نــجـيب طــلال
هـل يحِـق أن نجـتر نـفـس الكلمات والأحرف والآهات ونفـس الألم ونفـس الحـزن عن اللايـوم في اليوم العالمي للمسرح ( عندنا) ؟ أكـيد يوم لا يشبه الأيام، لأن ديونيزوس يستيقـظ من أسطـورته ليصبح واقعا متجسدا في فـضاء متحرك وليس كتلة جامدة، بين الكتلة والفضاء رقصات الخصب والنماء تتفاعل تلقائيا بروح روحانية كل المبدعين والفنانين وأغلبية المواطنين ( لأن) ديونيزوس واهب الفرح. هي فانية، وهو خالد وكلاهما إلـه الآن. ( أصناف الآلهة – ص140) ولكن لنغير خطابنا، بناء على تمظهر حماس المشاركة، والإحساس باليوم العالمي للمسرح ومدى أهميته في الفضاء العام هاته السنة، وإن كانت الصورة العملية غير مكتملة في ربوع التربة الفنية، ولهذا ربما “باخوس” أفضل من “ديونيزوس” اسما لأن ذاك هو ذاك، ولكن دلالة الإسم ” باخوس” فيها قوة الحضور، لأن الرومان كانوا قوة حضور ! إذن الرومان أفضل من اليونان، ولكن أي مسرح أتانا متسربلا عبر التاريخ؟
سنختلف هاهنا، إن كان المسرحيون ينصتون بعضهم لبعض، ويحاولون ممارسة الجدل المثمر (؟) ولكن الأصح نمارس فعلا ” رومانيا” رغم أننا نعرف : يوربيدس/ أرستوفانس/…/ وقليل منا يعرف: وسينيكا/ بلاوتوس/ ترنتـيوس/…/ إنها ثقافة التبعية المشوهة، فالمركزية( الثقافية) كانت تمارس” رومانيتها” في تجاربها المسرحية، وفرضت علينا أن ندخل قمقم الأوهام في أشكال ما قبل مسرحية؟ هانحن نتخبط في حفريات اللامسرح:” أية مفارقة أجمل من لعبة اللغة توحي وتسخر وتمكر؟ لغة هي النسيج واللباس والرائحة والالتباس.وتلتبس عليك الأحداث فلا تعـرف ما الواقع وما الخيال وما السّحْـر. وتلتبس عليك الشخوص والشخصيات الأشخاص فتتساءل: من البطل؟ ولا جَـواب…كلهم أبطال ولا بطل. (مقدمة ساعي بريد نيرودا- لأنطونيو سكارميتا ص5) فكلنا متورطون في لعبة “اللافـرجة” لأن مسرحنا أصلا ( فـرجة) وبالتالي من الصعب أننا نمثل أو سنمثل فوق (الأركاح) لتحقيق نشوة التلاقي، نشوة الإنعـتاق من الاختناق، ونحـن نمثل على بعْـضنا البعـض في الواقع وبين الكواليس، ولا نتصارع فنـيا/ ثقافيا/ معْـرفيا /../ رغم أن أصل الوجود ” صراع”} ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين (س/البقـرة:251 ) ففي سياق الآية الكريمة، عندنا ثقافيا ينتفي الصراع، لأسباب متعددة يمكن أن نجملها :” وكما أن حب الذات مرض فإن شبيهه هو ” التملق” فمريض حب الذات يمدح نفسه ومريض التملق يمدح غيره وكلاهما لا يستحق المدح. وربما في هذا الوقت قد يعتقد البعض أن التملق غير منتشر بل إن الحقيقة أنه منتشر بالكلام والأفعال وتجد الكلام أكثر شيوعا (في مديح الحماقة: أراسموس فون رودتردام – ص41) ومناسبة اليوم العالمي للمسرح رغم ” احتفاليته “تدفعنا لنتدافع بأسئلة وتساؤلات حارقة، نتناقش عن ماهية وجودنا جوانية المسرح أمام الممكن والراهن ( أي) ماذا يعـرف المسرحي حقّاً عن نفـسه؟ وما قيمته في مجتمعه الآن؟ هل بمقدوره ولو لحظة أن يدرك ذاته الفاعلة في فـرجة ( جادة ) خارج فـرجة الواقع؟ لكن الأسئلة الحارقة تنطفئ بصمتنا (؟) نعَـم وبـلى: نحن رجال إطفاء ولسنا رجال مسرح ! أكيد فما من حقيقة منزلة ولا حقيقة مفروضة، ولكن:” إن ما يؤثر في وجود البشر ليس وعيهم، بل على العكس إن وجودهم الإجتماعي هو الذي يؤثر في وعيهم. صحيح أن الإنسان يظن أن أفكاره شكلت وجوده الإجتماعي، على أن الوقع هو العكس: إن واقعه الإجتماعي يطبع تفكيره، إن نتاج الأفكار والتصورات والشعور متداخل بادئ ذي بدء تداخلا مباشرا في النشاط المادي للبشر ( ما وراء الأوهام: إريش فـروم – ص108) ولهذا طبيعي مسرحنا سيشبهنا- سُـلوكيا ومَـسلكِـيا- مسرح عشوائي غير منضبط للقواعـد المهنية والعملية، وإجرائيا لا يمكن أن يشبه “الرومان القديم” ولا المسرح الأوربي الحديث ، ولو أننا نتحدث عبر هـوائيات ” دونكيشوت”ما بعْـد الدراما (؟) في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الرقمية وتُعاد فيه صياغة العلاقات الإنسانية عبر وسائط افتراضية. هـل حاولت بعْـض الأصوات( عندنا) التي تصدح بمشاريع تنظيرية/ معـرفية ( !):” غير أن بعْـض الحمق أهون من بعْـض، وعنه قال: عقول الناس على قدر زمانهم، وكان يقول: هم الناس والنسناس، وأرى أناساً غمسوا في ماء الناس(أخبار الحمقى والمغفلين: ابن الجوزي – ص 27) أن تبدي موقفا أو رأيا و تناقش ( كتابة) فحوى رسالة اليوم العالمي( 2026) تحت إشراف[الهيئة الدولية للمسرح] وبقلم”ويليم دافـو”( أمريكا ) وأهمية الرسالة تكمن في ما يلي:”… فإن التجربةَ المُشتركةَ في الزمنِ الحقيقي لفعلٍ إبداعي قَدْ يكونَ مضبوطاً ومُصمّماً، لكنّهُ يَظلّ مُختلفاً في كلِ مرةٍ، وهي إحدى أبرز نقاط قوة المسرح.اجتماعيا وسياسياً، لَمْ يِكنْ المسرح يوماً أكثرَ أهمية وحيويّة لِفَهمِنا لأنفُسنا وللعالمِ من حولنا؛ أما ما نراهُ جميعاً ونتفادى تسميتهُ فهوَ التقنيات الجديدة ووسائل التواصل الاجتماعي التي تَعـدُنا بالتواصلِ لكِنها في الواقعِ تَسهُمْ في تفكيكِ العلاقاتِ بين الناسِ وعَـزلِهِمْ عَـن بعضهمُ البعض( الرسالة/2026) إذ تعتبر هاته بمثابة بيان قلق يدافع عن جوهر المسرح في عالم يتجه نحو تفكيك الإنسان وإعادة تشكيله رقمياً ، إنه اغتيال من نوع مختلف إنها حقيقة ليست مفترضة ، حقيقة بين الممكن والراهـن يقابلها النور والظلمة كرمزين للمعـرفة والجهل. حسب منظور ” إخوان الصفا ” في روح رسائلهم، فكيف يمكن لمسرحنا أن يقبض على النور كممكن، لينفلت من راهن الظلمة؟:” ولقد أضفى غوته على هذا المفهوم، مفهوم الإنسان” الطامح الساعي أبدا” أروع التعابير في مسرحية ( فاوست) فلا المعـرفة ولا القوة أو السلطة ولا الحياة الجنسية بقادرة على أن تعطي جوابا مٌرضيا عَـن السؤال الذي يواجه الإنسان مع حقيقة الوجود. إن الإنسان الحر المنتج لقادر وحده وبمشاركة الآخرين على أن يجد الجواب الصحيح على ذلك. ( ما وراء الأوهام- ص76) بدل البحث عـن مكاسب أخرى بعضها مادية، على حساب المتاجرة بروح المسرح ولو بطريقة مبطنة قد تخدع “باخوس ” في ليلة نشوته وفي يوم عـرسه، فلعنته تصيب ، تصيب من يخون روحه. تلك هي الحقيقة المحمولة في بذرة ( المسرح) فالذي لا يعـلمه بعض المهرولين نحو سراب ( المال) بعيدا عن رجال ( الأعمال) كثير من الزملاء المسرحيين، المهرولين والذين كانوا تجار الكلام المنمق و يدّعون ما لا يفعلون حاملين شعارات مزيفة أمام شباب المسرح ورواده، بذلك يخونون وخانوا شرف “الكلمة” أصيبوا باكتئاب حاد، لم تـقبل عليهم سوى جدران شققهم، فتحولوا لأشباح في أسطورة الكهف”: فكل فيلسوف سجين كهفه وهو لا يفكر إلا طبقاً لمزاجه الخاص( كهف أفلاطون)
وبناء على كل هـذا:” فالناس هم منتجو تصوراتهم وأفكارهم…على أنهم الناس الحقيقيون الفاعلون، كما أنهم يتوقفون على تطور معين لقواهم الإنتاجية وعلى المعاملة الملائمة لهم في أوسع تكويناتها ( ما وراء الأوهام – ص108)
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية