بقلم : يوسف الحمدان
الدكتور سامح مهران ..
عرفته كاتبا مؤلفا مسرحيا مبدعا وناقدا مفكرا فذا ، وهذه المرة أتعرف عليه كاتبا روائيا من الطراز الفريد والمميز من خلال روايته الجديدة (العجوزة ) والتي صنفها تحت جنس الواقعية الخيالية ..
في هذه الرواية الملحمية الصادرة عن دار إضاءات للنشر والتوزيع عام 2023 والتي تقع بين 325 صفحة من القطع المتوسط يخوض مهران غمار التحولات الاجتماعية والسياسية في مصر منذ العهد الناصري حتى الفترة الرمادية في عهد الرئيس المخلوع محمد مرسي ..
وخلال هذه الفترات والتحولات القلقة في مصر ، ينثر مهران نرد التجربة الشخصية والمجتمعية والمتخيلة من خلال ثلاثين صندوق أسود ، في كل صندوق من هذه الصناديق أسرار فضح وكشف وتعرية ، إنها خزينة الذاكرة وأسرارها ، كما أنها الشاهد على تحولات الواقع والعصر الغريبة والمريبة ، فهي لصيقة وقرينة دروب رحلة البحث والقلق من أول الذاكرة في الكتابة حتى لا منتهاها .
العجوزة .. رواية في الواقعية الخيالية كما صنفها وجنسها كاتبها مهران وكما لو أن الواقع الذي عاشه ويعشه ولم يعشه بعد أكثر خيالية من الخيال الافتراضي نفسه ، أو كما لو أن هذا الواقع أصلا في وارد التخييل قبل أن يكون واقعا تتشكل الأحداث المتخيلة والمستترة والمعاشة من خلاله ، فهل هي الواقعية السحرية لغارسيا ماركيز أم أن الخيال أكثر شطحا من السحر ؟ أم هي مفارقة غروتسكية عبثية تؤكد ذهاب مهران الشاطح الساخر نحو نفي المتخيل للواقعي أو تأكيد الواقعي بوصفه متخيلا ؟.
تعبُر هذه الرواية كل أزمنة الفساد في مصر والوطن العربي وكما لو أنها ( خرتيت ) يوجين يونسكو الذي طفح عفنه بسبب الفساد والفوضى في الزمن الرأسمالي الفاشستي حتى أزكم كل الأنوف ، والذي لم تعد معه صناديق مهران السوداء قادرة على احتمال أسرارها حتى ضجت بمن فيها وما فيها ليصبح عالمها مكشوفا ومفضوحا ..
ولا غرابة فيما أذهب إليه حين يرتدي حسين مهران قلق هاملت في صندوقه الأسود الثاني حين يقول : ” أعرف كم الكراهية التي ستلحق بي من قبلكم يا من سوف تحللون كلماتي حرفا حرفا ، نعم ستكرهونني ، فقط لأنكم ستجدونني في أنفسكم التي تدربت وتعودت على الإخفاء والاختفاء بين ثنايا أستار الليل ” ، وكانت الخطيئة الأولى .. عواطف مش بنت .. وما أكثر الدلالات التي تنضوي تحت هذا الكشف الفاضح ، إذ القضية ليست قصرا على افتضاض بكارة فحسب ، إنما تذهب إلى أبعد من ذلك دلاليا ، فالعهر متعدد الوظائف والمنابت والمصادر والتوجهات والمعاني متى تتبعت تلون الحكاية ومنعطفاتها من أول صندوق للأسرار حتى آخر الصناديق السوداء التي لفظت أنفاسها بفعل الفضح ، حيث ليس هناك أسرار سوى في المعلن المكشوف ، وهي مفارقة غروتسكية عميقة تجوس الرواية آبارها السوداء .
وتتأكد هذه المفارقات في الحياة وتناقضاتها الحادة من أول صباح يبدأه حسين ويختزلها المؤلف في أوتوبيس مزدحم ، وهنا نلحظ مفارقات الشخصية في الصندوق الأسود الأول ليكتشف من خلاله حسين صندوقا أسود آخر تتغلب فيه الغواية على القدسية عندما تعرف على عواطف ، وليكتشف من خلالها صندوقا آخر يتجسد في حافظ أسرار صناديق عواطف السوداء نادل المقهى حارس الصندوق راضي والذي له في المقهى وفي عواطف والزبائن والعلاقات المشبوهة في مجتمع العجوزة مآرب أخرى .
ومن خلال النبش في أسرار الصندوق بين حسين وراضي تتكشف صناديق وأسرار وألاعيب ( المعلّمية ) والمعلّمة عواطف ( حبشتكناتك بطّلها ) وقس على مستوى هذه المفردات الشعبية المركبة التي تنضوي تحتها أسرار اللعبة والمعلمية ..
وهنا نلحظ المهارة والخبرة لدى مهران وقدرته التي لا تصدر إلا عن جوس عميق في تفاصيل الحارة الشعبية المصرية بمختلف نماذجها وشفراتها اللغوية واللفظية المتداولة وذلك في رسم وتشخيص الشخصيات حسب مواقعها الاجتماعية والوظيفية ، وكيف يقرأ هذا المجتمع في علائقه الدقيقة والمركبة التي يستوي فيها المثقف بقاعه الاجتماعي المبهم ، بالضحية والجلاد ، بالإساءة والتنمر ، الأمر الذي لم تعد معه تستطيع أن تتبين الحقيقة من نقائضها ، والصحيح من مغلوطه ، من عواطف وطارق خراط البنات ، وهنا يستضيف مهران فريدريك نيتشه بوصفه نموذجا للمجتمعات غير السوية في قوله : ” لو أن الإله نزل إلى الأرض لن يكون بوسعه إلا أن يخطيء ” .. بمعنى نحن أبناء الخطيئة ..
وهنا نلحظ العلاقة العمودية وتشوش معاني القيم ، القدسية والغواية حين تجتمعان في عواطف وكما لو أنها الصندوق الأسود نفسه ، وممارسة حسين الغواية ( مفيش دخول للجنة من غير حساب ) ، أو حين تتمتم عواطف بعبارات هي خليط من العجز والرغبة : ترى هل كنت أحمل منذ البداية الضدين في تكويني كما يحمل الصندوق الأسود ( عواطف ) القدسية والغواية ؟ أو ” حيث يلتئم السرير وسجادة الصلاة لديها متحدان اتحاد كيميائي بحيث يستحيل فصلهما ” .
والصناديق السوداء تكشف أسرارها تترى حيث حكاية شوقية الماكييرة الشعبية ، فهي كما يصفها المؤلف خزانة أسرار متحركة .. ” تدفن لديها النساء ماضيهن فيولدن من جديد عربا أبكارا ” ..
من السرير والغواية يكتشف حسين أسرار الصندوق الأسود من خلال عواطف ، فصندوقها مليء بالغموض والتناقضات والجروح ، ومن خلال حكاية الطيار شمس الشاذ جنسيا الذي يقوم بسقاية المخدرات للزبائن .
ثم يعرج الراوي مهران إلى حال الجامعات عام 67 أعقاب الهزيمة والثورة الجنسية في الجامعات ومتاهات الأيديولوجيا ليمعن في فضح الصناديق السوداء التي افتضت بكارة الطهارة من حي العجوزة الذي كان حيا شابا جديدا فيها الموت والبعث هما شأن الجماد والزرع والإنسان كما يقول العمدة وهو يعد حبات السبحة في يده ، ليصل الفضح والخراب إلى كامل التراب المصري ، وليكون حسين الشخصية الملتبسة التي يتأمل مجتمعه وينخرط فيه وفي كل قيعانه السوداء كلما حاول أن يهرب منه ، يقول حسين :” يبدو أنني ولدت لأجذب المتاعب ، المحتال والمجرم والسارق والداعر كلهم لا يعرفون متى يتوقفون ، إلا شمس ، الذي غير جلده وشخصيته ولونه كحرباء .
أو قوله : ” التاريخ لا يمضي في خط مستقيم ، فالناس يخشون القادم المجهول ” .
أو قول عواطف ذلك الصندوق المتعدد القيعان : ” لا شيء بريء في هذا العالم ، وما يبدو على السطوح بسيطا ، وراءه تركيبات بالغة التعقيد “..
إن المؤلف مهران يعثر على الصندوق الأسود للبحث عن أسرار العجوزة في تلك الفترة ، إنه شاهد على عصره .
وتتعقد الأمور أكثر لتكشف بعض الصناديق السوداء الفضح الذي تجاوز حدود خارطته المحلية بذهاب البنات الباحثات عن الثراء للزواج من السعوديين ..
في هذه الرواية التي تعج بأسرار الكشف والفضح ، نلحظ قدرة مهران الإستثنائية في النبش في الموروث وقراءة أسراره بحصافة ووعي وجرأة ، وذلك من خلال استعارات من القرآن والفلسفة والأدب وكيف يطوعها على صعيد التناص في اللحظة والموقف مثل : ردا على أبيه وهو يقرأ آية من سورة طه : قال فما خطبك ياسامري ، قال بصرت بما لم يبصروا به
حسين: نعم يا أبي نحن في بلاد اللا شيء ، موزعون بين العمى الاختياري والجنون الذي أسبغه علينا الجهل القسري الذي نعرف مصدره ونصمت في مواجهته .
فها هي الرحلة التي لا تتوقف ولا تكف عن نبش أسرار الصناديق السوداء والتي تمعن في الاشتباك مع العلاقات الغريبة مع المخابرات وتورط الشخصيات التي عرفها حسين في علاقات مريبة معها ربما هي أكثر تعقيدا من كل الصناديق السوداء والتي أضفت بعدا غرائبيا يفتض الذاكرة والواقع ، فها هنا نلحظ الراوي مهران يستعير هذا الاشتباك مع ملامح روايته الواقعية الخيالية من سيرة غارسيا ماركيز حين يقول : ”
الحياة ليست ما نعيشه قط ، بل هي ما نتذكره ، وكيف نتذكره لنحكيه ، وفي الحقيقة لا يأتي ما نتذكره صافيا كما وقع فعلا ، بل يأتي محملا بخيالاتنا ، ممزوجا بأوهامنا حول الذات ، وحول الآخرين بما يلغي شبهة الموضوعية ، ويؤكد نسبية كل شيء في الحياة ” .
وتلتهب الأحداث لتصبح أكثر نضحا في فضحها من خلال المرأة الرمادية ولعبة القوادين والمخابرات والأخوان المسلمين والتمييع السياسي في فترة السادات وانقلاب العلاقات الاجتماعية في المجتمع ، الأمر الذي دفع بحسين للخروج من سلك العسكرية بحثا عن رغبة الكشف والفضح في التحاقه بجامعة القاهرة تخصص فلسفة ، وهنا نلحظ كيف أعانه قسم الفلسفة على قراءة الواقع بشكل مغاير مستشهدا بنيتشه الذي وجد أنه السبب بكتبه التي استقرت رابضة في أعماقه تنتظر لحظة الإفراج عنها ، يحفظ كلماته حرفا حرفا كما يجهر بذلك ، ” أعظم متعة للوجود تكمن في عيش حياة خطرة ، بناء مدنك الخاصة على المنحدرات ، أرسل سفنك إلى بحار مجهولة ، عش في حرب مع زملائك ومع نفسك ، قريبا سينتهي العمر ، هل أنت قادر على حرب مع زملائك ومع نفسك ، قريبا سينتهي العمر ، هل أنت قادر على الاكتفاء بالعيش راضيا مختبئا في الغابات مثل الغزلان الخجولة “..
وهنا تبدأ حياة جديدة لحسين ، مليئة بالتأمل والمغامرات بشتى أنواعها وأشكالها ، ليدخلنا المؤلف مهران في قرار لا منتهى لقاعه ولا قرار ، وذلك بانسلاخه من العائلة والمجتمع والوطن كإيفان تشيخوف في ( عنبر رقم 6 ) ، وذلك بحثا عن فضائح المتلونين الانتهازيين من أمثال حاتم البرغوثي الذي لعب على أوتار الخبث والمخابراتية والانتهازية والدين ، والذي وصفت عقمه النفسي والروحي عواطف عندما قالت ” مريض يضاجع ميتة ” أو ” بت أحلم بالراهب القروي المتعصب في تقواه سافونا رول الذي أمر النساء بالعفة المطلقة ، فحتى الزوجات أمرهم بعدم مباشرة أزواجهن ليصرن عفيفات بالإكراه ” ، ومن أمثال التكفيريين الذين حاولوا وأد الشاعر الساخر صلاح جاهين بأحابيلهم وتهمهم السقيمة والعقيمة لينالوا من صوته وجهره بفضحهم .
إنها دروب البحث عن منافذ لليأس والموت الأبدي كما قالت عواطف : ” كنا قد قرأنا معا مسرحية سالاكرو الأرض كروية عن عصور الاستبداد الديني ، أين لي بهذا الاستبداد الذي يمنح جسدي راحة أتوق إليها ؟ ” ، أو السعي اللهاثي وراء تدمير الأحاسيس والمشاعر وتحنيطها ووأدها ” لماذا لم نعد نحزن ؟ ربما لأنه لم يعد بداخلنا شيء من الفرح ” .
إن المؤلف مهران يرصد هذا العالم ، بل يستبره بمبضع جراح فيلسوف يدرك كل تفاصيل ودهاليز الفوضى التي تسعى لتدمير كل ما هو إنساني فطري نبيل في مجتمعه المكتظ بفساد يفوق عدد سكانه ، بل أنه يسعى حثيثا لجعل هذه ( العجوزة ) المدينة البكر إلى عجوز شاخت وهرمت قبل أوان طفولتها وبراءتها ، فهل نحن كما أشار المؤلف مهران في صندوقه الأسود الأسود 22 ” أطلقنا النار على الشمس وبتنا نتخبط في الظلام بلا رفيق أو سند ؟ ” أم نحن مفاصل التفكك في نسيج الوحدة المؤقتة العابرة ؟ أم نحن تلك المجتمعات التي ذابت حتى الانسحال في نسيج المتضادات في الأيديولوجيا والسياسات العقيمة المشوهة ، مثلما ذاب فيها السادات مع ولاية الفقيه الخميني ومرشد أخوان المسلمين ؟ هل نحن الهويات الممزقة التي ذابت وانصهرت في شخصية المصري التي وصفها المؤلف ” يزيط مع الزيطة ، يشوف الريح رايح فين ويسبقه بخطوتين ، عشان يغسل إيديه من فساد سابق ويتصور إنه في الصفوف الأولى ، ياخد اللقطة ويتاجر بيها ، يرفع العلم ويعلي الحنجرة ” ؟ .
وإمعانا في تكريس الوهم الذي تحول شيئا واقعا من الخيال يتأمل مهران بحكمة الفيلسوف الساخر زمن سيزيف عصره بقوله ” ما نحن إلا كائنات عتيقة تلبس ملابس جديدة ، علينا بصمات الزمن إلا زمننا ، نحن دائمي الرحيل إلى أزمان شاخت بالتكرار ، وكنت أظننا كطير السماء تستجيب لفعل الطبيعة ، فتهجر الصقيع إلى حيث الدفء ” ، أم نحن نموذجا لتلك الأمثلة الشعبية الانهزامية التي تكرست في مجتمعاتنا بفعل الإخصاء لكل شيء جميل ومحفز في ذواتنا وإرادتنا والتي أمعن المؤلف مهران في استحضارها في هذه الرواية لتدشين لغة تستبطنها الذات المصرية والعربية الجمعية ، ولتعضد مسارات السرد بمفارقات اللغة ، أو لغة القاع على وجه التحديد ” زيتنا ها يبقى في دقيق غيرنا ” ، أو ” بكره نقعد على الحيطه ونسمع العيطه” أو ” يا مطرة رخي رخي على قرعة بنت أختي ، أديها ظهرك يا بنت الناس تديكي طراوة ” أو ” ” يا بخت من بات مظلوم ولا بانتش ظالم ” أم نحن ضحايا عبدالمولى هلالي السوداني واصطياده الطلبة لانتماءاته السياسية الدينية المتطرفة ، أم نحن الطفولة الموؤدة والنفس المبتورة التي نما وشب عليها حسين حتى بات فتى متأرجحا بين حبال الشد والرخي والإنتماء واللاانتماء ؟ أم نحن نموذج العلاقات السفلية المشوهة التي دشنها الأستاذ الروسي تشيفينسكي الذي استغل راوية بمجرد تدريسها ؟ أم نحن أحلام السخرية التي وصف بها المؤلف مهران الشعب المصري حسب مقولة شاعر” بأنه شعب يلبس عباءة جحا وصلاح الدين معا فيستبدلهما بغيرهما وفقا للظروف والحاجة ..ولكم في السردين أسوة حسنة ” هل تسعى هذه الأنظمة والمجتمعات المسخ إلى سردنة الشعب ” أنتم حراس دولة السردنة ”
نلحظ هنا الحس الغروتيسكي الساخر الذي ينبع من حس الدعابة المفرطة التي اعتادها الشعب المصري في أسوأ الظروف والمحن والحالات ، والتي لم تغادر الرواية بدءا من صندوقها الأسود الأول وحتى الأخير ، وهو ما يمنح لغة السرد منابت خصب لتوليد الدلالات في الرواية بأكملها ، وما يدفعنا لتأمل هذا النسيج المنضوي تحت اشتغالات قاعية مواربة ، حيث لا قرار ولا استقرار لمسارات الشخصيات والأحداث ، ولا تشابه بينها يؤول يؤول إلى نتائج متوقعة ، ولا فضح مباشر لملامحها ، إنها لغة سائلة تنسل في مجمل تضاعيف اللغة وتأويلاتها لتفتح أفقا لقراءة جديدة هي بمثابة منابع جديدة تكتنز بها الصناديق السوداء التي تعج بمفضوح الأسود والرمادي وهيولية تحولاته الغرائبية حتى في اللغة المكشوفة البائنة ، وهنا نكون أمام اشتغالات لم يؤثثها الوعي القصدي المنظم الذي تروم إلى اللجوء إليه الكثير من الكتابات السردية في وطننا العربي .
لغة أشبه بواحدة من جملة ما اكتنزت به الرواية على لسان راوية ” لماذا كلما حط طائر الليل تنزلق الأسئلة في رأسي لترتمي على مخدة نومي ثم تعاود تلك المخدة الغادرة إرسالها إلى رأسي ثانية وثالثة ورابعة إلى ما لانهاية حتى أغادر فراشي منهكة غير قادرة على مواجهة الصبح مهما كانت شمسه واهنة كما هي حالها في موسكو؟
أي قلق يتضمن هذا السؤال ؟ وأي أسئلة يمكن لهذا السؤال أن يستولدها من هذا السؤال ؟ وأي انزياح ممكن أن يشعله هذا القلق في هذه اللغة والأسئلة ؟ وأية كرة ثلج ممكن أن تدحرجها هذه الأسئلة القلقة في صقيع موسكو ؟
أو ” المدن مراوغة ياعواطف فلحظة انتصارك قد تكون مقدمة لهزيمتك النكراء ، فمن انساب التاريخ في عروقه يدرك ذلك جيدا ”
أو ” الشعب الذي أجبر إجبارا على ممارسة الفساد والالتفاف على القانون في كل تفاصيل حياته ، لن يسمح بوضعه في قفص الاتهام وبالحكم عليه بالإدانة بفضل شريعة غائبة منذ قرون لدى الحكام والمحكومين على حد سواء ”
إنها اللغة المراوغة والإلتفاف على قوانين اللغة ومنظوماتها القارة ، والتي نشم من صناديق أسرارها حياكة المؤامرات التي لا تكف ولا تنتهي في الرواية ، إنها مرجل الأحداث التي تتقلب كل الاتجاهات في قعر ناره لتؤسس نسيجا لغويا مغايرا ينفتح على تخوم جديدة في القراءة والتأويل ..
هي اللغة المتشظية الدالة التي جابت تخوم الفساد لتكشف أسرار حسنوف وتدويره النساء على جماعتهم حتى لا يبقوا مغنما للكفار ويقعوا في غواية أفكارهم ، ولتفضح السياسات الدولية ومؤامراتها ومساوماتها وتجذيتها لنقائض أيديولوجياتها طمعا في مصالحها من الشعوب المستهدفة ، ونلحظ ذلك في سخرية المؤلف المرة على لسان حسين ” من سخرية الأقدار أن تعلن هيلاري كلينتون أن مصر على الطريق الصحيح للديمقراطية بعد تولي محمد مرسي الرئاسة” ليصبح بذلك ” المرشد ” هو المتحكم في مصائر وخيرات البلاد والعباد بدلا من الرئيس .
إنها ملحمة الأسرار المفضوحة والمواربة ، تلك التي استوقفتني طويلا وأنا أتأمل مساراتها ومنعطفاتها الغرائبية المفخخة والمدججة بأسئلة وأحداث ومواقف ، وكأن مؤلفها يتعمد توريطنا بشباكها الدقيقة كي نكون جزءا لا يتجزأ من أسرارها ، سواء كنا مراقبين لها أو شهودا على عصرها .
فلو لم يكن سامح مهران روائيا طيلة ما مضى من العمر فتكفيه هذه الرواية لتخلد إبداعه الروائي طوال العمر ، ولتكون شاهدا على عصره وعلى أزمنة عاشها وأخرى لم يعشها بعد ..
و ( ياما في الجراب ياحاوي ) ..
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية