ارتشاف السراب/بقلم:خالد القاضي

لم يعد قلبي،

المكتنز بالتفاصيل،

كما كان…

لقد اتسعت فيه الفراغات،

وتسرب منه زحام الآخرين،

وشبع من تلقي الوعود…

لقد بذل حتى كاد يجف،

دون أن ينال ما يروي عطاءه…

نعم،

ما زلت أكتب عليه كثيرًا

من الهوامش،

لا مراء في ذلك…

لكن يدًا مائية من اللامبالاة

تجيء في كل مرة

لتمحو ما كتبت…

ولا أعترض…

لقد أدركت أن قلم اهتمامي،

الذي طالما خططت به كثيرًا

من المتون،

لم يعد سوى

قطعة طباشير

صُنعت من انعدام الثقة،

تترك أثرها،

ولا تملك ضمانة البقاء…

مللت من ارتشاف السراب،

الذي طالما صبه الآخرون لي

في أكواب الخداع…

وعشت ردحًا من الزمن

أجني خيباتٍ تلو خيبات،

من أشجار المحبين كذبًا،

وأقتات حتى التخمة

من ثمار لا تنضج

إلا في مواسم الوهم…

ضجر سمعي

من أحاديث الغيوم

التي لا تستقر على هيئة،

ومن غيثها الذي يهطل

كرمال الصحارى،

لا يروي عطشًا،

بل يترك في الروح مزيدًا

من الاحتراق…

ومل قلبي أن يكون ديوانًا للآخرين،

تسطر الأيدي الماكرة

على صفحاته قصائدها

المستهترة،

فيحفظها عن ظهر قلب،

ويصونها كأنها ودائع لا تُقدر بثمن…

حتى أثقله حفظ الأمانات

الكاذبة،

وضاقت بها رفوف نيته

الطيبة…

وأدرك أخيرًا،

بعد طول غفلة،

أن الذين أودعوه مشاعرهم

لم يكونوا عائدين

لاستردادها،

لقد أخذوا ما أرادوا،

وتركوا لديه إيصالات

بأمانات لم تكن موجودة أصلًا…

فأي أمانةٍ تُرجى

ممن جاء متنكرًا في هيئة

أمين؟

لقد باع قلبي دروبه للحذر،

ليطوي مسافاتها

دون أن ينتظر غاية،

أو يلتفت إلى الوراء

حيث تتربص به الخيبات…

وترك الحقيقة خلف مقعده،

في حجرة الصمت،

وأغلق الباب…

فلم يعد يعنيه أن يعرف

من كذب،

ولا من صدق…

كل ما هنالك،

أن قلبًا كان يفيض بالحياة،

صار يتعلم،

في عزلته الأخيرة،

كيف يتوقف عن النبض…

 

 

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!