رواية بديعة بعنوان ( مجنون كَلابة)/بقلم؛كمال محمود علي اليماني

حملت لي الأخت الشاعرة الرائعة عائشة المحرابي نسخة من رواية القاص محمد محمود الشويع، وكانت بعنوان ( مجنون كَلابة )، ولها عنوان فرعي ترنيمة التيه والرماد. على غلاف الرواية نجد صورة نمطية رجل مجنون ، إذ يتبدى ذلك من خلال ملامحه، ومن شعره المتناثر ولحيته المبعثرة، وهناك في الأسفل صورة لتعز أو قل هو جبل صبر، كما أظنه، ومن تحته تبدو مدينة تعز. الرواية جاءت في زهاء 200 صفحة من المقاس المتوسط ، وهي من إصدارات دار الأدهم للنشر والتوزيع القاهرة، وكانت طبعتها الاولى عام 2025 ، وهي رواية ابتعدت كثيرا عن التقليدية؛ إذ لايعمد الروائي فيها إلى الاهتمام كثيرا بالأحداث وترتيبها، ولا بالحبكة، وتتعدد فيها ضمائر السرد؛ فمن متكلم إلى غائب إلى متداخل كأنه يعكس اضطراب الأجواء المحيطة بالرواية ، وينقل إليك هذا الإحساس عبر هذا التعدد والتداخل ، ومما يعزز ذلك أن الأحداث في الرواية متناثرة ومتشظية وليست أحداثا متتابعة ، بمعنى أن خط السرد فيها ليس مستقيما على الإطلاق، وهو يكثر من تقنية الاسترجاع في أثناء روايته، مما يوحي بالتشظي الذي تولدت عنه هذه الرواية؛ فالرواية تتحدث عن واقع عاشه حي كلابة في تعز قبل أكثر من عشر سنوات أي عام 2015 ، وثيمتها الأساسية هي هذه الحرب التي أرهقت اليمن وشعبه.

حينما قرات العنوان ( مجنون كلابةَ) تعجبت منه ، فمجنون مفردة معروفة لها دلالتها المعروفة ، ولكن ما كلابة هذه؟ ذهبت إلى محرك البحث جوجل أسأله عنها، فكان الجواب أن كَلابة بفتح الباء هي حي من أحياء تعز.

ولقد عانى هذا الحي كثيرا من ويلات الحرب، وشمله الدمار بشكل واضح وكثيف لأانه يقع على خط التماس بين قوات الشرعية وقوات الحوثي.

ولأن الرواية تحكي حكاية التشظي ، فلقد كتبها الراوي محمد محمود الشويع وصنفها أو قسّمها إلى أقسام ثلاثة: كان الأول يتعلق بالليالي، والثاني يتعلق بالأيام، والثالث يتعلق بالمشاهد، لكنها كانت متداخلة؛ فأنت تنتقل من ليال إلى أيام إلى مشاهد، ثم تعود مرة أخرى إلى أيام أو ليالٍ أو مشاهد، على غير ذات ترتيب؛ لتعيش مع الروائي صورة هذا التشظي الذي يحياه الحي وأهله . وقد جاءت في 40 ليلة و40 يوماً، ولعل الأربعين، وهي كما قلنا ترنيمة التيه والرماد، تشير إلى الأربعين عاما التي تاه فيها قوم موسى عليه السلام، أو لعلها تشير أيضا إلى الأربعين قاعدة التي ذكرت في كتاب ( قواعد العشق الأربعون)، ذلك أن لغة الرواية كانت محمله بالنفس الصوفي إلى درجة بعيدة جدا، فكأنك- وانت تقرأها- تقرا كتابا صوفيا، تماما مثل كتاب قواعد العشق الأربعون.

 

أو كأنك تقرأ لكاتب الهند العظيم طاغور.

وكان المجنون في الرواية هو مرموز لهذا المواطن الضعيف المستسلم الذي عانى ويلات هذه الحرب، وهو الشخصية الأهم.

وفي الرواية أيضا نجد الجدة، وأحسب أنها تشير إلى الماضي الجميل الذي كان يحياه ذلك المجنون ويحياه ذلك الحي، وهناك فاطمة الراعية الصغيرة التي شاركته طفولته التي كانت مرموزا للمستقبل السعيد الذي كان ينتظره.

ماتت الجدة، وماتت فاطمة أيضا، فما عاد من ماض له ولا مستقبل هناك. شخصية أخرى حاضرة وبقوة ، هي النخلة التي أراها مرموزا للهوية؛ تلك النخلة التي كان يتفيأ ظلالها، وكان يأكل من تمرها، والتي كان مصيرها أن اقتلعت من مكانها اقتلاعا، وكأن هذه الحرب قد قضت على ماضيه ومستقبله وهويته.

بالطبع، فإن الرواية قد حفلت بشخصيات ثانوية كثيرة، منها: جمال، الشيخ العارف، ربى وغيرها.

وكان في الرواية أيضا القطتان البيضاء والسوداء، ولعلهما تشيران إلى الليل والنهار.

اهتمت الرواية بالحديث الكثير عن الطبيعة، وعن الأشجار والأحجار والأنهار والبيوت، وتكررت فيها مفردات، مثل: الحرب، الدم، البكاء، والفقد.

الثيمة الأساسية في الرواية كانت هي الحرب، ولقد تناولها الكاتب محمد محمود الشويع بشكل بديع وبلغة شعرية عالية جدا؛ فكأنك وأنت تقرأ الرواية إنما تقرأ ديوان شعر لا رواية، ويصبح من العسير أن تعيش أجواء ذلك الجمال من خلال بعض الاقتبسات، إذا أنت لم تقرأ الرواية.

وهو يدين هذه الحرب فيقول:” ناداني صوت داخلي : ياقتلة الأطفال… حتى التراب يبصق عليكم ، يامن جعلتم من النوافذ أهدافاً ، ومن الركض نحو الحلم جريمة”

وقول أيضا:” إبليس ليس في الجبال، بل في القلوب التي تؤمن أن القتل خلاص ” .

وهو يتهكم على سرقة الوطن فيقول: ” تذكر المجنون ذلك الرجل المتخم الذي جاء ذات حلم يرتدي بدلة أنيقة ، يعطر نفسه برائحة الوطن ، ويقول : من أجلكم نصادر، ومن أجلكم نخطط “.

 

وكانت رساله الرواية بشكل مختصر كما ورد فيها : “صفحه واحدة فقط كانت سالمة، وفيها كتب إن أول القذائف لا تقتل”، ومن هنا فان الحرب التي دارت رحاها آنذاك أثارت أسئلة وجوديه استطاع هذا الروائي أن يضعها على لسان المجنون في متن روايته، وأن يبحث عن إجابات تشير الى هذا الوضع المأساوي الذي وصلنا إليه من خلال هذا الحرب، ويصل إلى خلاصة مؤداها أن معرفه الله والسير إليه هي الطريق الوحيد للوصول إلى النجاح وللحب والسلام. “قال الصوت: من بقي لله ، لا يُمحى، من سار في التيه وفي قلبه نور، لن يسقط في الظلام”

إنه يصل إلى هذه النتيجة في روايته : ” وقال قبل أن يتلاشى : سأعود … كلما نسيت أن الحرب كذبة، وأن الحب وحده يبقى” هذه كانت خلاصة رسالة الرواية التي كتبها بجمال منقطع النظير”.

يقول في الرواية على لسان بطلها المجنون : ” في تلك اللحظة ، رأيت الحي كلابة يتحول ، لم يعد حجارة أو دخاناً أو ذاكرة . صار كائناً نورانياً ، تتنفس فيه الجدران كالرئتين، ويخرج منه صوت جدتي تقول: لقد انتهى التيه يا مجنون … لقد بدأ الوصال”، وهو هنا يشير إلى دنو أجل هذه الحرب ، وانفتاح كوة من خلال جدرانها تنفذ منها أنوار فجر الأمل الباسم الذي ينتظر هذه المدينة ، بل وهذه البلاد جمعاء.

لا شك إن القارئ لهذه الرواية سيدرك أن محمد محمود شويع قد أثرى المكتبة اليمنية والعربية من خلال هذه الرواية، وأنه قدم لها رواية متفردة لا تسير على خطى روايات الروائيين السابقة. لقد قدم رواية كتبها بدم القلب لا بالمداد، وجعلها نارا تتوقد لتشعل جمرة السؤال فينا، ولتوقظ في أذهاننا أهمية السير إلى المحبة والسلام الذي يوصلنا في الأخير إلى أن الحب هو السبيل الوحيد للحياة.

شكرا لمحمد محمود شويع ومزيدا من الإبداع، ومزيدا من العطاء.

 

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!