بقلم: عبّاس داخل حسن( فنلندا)
من سخرية الأحوال والأوضاع أنّ يتكاثف مَنْ هم خارج الجامعات العربيّة مع مَنْ هم داخل الجامعات العربيّة على سرقتها، وتدميرها، وتبديد مقدّراتها البشريّة والماليّة وتاريخها، ولا عجب في ذلك؛ إذ إنّ الرّاغبين في تقاسم كعكة الجامعات العربيّة، والنّهب منها دون حسيب أو رقيب هم كثر، وفي تكاثر وتزايد، في ظلّ غياب الرّقابة المجتمعيّة والمحاسبة الحكوميّة، والصّمت الإعلاميّ عن أفعالهم المشينة.
فالذين هم خارج إطار الجامعات العربيّة يحصلون على حصصهم وافية من هذه السّرقات، ولن أتكلّم هنا عن التّنفيعات المتعدّدة الأشكال، مثل المنح المقطوعة، ودعم المشاريع الوهميّة، وتمويل البرامج المجتمعيّة، وتغطية نفقات النّشاطات اللّامنهجيّة التي لا وجود لها على أرض الواقع، والمؤتمرات القطريّة والمحلّيّة والإقليميّة والدّوليّة، وتجمّعات التّكسّب والتّربّح، مثل تسمية تجمّعات وهميّة تحت أسماء أكاديميّة رنّانة، وعلى رأسها تسميات: المتميّزين، والأساتذة الفخريين، وهيئات الباحثين، وممثّلي المجتمع المحلّيّ، والنّاشطين في المجتمعات، والمستشارين على كلّ نوع، وغيرها من الأسماء الوهميّة التي تستورد أسماء لا قيمة لها عالميّاً، وتركّبها على رؤوس جامعاتنا، وتنفق عليها ملايين الدّولارات في فعاليّات هزيلة ضمن تفاصيل إعلاميّة فضفاضة لا تختلف عن أيّ برنامج يوميّ في محطّة ترفيهيّة، دون أيّ إضافة تُذكر لهؤلاء الضّيوف الأوغاد غير المرغوب فيهم، سوى أن يلتقط رؤساء الجامعات ووزراء التّعليم العالي صوراً تذكاريّة معهم توثّق جرائمهم في نهب الجامعات، وتصفير ميزانيّاتها على العبث، ولا شيء غير العبث.
وهذا كلّه تبرّره الإدارات الجامعيّة اللّصة تحت باب المناصب الفخريّة الوهميّة التي تُسندها إلى رجالاتها ونسائها بمنطق المحابة والتّنفيع والاسترضاء والمحاصصة السّرّيّة بين اللّصوص، ومَنْ يدفع فاتورة ذلك كلّه؟
بالتأكيد الميزانيّات الجامعيّة هي من تدفع فاتورة ذلك كلّه على الرّغم من أنّها تشكو كلّها من المديونيّات الكبيرة، ومن العجز عن الإنفاق على البنية التّحتيّة الجامعيّة، وتوظيف كفاءات جديدة، ورفع الرّواتب بما يتناسب مع التّضخمات المتتالية المفجعة في البلدان العربيّة.
هذه المناصب الفخريّة الوهميّة تُسند كلّ عام بالآلاف إلى رعاع لا ناقة لهم ولا جمل في العمل الأكاديميّ أو العلميّ أو البحثيّ أو حتى المجتمعيّ، هم فقط أحباب المسؤولين في الإدارات الجامعيّة، وهم من أقاربهم ومعارفهم وأنسبائهم وأصدقائهم وعصاباتهم، وهذا ما يسقط تماماً القيمة الفخريّة لأيّ منصب فخريّ ما تمنحه الجامعة العربيّة، ويدمّر مصداقيّتها وقيمتها وأهمّيتها، فضلاً عن تكبيدها المزيد من التّجاوزات القانونيّة والأخلاقيّة والعرفيّة، إلى الجانب الخسائر الماليّة المترتّبة على ذلك؛ إذ إنّ هذه المناصب الفخريّة الوهميّة التي تظهر للعوام على أنّها مناصب دون استحقاقات ماليّة، هي في حقيقة الأمر ذات استحقاقات مالية ورواتب وحوافز ترصدها الإدارات الجامعيّة لتنفيع أولئك الشّرذمة من المتعطّلين والمتنفّعين والمتكّسبين، فضلاً عن أنّ حفلات التنّصيب في هذه المناصب الفخريّة هي ذات تكاليف ماليّة باهظة، دون الحديث عن أثر ذلك في إحباط الهمم المبدعة والكفاءات الجامعيّة لا سيما في صفوف أعضاء الهيئات التّدريسيّة الذين يُدفع بهم إلى الإحباط وإلى الظّلّ، في حين ينال مَنْ لا يستحقّ مناصب فخريّة هم الأجدر بها، وإنْ احتجّ البعض منهم على ذلك من منطلق استحقاقاتهم المهدورة، فتكون الإدارات الجامعيّة لهم في المرصاد عبر تعطيل ترقياتهم، وإفساد أجواء عملهم الجامعيّ، وملاحقتهم تحت بنود مختلفة، مثل: لجان التّحقيق والتأديب التي قد تصل أحياناً إلى فرض عقوبات أكاديميّة خطيرة عليهم، إلى حدّ فصلهم من الجامعات؛ لإجبار الجميع داخل الحرم الجامعيّ على الصّمت على الفساد الماليّ والأكاديميّ والأخلاقيّ الذين تقوم به الإدارات الجامعيّة المتتالية التي تتعامل مع المقدّر الجامعيّ على أساس أنّه إقطاع أسريّ لهم ولأعوانهم من الفاسدين.
من ناحيّة أخرى أتوقّف مليّاً عند جريمة أكاديميّة خطيرة وبشعة ومقلقة، وهي جريمة (الشّهادات الأكاديميّة الفخريّة) التي تتلخّص في الغالب بمنح شهادة الدّكتوراة الفخريّة في تخصّص ما إلى شخصيّة ما مهما بلغ ثقلها أو خفّ إلّا أنّها لا تستحقّ ذلك، والأجدر أن تكون هذه الهبة الأكاديميّة لأناس قد ساهموا مساهمة أكيدة ومهمة ومعروفة في خدمة العلم والعلماء والمتعلّمين.
لكن واقع الحال ليس كذلك، فنجد جامعات عربيّة عريقة أو غير عريقة تهب شهادة الدّكتوراة الفخريّة لكلّ مَنْ هبّ ودبّ ممّن ترغب الإدارات الجامعيّة العربيّة في وهبهم هذا اللّقب الرّفيع بغية الحصول على مكاسب بديلة نظير ذلك، وهذا ما يكون فعلاً، وهي مكاسب في رصيد رؤساء الجامعات ذاتهم، لا في رصيد الجامعات العربيّة المنهوبة دون توقّف على أيدي رؤسائها وإداراتهم الفاشلة.
النّتيجة أنّه قد تكّسدتْ شهادات الدّكتوراة الفخريّة في أرصدة أناس نكرات لا ناقة لهم ولا بعير في العلم وفي دربه، وإنّما هم مجرّد نكرات في هذا الشّأن، وهم يستخدمون هذه الألقاب، ويقدّمون أنفسهم على أنّهم من حملة الدّكتوراة، ويضمّون أنفسهم ضمّاً جبريّاً كريهاً إلى صفوف حملة الدّكتوراة باستحقاق، فيثقلون المشهد بأسماء ضعيفة متهاوية، ويصفونه بالنّقص والرّذيلة وعدم الاستحقاق.
هذا السّلوك الجامعيّ شجّع الكثير من المؤسسات والأطراف والجهات غير المخوّلة أصلاً بمنح شهادات الدّكتوراة -التي هي امتياز مفرد وحصريّ للجامعات المرّخصة لذلك والمعتمدة جامعيّاً في هذا الشّأن- على أن يشرعوا في منح شهادات الدّكتوراة الفخريّة لمَنْ هبّ ودّب، حتى لو كان أميّاً لا يستطيع القراءة أو الكتابة، أو حتى التّوقيع باسمه.
في ظلّ غياب المساءلة القانونيّة عن ذلك شرع أولئك المتنطّعين أصحاب الشّهادات الجامعيّة الفخريّة بتقديم أنفسهم على أنّهم من حملة شهادات الدّكتوراة، بل الكثير منهم نال مناصب ووظائف تحت هذه الخديعة العلميّة الخطيرة، حتى وجدنا صفحات إعلاميّة على (الفيس بوك) أو على أيّ منصة تواصليّة تهب شهادات دكتوراة فخريّة ومناضب فخريّة، مثل: سفير ومندوب وممثّل جهة ما لمتابعين صفحاتهم الوهميّة التي لا وجود لها إلّا على تلك الصّفحات التي وهبت الدّرجات العلميّة والمناصب الفخريّة لامرأة مجهولة تتسّلى بالكتابة على صفحة (الفيس بوك)، أو لرجل نكرة لا وجود له إلّا باسم مجهول على هذه الصّفحات.
مع العلم أنّ أهل الثّقافة والعلم والاعتبار الوازنين يرفضون الحصول على شهادات فخريّة أيّاً كانت الجهة المانحة لها، أو ملابسات منحها لهم، ويكفي مثالاً على هذا الأمر القصّة الشّهيرة للكاتب المصريّ الكبير الغنّي عن التّعريف عبّاس محمود العقّاد الذي رفض الحصول على شهادة الدّكتوراة الفخريّة من جامعة القاهرة المصريّة اعترافاً بإبداعه وريادته في الأدب العربيّ، وسخر من هذه الفكرة، وسألهم سؤاله الشّهير السّاخر من هذه الشّهادة الفخريّة: “ومن الذي يستطيع أن يمتحن العقّاد؟”.
هذا مثال شهير وواضح على موقف أصحاب الإبداع والاستحقاق من الحصول على الشّهادات الفخريّة، وهو موقف يتلخّص بالرّفض المطلق لهذه الفكرة، على خلاف تكالب الأناس النّكرات على الحصول على مثل هذه الشّهادات اعتقاداً منهم أنّها سوف تمحو جهلهم، وتغطّي على انحطاط أحوالهم، وترفعهم إلى مستوى أهل العلماء.
في النّهاية يزدحم المشهد العربيّ بحملة الشّهادات الفخريّة والدّروع الورقيّة والمناصب الفخريّة التي تُوزع خبط عشواء على نكرات لا يمكن وصفهم إلّا بـ (معاتيه الوطن) المثقل بهؤلاء اللّصوص والأدعياء الذين يجيدون التّخفّي والتّزوير والتّباهي بمعطيات (الفوتو شوب) الذي يصنعون به شهاداتهم ودروعهم واستحقاقاتهم وتكريماتهم المزوّرة إن لم يستطيعوا الحصول عليها من جهات متواطئة معهم على ذلك.
هذا الوضع المنحّط يجعلنا نشعر أنّه ما عاد هناك حاجة للعلم والتّعلّم لعقود طويلة للحصول على شهادة دكتوراة حقيقيّة في حقل علميّ أو إنسانيّ رصين، بل الأمر كلّه يحتاج إلى توقيع موافقة من رئيس جامعة ما، أو من شخص مجهول أو من جهة مزورة لوهب هذه الشّهادات لمن لا يجيدون القراءة أو الكتابة، أو هم في حكم ذلك من الجهل وعدم المعرفة، في مشهد فنتازيّ خرائبيّ مقرف يتساوى به العالم مع الجاهل، بل ويعلو به الجاهل على العالم في الكثير من الأحوال السّاقطة المشينة، وبعد ذلك نتوّقع أن تسير أمورنا على ما يرام، فكيف يمكن ذلك؟!
هذا الواقع المؤسف المسؤول الأوحد عنه –برأيي- هو الحكومات والجهات الرّقابيّة المخوّلة بذلك؛ إذ يجب منع وهب هذه الشّهادات الفخريّة الوهميّة والمناصب الفخريّة لأيّ فرد كان من أيّ طرف كان؛ حتى ينحصر الأمر في ميزانه الطّبيعيّ، وهو أن تهب الجامعات هذه الشّهادات العريقة لمن يستحقّها ممّن سار طويلاً ومخلصاً وصادقاً ومتدرّجاً في الحصول عليها أكاديميّاً وعلميّاً وفق الضّوابط والأعراف المرعية والمعروفة في ذلك.
على أن تتكفّل الحكومات العربيّة بملاحقة أيّ خرق في هذا الجانب، وتحويل القائمين عليه إلى المحاسبة القانونيّة عبر القضاء الرّسميّ العلنيّ ليكونوا عبرة لمن يعتبر، بعد القيام بحملة تطهيريّة لسحب هذه الشّهادات الوهميّة الفخريّة والمناصب الفخريّة الوهميّة والألقاب المزوّرة ممّن حصلوا عليها آنفاً، وتجريم كلّ مَنْ يستخدمها بأيّ شكل من الأشكال؛ بذلك يصبح لقب دكتور فخريّ هو جريمة يعاقب عليها القانون، وليس باباً من أبواب التّكسّب اللّا شرعيّ، ولا يكون منحه إلّا بضوابط صارمة رسميّة علنيّة لمن قدّم خدمة للعلم والعلماء، لا مجرّد زينة لمن ينقصّه التّزيّن، وتكريماً لمن ينقصه التّكريم.
يبقى القول أنّ ظاهرة الشّهادات والمناصب الفخريّة والألقاب المزوّرية هي شكل من أشكال التّنطّع الإعلاميّ الذي ظهر كسيل جارف شيطانيّ في الوقت الحاضر بسبب وسائل التّواصل الاجتماعيّ التي وهبت مساحة و(ميكروفون) لكلّ نكرة؛ فأصبح الجميع –في غفلة من الزّمن- حملة دكتوراة، وسفراء، وكتّاباً، ومؤثّرين، وإعلاميين، ووجوه مجتمعيّة ظاهرة وشهيرة، وهم في حقيقة الحال يروّجون للعبث، ولا يملكون أيّ استحقاقات في حين ظلّت النّخب الاستحقاقيّة من علماء وكتّاب ومفكّرين ومربّين يسكنون الظّلّ إلاّ من قلّة صمّمت على أن تأخذ مكانها في هذا الوسط الإعلاميّ والتّواصليّ المفتوح الكبير على الرّغم من الضّجيج والازدحام المشوّه فيه.
صحيح أنّ الأمور بخواتيمها، وصحيح أنّه لا يصحّ إلّا الصّحيح، لكن ذلك لا يمنع من أنّ هؤلاء يشوّهون المشهد الإنسانيّ، ويشوّشون صور الحقيقة والعطاء والاستحقاق، وإنْ كان ذلك واقع الحال في وسائل التّواصل الاجتماعيّ المتعدّدة حيث يتكلّم الجاهل، ويتصدّر الخائن، ويقرّر معدوم الكفاءة، فإنّ ذلك واقع يجب أن يكون مرفوضاً بشكل كامل في الأوساط الجامعيّة التي يجب أن تنحاز إلى العلم والمعرفة والحقيقة، وتنأى بنفسها عن أيّ تورّط في الجهل والفساد والإفساد والتّزوير والغشّ والخداع.
فضلاً عن وجوب أن تقوم النّقابات المهنيّة والجهات الرّقابيّة والتّرخيصيّة بواجبها في هذا الشّأن؛ فتلاحق كلّ مَنْ يطلق على نفسه لقباً لا يحمله فعلاً، مثل: إعلاميّ، دبلوماسيّ، سفير، صحفيّ، فنّان، متحدّث باسم جهة ما، عضو في جهة ليس عضواً فيها، أو وجود لها أصلاً، إلخ
كما نجد أراذل القوم وجهلتهم يتصّدرون المشهد على وسائل التّواصل الاجتماعيّ والإعلاميّ، ويقدّمون أنفسهم بألقابهم المزوّرة، فيقول أحدهم أنّه صحفيّ أو إعلاميّ، وهو ليس عضواً في أيّ نقابة صحفيّة، أو ينتمي إلى مؤسّسة إعلاميّة، كما تقول إحداهنّ أنّها كاتبة، وهي لم تكتب في حياتها سطراً واحداً غير تحيّة الصّباح بإملاء خاطئ على صفحات تواصلها الاجتماعيّ، ويقول ثالث إنّه حقوقيّ أو ناشط، دون أن يدرس في جامعة القانون، أو يكون ضمن السّلك القانونيّ في الدّولة، ولو كان فتى خدمات (البوفيه)، أمّا تسمية النّاشط والنّاشطة فهي تمثيل للسّخافة والكذب والرّياء والتّزوير؛ إذ هي كلمة فضفاضة، لا نعرف لها معنى، ولا حدوداً، ولا آليّة تحقّق أو تمثيل حقيقيّ لأيّ طرف كان، أو وظيفة ما.
بهذا الشّكل يرتدع المزورون والأدعياء، وتستقيم الأمور، وتردّ الأمور إلى نصابها الطّبيعيّ، وبخلاف ذلك سيستشري الفساد أكثر فأكثر، وتعمّ الفوضى التي تهدّد كلّ شيء بالدّمار والخراب، وليس أوضح من ذلك مثالاً من أن نجد جاهل أمّي يطلق على نفسه لقب (دكتور)، ويطالبنا بأن نتعامل معه وفق هذه الكذبة البشعة؛ لنصبح جميعاً شركاء بقصد أو دون قصد في هذه الجريمة الخطيرة التي لا نراها في مجتمعاتنا العربيّة.
كلمة أخيرة: أيّها الأعزّاء من الأدعياء من حملة الشّهادات الفخريّة والمناصب الفخريّة، لطفاً منكم (اخرسوا، وتوقّفوا عن الضّجيج، واتركونا نعمل، واتركوا العلماء الحقيقيين يسيروا بنا إلى ضفّة الأمان؛ فلستم أكثر من (حنّون) الذي قال فيه الشّاعر:
ما زاد حنّون في الإسلام خردلة ولا النّصارى لهم شغلٌ بحنّون
وبما أنّكم جهلاء، ولا تحملون شهادات الدّكتوراة الفخريّة باستحقاق، وطبعاً لن تفهموا معنى هذا البيت لأنّكم لم تدخلوا في حياتكم محاضرة علميّة واحدة، فأقول لكم أنّ هذا البيت يعني: أنّكم نكرات حتى ولو حملتم ألف شهادة دكتوراة فخريّة من جامعات عربيّة فاسدة أو جهات مجهولة أو معلومة لا قيمة لها، ولا حاجة لأوطاننا بكم، وأنتم لا شيء في ميزان العلم والعلماء والعطاء والأهميّة والإنجاز.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية