هل يجب أن نخضع ” الأنطولوجيا ” بجميع مكوناتها إلى محك العقل ، ومطرقة الشك لكي نصبح فلاسفة ؟

بقلم :حمزة المليح

باحث في الفلسفة و علم الإجتماع
يقول ” ول ديورانت ” في كتابه الموسوم ب ( قصة الفلسفة ) واصفا الأخيرة بلسان سقراط على أنها ” تبدأ عندما يبدأ الإنسان بتعلم الشك ، وخصوصا الشك في المعتقدات التي يحبها ، والعقائد والبديهيات  أو الحقائق التي يؤمن بها ويقدسها ” ، ونجد كذلك عند أب الفلسفة الحديثة ” ديكارت ” الشك كمعيار أساسي لبلوغ الحقيقة واستنطاق البداهة ، و نلمس في كتابات العديد من الفلاسفة ضرورة إعتماد آلية الشك كمبدإ فعال لتحفيز التفكير الفلسفي .

لكن هل يصح أن نشك في كل شيء ؟ وكيف يمكننا أن نعتمد على الشك كآلية ناجعة تحترم إيمان الفرد المسلم وترضخ في ذات الآن إلى سلطة العقل ؟ و أين مكان الضمير الأخلاقي في فلسفة الشك ؟ وهل كل شكاك “فيلسوف” في الأصل ؟ و كيف يعقل أن يخضع المخلوق الناقص خالقه الكامل إلى فلسفة الشك ؟ وإلى أي حد يستطيع العقل البشري أن يسبر غور الميتافيزيقا الإلاهية ؟ ألا نخرج العقل من عقلانيته حينما نتطاول على محدوديته الفكرانية وآفاقه التأملية بوصف ” كامل الأوصاف ” – الله – وصفا إنسانيا محدودا ؟

وهل إنتهت مهمة الفكر الفلسفي وانقطعت لكي يعمد بعض الملاحدة المغاربة من عملاء الفكر ” القشري”  الصبياني إلى تحديد وظيفة الفلسفة في نبش الدين الإسلامي والضرب في مقاصده و مآلاته ؟

كل هذا الجدل القائم لا يلبي بالضرورة حاجات الفكر الإنساني ويرتقي به ، وإنما يزيد في عمق الفجوة الإيمانية لدى الشباب ” المسلم ” ، ويغدي بذلك طموحه المتهور لإثارة الجدل الصبياني الذي يحد من أفق تفكيره و يحبط من عزيمته التأملية . و لكن لم الشباب المسلم بالخصوص ؟

ذلك لما يحمله من طاقة مستفيضة وغنية بالتساؤلات الوجودية التي تشغل باله ، حيث تصبح عنده شهوة العقيدة والبحث عن الملاذ والطمأنينة النفسية بمثابة مخرج ومنفذ من الضغوطات السيكو-إجتماعية التي تحكم قبضتها عليه .

وهنا يأتي دور المثقف ، المربي ، الموجه ،الدكتور ، الذي يلعب نقطة فاصلة في البعد الفكراني للبناء الإبستيمولوجي لدى الطالب المغربي ” المسلم ” ، فعوض أن يقوم بتخليصه من حمى “عدم اليقين ” والبحث عن الحقيقة الجوهرية لطبيعة ممارساته الدينية ، نجد البعض من الفضلاء ” المثقفبن ” يحولون حماسته البريئة  ، إلى جرأة شيطانية تسخر للضرب في دين الحق ، بحجة أن الشك معيار الوصول إلى الحقيقة .

و يقال حقيقة أن ” فاقد الشيء لا يعطي ” ، فكيف لمن ضل عن السبيل أن يهدي الباحث عن نور الحق ؟ وكيف لمن لازالت تذروه رياح الشك ، أن يخمد نيران الباحث عن جوهر الحقيقة الدينية ؟ وكيف للذي لم يكلف نفسه مشقة و عناء السفر في طرق و مسالك الإيمانيات أن يجعل الشخص ” القلق ” والمشوش مطمئنا هادئ النفس والضمير ؟

كيف لا وقد أضحى التهكم على دين الحق موضة جديدة يعتاش منها ” الزنابير” من بعض أهل العلم القبيح ، كيف لا وقد اختلط الحق بالباطل و امتزجت طلاسم الثقافة الموبؤة بممارسات الدين الإسلامي .

لكن هل يشفع هذا لهم جرأتهم الوقحة للتطاول على محكم التنزيل و التشريعات المتفرعة عنه ؟ و ما ذنب الفلسفة والعلوم الإجتماعية في هذا كله ؟

يقول المثل المغربي المتداول ” حوثة وحدة كتخنز الشواري ” فبسبب أعمال بعض من المتزندقة “الجهال” من أهل الفلسفة والعلوم الإجتماعية أصيب الفكر الفلسفي بطعنة غادرة من أهله ، فأصبحت الأحكام القبلية والتمثلات المتفشية في جسد المجتمع المغربي المنخور فكريا وأخلاقيا ، تتهم الفلسفة بكونها منبع الضلال ومنزلة السفهاء من طالبي العلم و المعرفة .

وأصبح الشباب الطلابي المغربي شبابا تائها ، يخلط بين الفلسفة و ” الفسفسة ” وأضحى عنده الشك مفتاحا لكل القضايا الفلسفية ، منصبا نفسه الفيلسوف الأعلى مالك الحقيقة و متملك الشرعية الفكرية لليقين المطلق والأبدي . وبهذا فقد الشك المنهجي الفلسفي وظيفته الأساسية ، وغايته السامية ، و تفشى الجهل وسادت الغوغاء .

إن المتأمل في تاريخ الفكر الفلسفي عموما ، سيجد بأن خيرة الفلاسفة العظماء قد أعطوا للدين مكانته الرمزية ، وأحيانا المخلصة كما نجدها عند القديس أغسطين او القديس توما الأكويني وغيرهما ، فالمسألة الفلسفية لم تكن باعثا ملحا للطعن في المسألة الدينية ( المسيحية ) وإنما كانت المحفز الأساس لبلوغ الحقائق ، فما بالك عندما نتحدث عن دين الإسلام ، منظومة الفكر و منبع الحضارة و التشريع المدني .

وخلاصة القول في هذا الباب الفسيح العظيم ، أن الشك منهج للتدقيق في من هو قابل للتمحيص ، و أن الشك المذهبي وسواس العقل القويم ، و أن تكون شكاكا فارغا من قواعد المنطق و أنوار الضمير الأخلاقي ، فأنت لست بفيلسوف ، والفلسفة هنا كما قال الدكتور مصطفى محمود رحمة الله عليه ” ستعكر أكثر مما ستصطاد ” ، وأن تتسخ الممارسات الدينية بالأضاليل الثقافية المستلهمة من سلطان العادات الفاسدة والتقاليد البالية ، لا يعطي الشرعية لبعض ” البعير ” المنفلتة عن عقال المعرفة الحقانية ، للضرب والطعن في دين الإسلام و ممارساته النبيلة .

والله أعلم ، وهو يهدي السبيل .

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
casibomcasibom girişcasibom resmi girişdeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusucasino sitelerideneme bonusu veren sitelerdeneme bonusu veren sitelercasino siteleribahis siteleribonus veren sitelermarsbahismarsbahis girişmarsbahis güncel girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişegebetegebet girişegebetegebet girişegebetegebet girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişbetparkbetpark girişbetparkbetpark girişbetparkbetpark girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahismarsbahismarsbahismarsbahiscasibom