؤوا لتعزيز المنظومة الصحية من داخل ربوع الوطن ومن خارج البلاد، ويؤكد المجاهد محمد تومي على أن الأطباء العاملين بالمدن قدموا مساعدات ثمينة رغم الأخطار التي كانت تهددهم.
وبالنسبة إلى التنظيم الفعلي لمصلحة الصحة في معاقل الثورة بالشمال القسنطيني، يذكر المؤلف أن المنظمة الصحية على المستوى الداخلي تدعمت وتعززت؛ بفضل الإمداد المتمثل في الطلبة والأطباء القادمين، إما بطريقة مُباشرة، وإما عن طريق وحدات الإمداد انطلاقاً من قواعد الإسناد، وقد أدى مجيء المجاهد الأمين خان عام:1956م، وكان حينئذ طالباً في الطب، إلى الولاية الثانية دوراً مهماً في تعزيز النظام الصحي بهذه الولاية؛ التي كانت تضم أعواناً طبيين أكفاء مثل: عمر مكشر وبوسديرة، ويعتقد أن تعزيز الجانب التنظيمي يتضح في وثيقتين مهمتين: المنشور رقم:2الصادر عن الولاية بتاريخ: 9سبتمبر1956م؛ الذي يُحدد الهياكل الصحية وكيفيات سيرها، والتقرير العام المؤرخ في سنة: 1957م.
وقد اتسم النظام الصحي بالتشابه في جميع الولايات، والتباينات التي كانت موجودة تتعلق فقط بعدد الإطارات، ومستواها التكويني، وقد كان مسؤول الصحة في القسم يتولى مسؤولية الإشراف على مستشفى تُساعده في ذلك مجموعة من الممرضين والممرضات، كما يُشرف على الطلبة المتربصين والممرضين المتنقلين داخل حدود القسم، ومهمتهم تقديم الإسعافات الأولية للمجاهدين وللسكان المدنيين المصابين، والسهر على التطبيق الصارم لإجراءات النظافة والوقاية ليس على مستوى المراكز فحسب؛ بل وفي أوساط السكان المقيمين داخل المناطق المحرمة، حسب تسمية جيش الاحتلال الفرنسي، كما كان الممرضون الذين يرافقون الوحدات القتالية يخضعون كذلك للمسؤولية الطبية لمسؤول الصحة للقسم، الذي تربطه علاقة مباشرة بالمرشدات أو المساعدات الاجتماعيات اللواتي كن ينشطن داخل حدود القسم، ويؤدين العديد من المهام الطبية والاجتماعية والسياسية.
ويُشير المجاهد والطبيب محمد تومي إلى أن جيش التحرير الوطني كان يُقيم مستشفياته بصفة عامة في مكان آمن نسبياً بالقرب من مصدر مائي، أو في قلب الغابة، وحتى وسط السكان في قلب الدوّار أحياناً، وقد كان المُستشفى يتألف من عدد من الأكواخ التي تُسمى بالعامية ( القرابى)؛ التي يُخصص أفضلها من ناحية التهيئة للمرضى والجرحى الذين يوضعون فوق أسرّة خشبية أو حصائر فقط، ونادراً ما كانت المطارح تتوفر للمصابين إصابات بليغة، بينما يتم تخصيص مكان آخر لاستقبال الإسعافات يكون في الآن ذاته مكتباً للطبيب، ويُهيأ مكان ثالث يستعمل كمطبخ يتألف من قسمين أحدهما خاص بالعاملات، ومهمتهن خبز الكسرة، والثاني خاص بالطباخ وأعوانه، وهناك محل رابع خاص بالمستخدمين، وآخر خاص برجال الحراسة، وهم ستة جنود مسلحين يسهرون على حماية المخيّم، وقد ينضم إليهم حسب الظروف جميع من كان قادراً من الرجال المتواجدين بالهيكل.
وقد كان المجاهدون يُجهزون عدة مخابئ( كازمات) لحفظ الأدوية، والمؤونة وإخفاء الجرحى الذين يتعذر عليهم التنقل في حالة الإنذار بوجود خطر داهم، ويظل دائماً المخبأ قيد السريّة التامة، وقد يبعد في بعض الحالات بعدة كيلومترات عن مركز الإسعافات، ويخصص له شخص يشرف عليه، وتُخبأ فيه كمية من الأدوية والمؤونة الموجهة لهؤلاء المرضى المقعدين، ويمنع استعمالها إلا عند الاضطرار كما في حالة الغارات؛ لأن تموين المستشفى يتم عادة عن طريق المركز الرئيس.
وفيما يتعلق بعلاقات التنسيق داخل القسم الصحي، يذكر المؤلف أن القسم يعدّ تقريراً شهرياً في ثلاث نسخ عن نشاطاته، وتُوجه نسخة منها إلى لجنة القسم، وأخرى إلى مسؤول الصحة بالناحية، ومسؤول المنطقة الذي يجمع بدوره تقارير مختلف النواحي بغرض صياغة تقرير شامل عن منطقته يوجهه إلى قيادة المقاطعة، ومسؤول الصحة بالولاية، وفي النهاية تُجمع تقارير شتى المناطق من أجل إعداد تقرير نصف السداسي؛ ليقوم مسؤول الصحة بالولاية بعرضه أمام لجنة الولاية لدراسته مرة أخرى، وقد تحدث المؤلف عن قضية تكوين وتحسين مستوى الإطارات الصحية؛ فقد كان فتح هيكل صحي على تراب أي ولاية من الولايات التاريخية يتطلب وجوباً توفر إطارات مؤهلة بالعدد الذي تحتاجه الولاية، وفي ظل استحالة الاستقدام من الخارج قررت الإدارة المسؤولة عن الصحة تأسيس مدرسة لتكوين الإطارات الصحية عام: 1959م، وقد كان انتقاء الطلبة يتم داخل صفوف الجنود من العناصر الحائزة على مستوى شهادة التعليم الابتدائي الفرنسي، وتُوجّه هذه العناصر إلى تربص نظري مدته ثلاثة أشهر، يتلوه تربص تطبيقي مدته ستة أشهر في مختلف المستشفيات، ولما كان هذا التكوين لا يُحقق الأغراض المطلوبة، ولا يُلبي الاحتياجات، فقد تمّ اللجوء إلى العناصر المعرّبة، وإلى تعريب التعليم من أجلهم، ومنه تم إصدار وطبع كتيب رجل الإسعاف في جيش التحرير الوطني باللغة العربية، كما تمّ تنظيم تربصات كانت الغاية منها تحسين المستوى، وقد كانت هذه التربصات موجهة إلى كافة عمال الصحة، كما شُرع في عام: 1961م في نشر مجلة الولاية الطبية، وهي نشرة تُركز على جملة من المواضيع النظرية والتطبيقية، وتتضمن ملاحظات طبية وجراحية، وقد كان هدفها إفادة عمال الصحة والرفع من مستواهم التقني.
وقد سلط المجاهد والطبيب محمد تومي الأضواء على العديد من المعضلات التي كانت تواجه الأطباء والممرضين خلال عملهم لخدمة مجاهدي ثورة التحرير، وعامة المواطنين، ومن بين هذه المشكلات مشكلة الجرحى التي كانت في غالب الأحيان تطرح خطورة كبيرة، سواء من ناحية نقلهم، أو من جانب علاجهم المستعجل الذي تفرضه وضعيتهم الصحية، فبعض الجرحى كانوا ينتظرون أياماً عديدة قبل وصولهم إلى مركز العلاج المناسب، ومن بين الأمثلة التي قدمها المؤلف أن بعض الجرحى كانوا يُصابون في اشتباكات أو في كمائن يفقدون الوعي، ويظنهم رفاقهم موتى فيأخذون أسلحتهم بعد سحبهم إلى مكان آمن وراء الأشجار، وعندما يسترجع هؤلاء الجرحى وعيهم يضطرون إلى تدبّر أمرهم من أجل الوصول إلى الأماكن الآهلة؛ فيُعينهم سكانها على العودة إلى وحداتهم، وقد يحدث أن يرجع الرفاق لدفنهم فيكتشفون أمر نجاتهم، وفي حالات كثيرة يصل الجريح في حالة يرثى لها، وفي مرحلة متقدمة من الإصابة، أو التعفن تتطلب إنعاشاً وعلاجاً غير متوفر، ولاسيما في ظل الانعدام التام للدم اللازم للعمليات الطبية، وفي ظل هذا القحط يكون الحل هو اللجوء إلى بتر الأعضاء المصابة، وهذه الخطوة الجراحية تتم في ظروف صعبة جداً، وبأدوات بسيطة جداً، وبتعقيم يتم بوساطة الحرق، أو الغلي، أو تخدير هو أقرب إلى المُسكن، وفي بعض الحالات تتم العملية دون إعطاء أي دواء، وفي أوقات الشدة تزداد الأمور صعوبة وتتفاقم؛ بسبب الصعوبات الميدانية التي كانت تجابه المجاهدين في مجال الإغاثة العاجلة أثناء الاشتباكات، وعمليات القنبلة والكمائن، ولاسيما أن حرب العصابات تعتمد على سرعة الحركة والمرونة القصوى للوحدات القتالية المتعودة على الهجمات المباغتة، والضربات المُوجعة، وهو ما يعني السرعة في التنفيذ، والسرعة الأكبر في الانسحاب والاختفاء، والتفرق في شكل مجموعات وأفواج من باب الاحتياط التكتيكي.
ويُنبه المجاهد والطبيب محمد تومي إلى أن أهمّ ما اتسمت به الإطارات الصحية في النواحي والأقسام هو التفاني المُنقطع النظير في أداء الواجب من خلال تقديم الإسعافات، ومواساة المرضى والجرحى، وفي خاتمة الفصل الثاني من الكتاب قدم المؤلف ملاحظات من بينها:
-أن إضراب الطلبة المعروف بإضراب ماي1956م، الذي قال عنه البعض آنذاك أنه لا يخدم كثيراً المصلحة الوطنية، وخلافاً لهذا الرأي أعطى دفعاً حقيقياً لحركة الاستقلال والعمل المسلح.
-أن الشبيبة التي التحقت بصفة جماعية بمعاقل الثورة كانت تتمتع بالحماس الفياض، والمستوى الثقافي ومتشبعة بالمبادئ الوطنية.
-أن الغلق المُحكم للحدود وسد المنافذ بغرض خنق الثورة، والتضييق على المجاهدين لم يُحقق لحسن الحظ النتائج المرجوة من الاستراتيجية التي وضعها الذين نظروا لقيادة الأركان العامة الفرنسية، رغم أنها تسببت في تراجع العمليات الهجومية للوحدات القتالية.
– إن نجاح المنظومة الصحية بالشمال القسنطيني في الوصول إلى درجة لا بأس بها من الفعالية؛ إنما يرجع إلى عاملين أساسيين، هما: الإرادة السياسية والعسكرية الواعية بأن وجود مصلحة صحية محكمة التنظيم كانت مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى جبهة التحرير الوطني، و الاستقرار والاستمرارية النسبية التي ميزت تنفيذ برنامج يهدف إلى تطوير الصحة في ظل روح جماعية كانت مضرب المثل، وأعطت ثمارها.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية

