القراءةُ النقديةُ:
إنّه نصٌّ ينهضُ على رؤيةٍ احتجاجيةٍ سوداويةٍ، يرصدُ انكساراتِ الواقعِ الإنساني والثقافي بلغةٍ رمزيةٍ كثيفةٍ. فالفضاءُ هنا ليس اتساعًا وانفتاحًا، بل فضاءٌ للتيهِ والضجيجِ، يبدأُ باهتزازِ المقودِ وانفراطِ عربةِ الدليلِ، في إشارةٍ إلى ضياعِ البوصلةِ الفكريةِ والأخلاقيةِ، وانهيارِ المرجعياتِ التي كانتْ تقودُ القافلةَ إلى برِّ النجاةِ.
ويعمدُ الشاعرُ إلى بناءِ معجمٍ شعريٍّ يفيضُ بمفرداتِ الانكسارِ: التيه، والخيبات، والجفاف، والعتمة، والظلام، والمنفى، والمقابر؛ ليجعلَ من النصِّ مرثيةً لعصرٍ أُصيبتْ فيه الحقيقةُ بالاغتيالِ، وغدا الزيفُ قادرًا على تسلّقِ “منابرَ الوجاهةِ”. ولا يكتفي الشاعرُ بإدانةِ الخرابِ، بل يكشفُ آلياتِه أيضًا، حينَ يربطُه بـ”حواضن التدليس” و”منصّات البذخ” و”طواقم الهرج”، في إدانةٍ رمزيةٍ للخطاباتِ التي تصنعُ الوهمَ وتسوّقُ له.
وتتجلّى جماليّةُ النصِّ في المفارقاتِ التصويريةِ التي ينسجُها الشاعرُ؛” فجرادُ الجشعِ يلتهمُ شجرَ الأمنياتِ”، و”القطيعُ يصفّقُ منوّمًا”، و”يزقّون الظلامَ في رئةِ المنفى”، وهي صورٌ تمنحُ القصيدةَ بعدَها التأويليَّ المفتوحَ، وتحوّلُها من توصيفٍ للواقعِ إلى سؤالٍ وجوديٍّ عن مصيرِ الإنسانِ وسطَ هذا الخرابِ.
أمّا خاتمةُ النصِّ فتكشفُ عن أشدِّ مواطنِ الألمِ فيه، إذ ينتقلُ الخرابُ من فضاءِ الواقعِ إلى فضاءِ الكلمةِ ذاتِها، عندما يقفُ “حفاةٌ يحملون مشرطَ البلادةِ عند عتباتِ النصِّ ”، في إشارةٍ لافتةٍ إلى اغتيالِ الجمالِ والمعنى، وإلى محاصرةِ الإبداعِ بمنْ لا يمتلكون أدواتِه.
«فضاء غريب» ليستْ قصيدةَ يأسٍ، بقدرِ ما هي صرخةُ وعيٍ في وجهِ التشوّهِ؛ نصٌّ يكتبُ وجعَ الإنسانِ وهو يبحثُ عن ضوءِ النجاةِ في زمنٍ تتكاثرُ فيه مداخنُ الهزائمِ، وتبقى الكلمةُ الصادقةُ فيه آخرَ ما يستحقُّ الدفاعَ عنه.
القصيدةُ:
فضاء غريب
ذاهل بالضجيج
اهتزّ فيه المِقوَد
انفرطت عربة الدليل
تبدّد صحو القافلة
ضلّت الطريق
فتوسّدت أصقاع التيه
صراخ يبتلع المداخل
دويٌّ آثم
دخان تعرّى
عند بوابات النكوص
مداخن لم نألفها
تنفث..
سُعار الهزائم
والخيبات
تستبيح نقاوة المناخ
أناس يرقصون
في مساقط الجفاف
جراد الجشع
يلتهم شجر الأمنيات
مدن العتمة
تنوء بسابلة الحمقى
ولا ضوء نجاة
في متراس الوجع
أفّاكون..
صنعتهم حواضن التدليس
منصّات البذخ
طواقم الهرج
تسلقوا منابر الوجاهة…
بالشفعة
يمتهنون ذبح الغناء
عند حافات المقابر
يزقّون الظلام
في رئة المنفى
يتفاخرون بقتل الحقيقة
حفاةٌ…
يحملون مشرط البلادة
عند عتبات النص
يحتفلون بالصهاريج بعيدا
عن بساتين النارنج
يثرثرون..
والقطيع يصفّق مُنوّما
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية