وَصِيَّةُ أُمٍّ لِكُلِّ بِنْتٍ/ بقلم:للا إِيمَان الشبانِي

بُنَيَّتِي، زَهْرَةَ عُمْرِي وَنَبْضَ قَلْبِي، اسْمَعِي كَلِمَاتِي هَذِهِ مِنْ أُمٍّ جَرَّبَتْ وَعَرَفَتْ، مِنْ قَلْبٍ مُحِبٍّ لَا يَرْجُو لَكِ إِلَّا السَّعَادَةَ وَالطُّمَأْنِينَةَ، وَمِنْ عَقْلٍ أَثْقَلَتْهُ التَّجَارِبُ وَأَضَاءَهُ الدُّعَاءُ لَكِ مُنْذُ أَنْ كُنْتِ بَيْنَ ذِرَاعَيَّ صَغِيرَةً لَا تَعْرِفِينَ مِنَ الدُّنْيَا شَيْئًا. الْيَوْمَ، وَقَدْ كَبِرْتِ وَصِرْتِ عَلَى أَعْتَابِ حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ، أَرَدْتُ أَنْ أُوصِيَكِ وَصِيَّةَ مَنْ يَهُمُّهُ أَمْرُكِ، وَيَخْشَى عَلَيْكِ مِنْ زَلَّاتِ الطَّرِيقِ وَتَقَلُّبَاتِ الْأَيَّامِ.

اعْلَمِي أَنَّ الزَّوَاجَ لَيْسَ مُجَرَّدَ فَرَحٍ يُقَامُ، وَلَا وَلِيمَةٍ تُنْثَرُ فِيهَا الزِّينَةُ، وَلَا حَفْلَةٍ تَنْتَهِي بِانْطِفَاءِ أَنْوَارِهَا. الزَّوَاجُ يَا ابْنَتِي حَيَاةٌ تُبْنَى، وَمَسْؤُولِيَّةٌ تُحْمَلُ، وَدَرْبٌ طَوِيلٌ مَلِيءٌ بِالْمَوَاقِفِ وَالْمَشَاعِرِ وَالتَّحَدِّيَاتِ. هُوَ مِيثَاقٌ غَلِيظٌ كَمَا وَصَفَهُ اللهُ، وَهُوَ عَهْدٌ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ يَسْعَيَانِ مَعًا لِبِنَاءِ بَيْتٍ يُرْضِي اللهَ وَيُؤَسِّسُ لِأُسْرَةٍ مُسْلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، تُخَرِّجُ لِلْمُجْتَمَعِ أَجْيَالًا تَعْرِفُ دِينَهَا وَتَفْهَمُ وَاجِبَاتِهَا.

كُونِي وَاعِيَةً بِدَوْرِكِ، فَمَكَانَتُكِ فِي بَيْتِ زَوْجِكِ عَظِيمَةٌ، تَبْدَأُ بِحِفْظِكِ لِحُقُوقِهِ، وَتَنْمُو بِحُسْنِ عِشْرَتِكِ، وَتَتَجَلَّى فِي طَاعَتِكِ لَهُ فِي كُلِّ مَا يُرْضِي اللهَ. طَاعَةُ الزَّوْجِ لَيْسَتْ مَهَانَةً لِلْمَرْأَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْقُرْبِ مِنَ اللهِ، وَمِفْتَاحٌ لِقُلُوبِ الرِّجَالِ، وَسَبَبٌ فِي اسْتِقْرَارِ الْبُيُوتِ. حِينَ يَرَاكِ زَوْجُكِ مُطِيعَةً فِي الْمَعْرُوفِ، هَادِئَةً فِي الْحَدِيثِ، طَيِّبَةً فِي الْمُعَامَلَةِ، يَأْنَسُ بِكِ وَيَشْعُرُ بِالْأَمَانِ فِي حُضُورِكِ، وَيَزْدَادُ حُبُّهُ لَكِ، وَحِرْصُهُ عَلَيْكِ.

احْرِصِي عَلَى أَنْ تَكُونِي لَهُ سَكَنًا وَسَكِينَةً، لَا تَرْفَعِي صَوْتَكِ عَلَيْهِ، وَلَا تُقَابِلِيهِ بِالْجَفَاءِ، فَالرَّجُلُ إِذَا تَعِبَ فِي دُنْيَاهُ، يَحْتَاجُ فِي بَيْتِهِ رَاحَةً لَا تَزِيدُهُ هَمًّا. كُونِي لَهُ الْقَلْبَ الْحَنُونَ، وَالْكَتِفَ الَّذِي يُسْنِدُ، وَالرَّفِيقَةَ الَّتِي تُخَفِّفُ لَا تُثْقِلُ، وَتُدَاوِي لَا تُجَرِّحُ. وَإِذَا أَخْطَأَ، فَاصْبِرِي، وَتَذَكَّرِي أَنَّ كُلَّ النَّاسِ يُخْطِئُونَ، فَإِنْ وَجَدَكِ حَلِيمَةً غَفُورًا، عَادَ مُعْتَذِرًا نَادِمًا، وَإِنْ وَجَدَكِ قَاسِيَةً مُتَعَجِّلَةً، نَفَرَ وَابْتَعَدَ.

حَافِظِي عَلَى نَفْسِكِ وَعِرْضِكِ، وَكُونِي سِتْرًا لِزَوْجِكِ كَمَا يَكُونُ لَكِ سِتْرًا. لَا تُخْرِجِي سِرَّهُ، وَلَا تُفْشِي أَمْرَ بَيْتِهِ لِأَحَدٍ، فَسَتْرُ الْبَيْتِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْبَرَكَةِ. لَا تُدْخِلِي بَيْتَكِ أَحَدًا دُونَ إِذْنِهِ، وَلَا تَخْرُجِي مِنْ بَيْتِكِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَسْتَأْذِنِيهِ، وَاحْرِصِي عَلَى أَلَّا يَكُونَ بَيْنَكُمَا مَا يُكَدِّرُ صَفْوَكُمَا، فَإِنْ حَدَثَ، فَلَا تُكْثِرِي الشَّكْوَى، وَعُودِي إِلَى الْحِوَارِ الطَّيِّبِ، وَالْكَلِمَةِ اللَّيِّنَةِ، وَالنَّظَرِ بِعَيْنِ الْمَوَدَّةِ.

اعْمَلِي عَلَى أَنْ يَكُونَ بَيْتُكِ نَظِيفًا طَيِّبَ الرَّائِحَةِ، مُرَتَّبًا تَرْتَاحُ لَهُ النُّفُوسُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ فَوَجَدَهُ مُنَظَّمًا، وَأَبْنَاءَهُ فِي أَحْسَنِ حَالٍ، وَزَوْجَتَهُ تَبْتَسِمُ لَهُ، شَعَرَ أَنَّ الدُّنْيَا مَا زَالَتْ بِخَيْرٍ، وَأَنَّهُ مَهْمَا لَاقَى مِنْ صُعُوبَاتٍ فِي الْخَارِجِ، فَلَهُ فِي بَيْتِهِ وَطَنٌ يُعِيدُ لَهُ سَكِينَتَهُ. تَعَاهَدِي بَيْتَكِ بِالْعِنَايَةِ، فَهُوَ مَمْلَكَتُكِ وَمَسْؤُولِيَّتُكِ، وَإِنْ صَلَحَ بَيْتُ الْمَرْأَةِ صَلَحَ أَمْرُهَا كُلُّهُ، وَشَعَرَتْ بِقِيمَتِهَا فِي عَيْنِ زَوْجِهَا وَأَبْنَائِهَا.

إِذَا رَزَقَكِ اللهُ بِأَوْلَادٍ، فَكُونِي لَهُمْ أُمًّا حَنُونًا وَمُرَبِّيَةً حَكِيمَةً، لَا تَتْرُكِيهِمْ لِلضَّيَاعِ، وَلَا تُهْمِلِي تَرْبِيَتَهُمْ، فَالْأُمُّ هِيَ اللَّبِنَةُ الْأُولَى فِي تَكْوِينِ شَخْصِيَّةِ أَبْنَائِهَا، وَهِيَ الْحِصْنُ الَّذِي يَلْجَؤُونَ إِلَيْهِ فِي أَوْقَاتِ ضَعْفِهِمْ، وَهِيَ الْمُعَلِّمَةُ الَّتِي تَزْرَعُ فِيهِمُ الْقِيَمَ، وَتَغْرِسُ فِيهِمُ الْإِيمَانَ، وَتُعِدُّهُمْ لِيَكُونُوا صَالِحِينَ فِي دُنْيَاهُمْ، وَنَاجِينَ فِي آخِرَتِهِمْ.

لَا تُهْمِلِي نَفْسَكِ مِنْ أَجْلِ أَحَدٍ، وَلَكِنِ اجْعَلِي الْعِنَايَةَ بِنَفْسِكِ وَسِيلَةً لِإِسْعَادِ زَوْجِكِ وَحِفْظِ مَحَبَّتِهِ فِي قَلْبِهِ. تَزَيَّنِي لَهُ بِمَا تَسْتَطِيعِينَ، وَاسْتَقْبِلِيهِ بِابْتِسَامَةٍ تُنْسِيهِ تَعَبَ يَوْمِهِ. الرَّجُلُ يُحِبُّ أَنْ يَرَى زَوْجَتَهُ فِي أَجْمَلِ حَالٍ، يَسْمَعُ مِنْهَا الْكَلَامَ الطَّيِّبَ، وَيَشْعُرُ أَنَّ لَهُ مَكَانَةً خَاصَّةً فِي قَلْبِهَا. وَإِنْ تَزَيَّنَتِ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا، زَادَتْ فِي قَلْبِهِ مَحَبَّةً وَمَوَدَّةً، وَاشْتَاقَ إِلَيْهَا وَإِنْ غَابَ عَنْهَا.

اجْعَلِي عَلَاقَتَكِ بِاللهِ قَوِيَّةً، فَإِنَّهُ لَا سَعَادَةَ فِي الدُّنْيَا دُونَ قُرْبٍ مِنَ اللهِ، وَلَا تَوْفِيقَ فِي الزَّوَاجِ وَلَا فِي التَّرْبِيَةِ وَلَا فِي أَيِّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الْحَيَاةِ دُونَ دُعَاءٍ وَاسْتِغْفَارٍ وَذِكْرٍ. اجْعَلِي الْقُرْآنَ صَاحِبَكِ، وَالدُّعَاءَ سِلَاحَكِ، وَرِضَا اللهِ هَدَفَكِ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَاقَتُكِ بِرَبِّكِ عَامِرَةً، سَهَّلَ لَكِ سُبُلَ الْخَيْرِ، وَبَارَكَ لَكِ فِي حَيَاتِكِ، وَأَعَانَكِ فِي أَوْقَاتِ الضِّيقِ، وَفَتَحَ لَكِ أَبْوَابَ الْفَرَجِ فِي لَحَظَاتِ الْعُسْرِ.

تَذَكَّرِي يَا ابْنَتِي أَنَّ الْبُيُوتَ تُبْنَى عَلَى الْحُبِّ، وَتَدُومُ عَلَى الِاحْتِرَامِ، وَتُزَيَّنُ بِالصَّبْرِ، وَتُحْمَى بِالدُّعَاءِ. لَا تُقَارِنِي حَيَاتَكِ بِحَيَاةِ غَيْرِكِ، وَلَا تَظُنِّي أَنَّ مَا تَرَيْنَهُ مِنْ سَعَادَةٍ عِنْدَ الْآخَرِينَ خَالٍ مِنَ الْأَلَمِ. كُلُّ بَيْتٍ فِيهِ مِنَ التَّحَدِّيَاتِ مَا فِيهِ، وَالْمَرْأَةُ الْحَكِيمَةُ هِيَ مَنْ تَعْرِفُ كَيْفَ تُدِيرُ بَيْتَهَا بِعَقْلِهَا، لَا بِعَاطِفَتِهَا فَقَطْ، وَتَخْتَارُ مَعَارِكَهَا، وَتُسَامِحُ حِينَ يَجِبُ، وَتُصَمِّمُ عَلَى التَّغْيِيرِ حِينَ يَلْزَمُ.

كُونِي لِزَوْجِكِ نِعْمَ الْعَوْنِ، وَكُونِي لِبَيْتِكِ خَيْرَ رَاعِيَةٍ، وَكُونِي لِأَوْلَادِكِ أَغْلَى قُدْوَةٍ، وَكُونِي لِنَفْسِكِ مُؤْمِنَةً بِقِيمَتِكِ وَوَاعِيَةً بِمَكَانَتِكِ. وَإِنْ تَعِبْتِ، فَتَذَكَّرِي أَنَّ اللهَ يَرَى، وَإِنْ حَزِنْتِ، فَتَذَكَّرِي أَنَّ دُعَاءَكِ لَا يُرَدُّ، وَإِنْ وَاجَهْتِ صُعُوبَاتٍ، فَتَذَكَّرِي أَنَّ وَرَاءَ كُلِّ صَبْرٍ فَرَجًا، وَبَعْدَ كُلِّ لَيْلٍ فَجْرًا.

هَذِهِ يَا ابْنَتِي وَصِيَّتِي إِلَيْكِ، أَقُولُهَا بِقَلْبِ أُمٍّ يَعْرِفُ أَنَّ الْحَيَاةَ لَيْسَتْ سَهْلَةً، وَلَكِنَّهَا تُصْبِحُ أَيْسَرَ حِينَ نَفْهَمُ دَوْرَنَا، وَنُخْلِصُ فِي نِيَّتِنَا، وَنُحْسِنُ فِي عَمَلِنَا. فَاحْمِلِيهَا مَعَكِ حَيْثُمَا ذَهَبْتِ، وَارْجِعِي إِلَيْهَا كُلَّمَا ضَاقَتْ بِكِ الْأَيَّامُ، وَسَتَجِدِينَ فِيهَا مَا يُعِينُكِ عَلَى الْمُضِيِّ فِي دَرْبِكِ بِثَبَاتٍ وَرِضًا.

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
deneme bonusudeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusudeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusudeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusudeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusudeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusudeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusudeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusudeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusudeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusudeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusudeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusudeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusudeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusudeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusudeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusudeneme bonusu veren sitelermarsbahismarsbahis girişjojobetjojobet girişjojobetjojobet girişjojobetjojobet girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahismarsbahismarsbahismarsbahismarsbahisbetmatikbetmatikmarsbahisbetmatikbetmatikmatbetmarsbahisbetmatikmarsbahisbetmatikmarsbahismarsbahismarsbahisjojobetjojobet girişjojobetjojobet girişjojobetjojobet girişjojobetjojobet girişjojobetjojobet girişjojobetjojobet giriş