ترى كيفَ تركتُ أعوامي تتناسلُ
في علبةِ كبريتٍ مكهربة،
وأنا القادمةُ من زمنِ الساعاتِ
التي لا زهوَ فيها،
ساعاتٍ تمشي بعكّازِ الصمت
وتتثاءبُ في وجهِ المرايا.
في الصباحِ الباكر،
حملتُ قصائدي
إلى أقربِ ثلّاجةٍ للموتى،
كنتُ أتوسّلُهم
أن يصنعوا لي شهادةَ ميلادٍ
تليقُ بهذا الخراب.
استلّوا مشارطَهم الباردة،
اقتطعوا رأسَ قلمي الصغير،
ثم تركوني
أتجمّدُ داخلَ علبةٍ ضيّقة،
كفكرةٍ منسيّةٍ
في درجِ إلهٍ مُرهَق.
أنامُ هناك،
وفي جنبي
عودا ثقابٍ يتبادلانِ القبلاتِ
بلهفةِ حريقٍ مؤجَّل،
بينما سيارةُ أيّامي
تركضُ مسرعةً في الفراغ،
تتخبّطُ بين نجومٍ مطفأة،
مثلَ بالونِ عيدٍ
أفلتُّه ذاتَ طفولةٍ بعيدة،
وظلَّ يصعدُ وحده
حتى نسيَ اسمَ يدي.
ليلةَ البارحة لقّحني
أحدُ الأعوادِ المرتجفة،
فانشقَّ من رحمي حزنٌ
برائحةِ الكبريت.
ومنذُ تلكَ الليلة
وأنا أعيشُ داخلَ علبةٍ
أضيقَ من شهقة.
هناك…
يحكمونَ على أحرفي
بالإقامةِ القسرية،
يعيدونَ ترتيبَ أنفاسي
بحذرِ موظّفٍ لغويّ،
ويقطعونَ ذيلي
كلّما حاولتُ أن أهربَ
خارجَ أسوارِ جملةٍ اسميّةٍ
مُحكمةِ الإغلاق.
كلَّ ليلةٍ
أبتلعُ روشتةَ المسكّنات
كما تبتلعُ النارُ رأسَ عودِ الثقاب،
كي لا يطرقَ حبُّكَ بابي
على حينِ انهيار،
كي لا أفتحَ له نافذةً أو وردة.
فأنا لا أملكُ في أدراجي
سوى اصفرارِ الكبريت،
وقليلًا من احمرارِه المؤجَّل،
أخبّئه كخطيئةٍ صغيرة
لليلةِ رأسِ السنة.
آليتُ ألّا أحكَّ ظهري،
خشيةَ أن يخرجَ ماردُ العلبةِ
محمّلًا بتذاكرِ مدنٍ
لم تُدنّسْها خطى الرجال،
وأن يتركَ فانوسَه معلّقًا بين فناراتٍ
تتزاوجُ في العتمة،
خشيةَ أن يشتعلَ زندُ نهديَّ
من فرطِ هذا الاحتكاكِ بالغياب.
ونكايةً بكلِّ ذلك،
ها أنا أُحرقُ أيّامي
بمعانقةِ كلِّ ليلةٍ
عودَ ثقاب.
.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية