لم تكن تهزمني الحرب..
لا وهي في ذروتها،
ولا حين نامت على صدري كجنديٍ مكسور..
عشر سنواتٍ وأنا أرقص معها على حد السكين، وأضحك.
لكنني.. أخيرًا، انكسرت..
لا برصاصة، ولا بسيف،
بل بنوبة شعورٍ حادة،
نوبةٍ حاولتُ افتعالها فقط لأتألم
كمن ينتظر الصفعة ليبكي،
فلم تجيء، وبكيتُ دونها.
انهزمتُ بلا دم،
بلا مشهد يليق بي كخاسر نبيل.
أنا الذي رفعتكِ من ركام العتمة،
وصنعتُ لكِ من اسمي عرشاً ومن حرفي هالةً،
وجعلتكِ في مكانةٍ تشبه القداسة..
قداسةٍ تعلو فوق كل المسميات والظنون.
حتى وإن لم تكوني يوماً تدركين ذلك!
يا عظيمتي التي اخترتِ القاع..
ها أنا أكتشف أن العظمة التي ألبستُكِ إياها،
كانت مجرد عباءة واسعة على جسدٍ قصير،
وأنني حين نفختُ فيكِ من روحي،
نسيت أن بعض الطين لا يرتفع مهما علا.
نعم.. فشلت.
هذه الكلمة التي لم تكن في معجمي،
دخلت قلبي اليوم كقنبلةٍ ذكية.
أنا الذي لم أفشل في شيء سوى اختيار قلبي..
قلبي الذي راهن على عمقٍ خفي
غابَ كما تغيب الطائرات في البحر.
وضعتُ أحلامي عليه كأنها أكواب زجاجية على طاولة مهزوزة،
وكتبتُ لكِ القصائد،
وسهرتُ لأجلكِ المدن،
وما عُدتِ.
كانت هناك أحلام كبرى،
وأفق سياسي ووطني أوسع أخفيها عنكِ..
لم تكون لتلك اللحظة،
ولا كنتِ لتدركي كنهها،
فكنت أؤجلها لغدٍ أردتُكِ أن تكوني شريكة فيه،
لولا أنكِ فضّلتِ قاع الصغائر على سعة التاريخ.
لم أخف من الموت يومًا..
لكني خفت،
خفت حين رأيتُ قلبي يُنكرني،
خفت حين لم أجد يدي تمسك أي شيء سوى الهواء.
خفت من حياةٍ أكملها بدونكِ،
ومن قصائد لن تقرأها عيناكِ..
أو بالأحرى، لن تدرك كنهها عيناكِ الباهتتان.
واليوم..
أجلس فوق أنقاض الرهان..
أحصي خيباتي كمن يفرز الرماد بحثاً عن جمرةٍ ماتت قبل أن تشتعل.
لم تكن خيبة عادية؛
يا عظيمتي التي تسلقت وهمها،
بل كانت الخيبة التي تأتي على مهل،
تغرس أنيابها الباردة في تفاصيل الحلم،
ثم تتركني وحدي..
بلا حربٍ أكملها،
وبلا عدوٍ أعاتبه،
سوى مرآةٍ تعكس وجه رجلٍ..
أرهقه الوفاء لمن لا يستحق حتى تذكّر اسمها.
يا خسارتي النبيلة..
كنتِ أجمل من النصر،
وأكثر ألمًا من الهزيمة.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية