الدكتور محمد سيف الإسلام بوفـلاقــــة
كلية الآداب واللغات، جامعة عنابة، الجزائر
آفاق حرة _الجزائر
عُــقــد في رحاب فندق أولمبيك بدالي إبراهيم في الجزائر العاصمة، المؤتمر الدولي الموسوم: «التّعليم البينيّ في عصر الذّكاء الاصطناعيّ»، وقد استمر الملتقى على مدار يومين:17و18ماي2026م، ويُعـدُّ هذا المؤتمر استمراراً لمؤتمرات سابقة نظمها المجلس الأعلى للغة العربية بالجزائر، وتنضوي ضمن اهتمامه بقضايا اللُّغة العربية و الذّكاء الاصطناعيّ، ومُواصلة لشتى الأنشطة العلميّة الجادة التي نهض بها المجلس من مؤتمرات وندوات ومُحاضرات ولقاءات علميّة، ومشاريع بحثية، وبرامج معرفيّة.
وقد شارك في هذا اللّقاء العلمي الدولي العديد من الباحثين من الجامعات الجزائرية، و من مُختلف دول العالم، وقد تقدّم للمشاركة في محاور هذا الملتقى باحثون من عدة دول تشمل: مصر، ونيجيريا، وتونس، وكندا، وإسبانيا، والولايات المتحدة الأمريكيّة، وضمّ الملتقى العشرات من الباحثين الذين التفوا مع بعضهم ليتدارسوا قضايا التّعليم البينيّ في عصر الذّكاء الاصطناعيّ، وقد كان فرصة لتبادل الحوارات والنقاشات؛ فهذا اللقاء العلمي يؤكد تصميم المجلس الأعلى للُّغة العربية بالجزائر على إثراء المعرفة الرصينة، وتوجهه نحو البحث العلمي الجاد من خلال مؤتمرات وندوات علميّة وطنية ودولية؛ يُشارك فيها المختصون الذين يثرون بدراساتهم آفاق المعرفة الإنسانية المتنوعة.
وقد ركز الدكتور صالح بلعيد؛ رئيس المجلس الأعلى للُّغة العربية بالجزائر، في كلمته الاستهلالية على أهميّة عقد مؤتمر دولي بهذا الحجم، وذكر أن نظرة مُتأنيّة في ديباجة هذا المُلتقى الدولي ومحاوره الخمسة؛ تجعلنا نكتشف أهميّة هذا المُلتقى الذي يسعى إلى تفعيل آليات المنظومة التّعليميّة التي هي عُمدة التّعليم بدءاً من مرحلة القاعدة إلى التّعليم المهني والجامعي ومُختلف المدارس التي تُلقّن العلوم.
وأشار في مُستهل كلمته الافتتاحية إلى أن العالم اليوم بات يُعوّل على غرس صناعة المُتخرّج القادم في ملمح تلميذ الحاضر، وهذا ما يستهدفه هذا المُلتقى في ظلّ المعرفة التّربويّة/ العلميّة الحديثة التي تعتمد على الذّكاء الاصطناعيّ، وما يعرفه من ظهور تخصّصات تربويّة تتجاوز حدود التّربيّة في معناها التّلقيني القديم، إلى الابتكار في استيعاب الأفكار وحُسْن الدّراية، وإيجاد الوظيفة، والبحث عن الإبداع، مع ما يتبع ذلك من حُسْن التدبير في الجمع بين الإتقان ومهارة تدبير حرفة المُعلّم والمُتعلّم والمِهْني والمُسيّر وبناء المُؤسّسة واستغلال المُحيط…
وقد نبَّه الدكتور صالح بلعيد في سياق كلمته إلى أن هذا اللّقاء العلمي الدولي يقترحُ أفكاراً في صناعة التّعليم البينيّ الذي يستثمر فيه المجلس الأعلى للّغة العربية بالجزائر بقُـوّة؛ لأنّ عماد التـّـقـدّم في كلّ الدّول النّاجحة والنّاهضة والمُتطّـورة؛ يتمثّل في إعـطاء التّعليم المجال العالي في ميزانياتها وفي مُتابعة آفاقها.
كما ركز في كلمته على مجموعة من النقاط التي يرى بأنها مُهمّة، ومن بين النقاط التي ذكرها؛ أهميّة النّفعيّة التّعليميّة بالتّقاطع بين العلوم: اعتماداً على مُخرجات بعض الدّراسات البينيّة التي اعتمدت أدوات حديثة في البحث، مثل الاستبانات والمُقابلات والخروج من الاختصاص الضّيق والتّكامًل المنهجي، واعتماد التّفاعُـل بين المُعلّم والمُتعلّم، وتطوير أدوات التّعليم الافتراضي، واعتماد تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ، ويرى الدكتور صالح بلعيد في كلمته أن الآفاق مُبشّرة بتحسين الفهم الإنسانيّ للعمليات التّعليميّة؛ ممّا يُعزّز نجاح التّعلّم الذّاتي، ويُتيح للمُتعلّم فُرصاً أفضل للوصول إلى المُحتوى المعرفي؛ بما يتناسب مع مُحيطه واحتياجاته، ممّا يجعل التعليم أكثر تفاعلاً وقوة، ومن بين العناصر التي يعتقد أنها تستحق الاهتمام التّكامل بين الإنسان والتّكنولوجيّة، والنّظرة الإيجابيّة إلى مُستقبل الويب، وضرورة دمج الذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ في الأنظمة التعليمية، والاستشراف.
ومن بين المُداخلات التي أُلقيت خلال اليوم الأوّل من الملتقى، مُداخلة الدكتور السيد محمد عبد الحميد ربيع من مصر عن: «نموذج مُقترح لبيئة تعلّم ذكيّة قائمة على الواقع المُعزّز والذّكاء الاصطناعيّ لمُحاكاة التّغيّرات المناخيّة في مجال الموارد الجويّة»، ومداخلة الدكتور عبد الناصر بوعلي من الجزائر عن: «درس تطبيقي في التّعليم البيني حول موضوع الشجرة تجربة بمدرسة ابتدائية بمدينة تلمسان». وقد بدأها ببيان الإطار المفاهيمي للتعليم البيني؛ إذ يعد نهجاً تعليمياً وتدريبياً يقوم على دمج تخصصين أو أكثر، أو مجالات معرفيّة مُتعدّدة، في إطار دراسي واحد، بغية مُعالجة مُشكلات معقدة لا يمكن حلها ضمن حدود تخصُّص منفرد، ويهدف هذا النوع من التعليم إلى تعزيز المهارات الحياتية، وتنمية التفكير النقدي، وردم الفجوة بين المعارف النظرية، ومُتطلبات الواقع وسوق العمل، كما يُعرف التعليم البيني بأنه مُقاربة تربوية تنهض على تكامل المعارف والمهارات المُستمدة من تخصصات مُختلفة في سياق تعلّم موحد، ويهدف إلى بناء فهم أعمق وأكثر شمولية لدى المُتعلم، ويستند هذا النهج على فكرة وحدة المعرفة، وتداخل الحُقول العلميّة؛ بما يُساعد على إنتاج معرفة وظيفية قابلة للتطبيق في الحياة اليومية، وقد حدد الأهداف المتوخاة من التعليم البيني في:
-تحقيق التكامل المعرفي بين المواد الدراسية بدلاً من تقديمها في صُور منفصلة.
– دمج المعرفة من خلال الرّبط بين مكوناتها وتكاملها.
-تنمية القدرة على التفكير الإبداعي والنقدي، وعرض القضايا بصور مركبة.
-تعزيز التكامل بين التخصصات المختلفة.
-الإسهام في تحقيق جودة التعلُّم والبحث العلمي، بتجاوز التجزئة المعرفية.
-تنمية مهارات التعاون و العمل الجماعي، وربط التعلمات بواقع المتعلم ومحيطه الاجتماعي.
-ربط المعرفة العلميّة بسياقات ذات صلة مُجتمعية.
-تشجيع العلم النشط القائم على الفهم وإكساب المهارات.
أما مُتطلبات تطبيقه؛ فتقتضي تكوين المعلمين تكويناً عميقاً ومُستمراً، وتوفير الوسائل التعليمية الحديثة، مثل: الحواسيب والسبورات الذكية، والمنصات الرقمية، ومرونة المناهج الدراسية، بما يسمح بالتكامل بين المواد، ودعم التنسيق بين المعلمين، ومن أبرز العوائق التي ذكرها الدكتور عبد الناصر بوعلي ضيق الزمن المدرسي، ونُقص التكوين، وصعوبة التنسيق بين المواد.
ومن بين المداخلات التي ألقيت في اليوم الثاني من المُلتقى الدولي، مداخلة الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة من كلية الآداب واللُّغات بجامعة باجي مختار بعنابة، عن: « استراتيجيات التدريس في التعليم البيني القائم على الذكاء الاصطناعي -ميدان العلوم الإنسانية والاجتماعية أنموذجاً-»، وقد جاء في ملخص مداخلته: « ينهض التعليم البيني على الجمع بين تخصصات متعددة ومتنوِّعة؛ وذلك من أجل الارتقاء بالعملية التعليمية وإثرائها برؤى مُعمّقة ومتجدِّدة، لا تكون حكراً على تخصص واحد؛ مما يُؤدي إلى إيجاد حلول للمُعضلات العلميّة التي اعتاص حلها ومعالجتها؛ من خلال الاقتصار على تخصص واحد فقط، ويُركز الباحث في دراسته على الجمع بين تقنيات البودكاست والذكاء الاصطناعيّ في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية لخدمة التعليم البيني؛ إذ تنهض تقنيات البودكاست بتقديم تسهيلات ثقافية كبيرة، نظراً لما تنشره من مُحتويات عن طريق مقاطع الفيديو، التي تتوفر على الصوت والصورة والمضامين والسرعة؛ ولذلك لا يُمكن صرف النظر عن توظيفها لخدمة العلوم الإنسانية والاجتماعية، و الإسهام في نشر اللُّغة العربية على أوسع نطاق، وتحبيب الجماهير فيها؛ فالبودكاست المدعوم بالذكاء الاصطناعي يُعد تقنية مُستحدثة ومُعاصرة، و يكتسي أهمية بالغة نظراً للإنجازات التي يقوم بها من بث إذاعي يظل محفوظاً، إضافة إلى القدرة على التواصل مع الجمهور، وخدمة التعليم البيني».
ومن بين ما ورد في مقدمة مداخلته: إن الهدف الرئيس للتعليم البيني هو خلق الاندماج العلمي والتلاحم المعرفي بين ميادين علميّة متباينة، وتبادل المهارات والكفاءات في فروع معرفية تُلبي مُتطلبات أسواق العمل عبر استثمار مقاربات علميّة متعدِّدة، وينتج عن هذا التمازج بين المعارف؛ الإحاطة بقضايا علميّة مُستحدثة عبر مُقاربتها من جوانب مختلفة، و خلق بيئة تدريسية تقوم على الأخذ والمنح، وتصنع التواصل المعرفي بين مجالات متباينة، وينتج عنه إحداث رؤى جديدة ناجمة عن الاحتكاك والتداخل بين خلفيات معرفيّة مختلفة، وتحسين إدراك المشكلات العلميّة المُتسمة بالتعقيد بطرائق لا تُتيحها التخصصات المستقلة والمنفردة، ومن شأنه أن يُنمِّي التفكير ويُجاري التحوُّلات العلميّة المُتسارعة؛ ومن شأنه كذلك تخطي المجالات المعرفيّة العتيقة والتقليدية، وبتر حواجز الانغلاق الفكري والمعرفي، وخلق بيئة تعليميّة مُحفِّزة؛ وعندما يقوم التعليم البيني على الذّكاء الاصطناعيّ فإنه يُعوِّض ويدعم الإنسان عند نهوضه بمهامّ مُتنوِّعة في ميادين مُتزايدة الاتّساع من النشاطات والأعمال.
وقد استعرضت الدكتورة أسماء بن مالك من جامعة تلمسان موضوع: « من التّخصص إلى البينيّة: دور الذّكاء الاصطناعيّ في تحديد إستراتيجيات تدريس الترجمة»، وقد توصلت في مداخلتها إلى عدة نتائج من بينها أن الدراسات الترجمية أسهمت في الانتقال بالترجمة من مجرد ممارسة لغوية إلى مجال علمي قائم على أسس نظرية، ومنهجية متعددة، ولم يعد تكوين المترجم في الجامعة الجزائرية قائماً على المقاربة التخصصية الضيقة؛ بل اتجه نحو تبني مقاربة بينية تجمع بين اللسانيات والترجمة والتكنولوجيا، وقد أدى تطور الذكاء الاصطناعي خاصة الترجمة الآلية العصبية، إلى إحداث تحوُّل نوعي في تدريس الترجمة، من خلال إدماج أدواته في العملية التعليمية، وساهم الذكاء الاصطناعي في تحديد إستراتيجيات تدريس الترجمة، عبر الانتقال من التلقين إلى استراتيجيات قائمة على التحليل، وحل المشكلات والتعلم الذاتي.
وقد عقد بعض المشاركين في الملتقى الدولي جلسة ختامية اتُخذت فيها بعض المُقررات، ورُفعت بعض المقترحات والتوصيات، ومنها:
-إعادة هيكلة المناهج الدراسية الحالية وفق رؤية بينية تكاملية، بحيث تُبنى الوحدات التعليمية على أساس ربط المفاهيم من تخصصات مختلفة، بدلاً من تقديمها بشكل منعزل.
-توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي(كخوارزميات التعلم الآلي وتحليل الشبكات المعرفية) لتحليل المناهج، واكتشاف نقاط التقاطع بين المواد الدّراسية المختلفة، واقتراح وحدات بينية جديدة.
-بناء منصات تعليمية ذكيّة تعتمد على أنظمة توصية متعددة التخصصات، تقترح على كل متعلم مساراً تعليمياً بينياً مخصصاً وفق خلفيته المعرفية واهتماماته.
-تصميم أنظمة تقييم تكيفية بينية تقيس قدرة المتعلم على الربط بين التخصصات، وحل مشكلات مركبة، وليس فقط استرجاع معلومات من تخصص واحد.
-تطوير اختبارات ذكيّة تدفع المتعلم إلى توظيف معارف من علوم متعددة في آن واحد.
– إعداد برامج تدريبيّة مُكثفة للمعلمين والأساتذة تشمل: كيفية تصميم دروس بينية، وكيفية توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في ذلك.
– إنشاء شبكة بحثيّة دوليّة تعنى بالتعليم البيني و الذكاء الاصطناعي، تضمّ الباحثين من الدول المُشاركة.
والحقيقة أن تنظيم هذا الملتقى الدولي:«التّعليم البينيّ في عصر الذّكاء الاصطناعيّ»، بإحكام وإتقان، وتنظيم محكم من لدن المجلس الأعلى للّغة العربية بالجزائر؛ يؤكد أننا في حاجة إلى شدّ الأنظار نحو المُستقبل، وتطلعات المُستقبل، واللقاءات التي تمّت بين المشاركين، والنقاشات التي دارت في جلسات المؤتمر؛ استثارت الأفكار والهمم إلى أشياء مهمّة جداً، تستحق المدارسة والتأمل والبحث والاستثمار في زمن الذكاء غير الطبيعي، وقد تمّيز هذا المؤتمر باهتمام منظميه بالحوار، وعدم الاكتفاء بإلقاء البحوث؛ لذلك لا يشعر المُستمع لما دار من جلسات في هذا الملتقى الدولي بالملل، بل إن الحوار كان حافزاً له لمزيد من المعرفة والاطلاع؛ من خلال تسجيل بعض الملاحظات والنتائج الدقيقة التي قُدمت في جلسات الملتقى على مدار يومين متواصلين.
ويُلاحظ المتأمل في المداخلات والأبحاث التي قُدمت في هذا الملتقى الدولي، أنها قد اتسمت بالتنوُّع؛ فقد تعددت الزوايا التي نظر من خلالها الباحثون إلى التّعليم البينيّ في عصر الذّكاء الاصطناعيّ، ولا يملك من شارك في هذا المؤتمر الدولي المتميّز، إلا أن يُقدم عبارات الشكر والثناء والتقدير للمجلس الأعلى للّغة العربية بالجزائر، لجهوده المبذولة في إنجاح هذا المؤتمر، الذي يُقدم سمعة طيبة عن هذا المجلس الرصين؛ الذي دأب منذ عدة سنوات على تنظيم فعاليات علميّة متميّزة؛ مما يفتحُ المجال واسعاً لكل صاحب فكرة بأن يُدلي بدلوه، و يسعى إلى تقديم إضافة في دروب المعرفة عن طريق البحث العلمي الجاد والرصين.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية
