بيع الأرض وتهديد الهوية: حين يتحول العقار إلى أداة لإعادة تشكيل الوجود في كوردستان

 

د. جوتيار تمر ( العراق _ اقليم كوردستان )

لا تقاس قيمة الأرض في المجتمعات التاريخية بسعرها في السوق، وإنما بما تختزنه من ذاكرة جماعية، وهوية ثقافية، واستمرارية اجتماعية، فالأرض ليست مجرد مساحة جغرافية أو أصل اقتصادي قابل للبيع والشراء، بل تمثل الإطار الذي تتشكل فيه العلاقات الاجتماعية، وتترسخ فيه الهوية، وتنتقل عبره خبرات الأجيال، ولهذا فإن التحولات العقارية في كوردستان لا يمكن النظر إليها بوصفها نشاطا اقتصاديا خالصا، بل باعتبارها قضية ترتبط بمستقبل المجتمع واستقراره وتوازنه.

في البيئات التي تعاني من ضعف المؤسسات، وغياب التخطيط طويل الأمد، وانتشار الفساد الإداري، تتحول السوق العقارية تدريجيا من وسيلة لتنشيط الاقتصاد إلى أداة لإعادة تشكيل المجال الاجتماعي والديمغرافي، ومن هذا المنطلق، فإن النقاش حول بيع الأراضي والعقارات في كوردستان لا يتعلق بحقوق الأفراد في التملك فحسب، بل يمتد إلى مسؤولية الحكومة في حماية التوازن بين حرية السوق والمصلحة العامة، وبين الحق الفردي في التصرف بملكيته والحق الجماعي في الحفاظ على استقرار المجتمع.

لا تكمن المشكلة في وجود مشترين ينتمون إلى جماعات أو مناطق أخرى، فحرية التنقل والتملك جزء من المبادئ القانونية في الدول الحديثة، وإنما تكمن في غياب سياسة عقارية عادلة تضبط حركة التملك، وتمنع تحويل الأرض إلى سلعة يتحكم فيها رأس المال أو النفوذ السياسي أكثر مما تحكمها اعتبارات العدالة وتكافؤ الفرص، فحين يصبح المواطن المحلي عاجزا عن شراء عقار في منطقته بسبب الارتفاع غير المنضبط للأسعار أو بسبب شبكات الاحتكار والفساد، بينما تتوافر الامتيازات بصورة غير متكافئة لغيره، فإن المسألة تتجاوز السوق العقارية لتكشف خللا أعمق في مفهوم المواطنة والمساواة أمام القانون.

تنظر السوسيولوجيا السياسية إلى الملكية العقارية بوصفها أحد أهم أدوات إنتاج المجال الاجتماعي، فالتغير المستمر في أنماط التملك لا يعيد توزيع الثروة فحسب، بل يعيد أيضا توزيع النفوذ والتمثيل والهوية داخل المكان، ولهذا فإن أي اختلال طويل الأمد في سوق العقارات قد يقود إلى تغيرات ديمغرافية واجتماعية تتجاوز إرادة الأفراد أنفسهم، حتى وإن تمت جميع عمليات البيع والشراء ضمن الأطر القانونية، فالقانون قد ينظم الإجراءات، لكنه لا يعالج دائما النتائج الاجتماعية بعيدة المدى.

تزداد حساسية هذه المسألة في المجتمعات التي ترتبط فيها الأرض بالهوية الجماعية، فالعقار هنا لا يعني مجرد منزل أو قطعة أرض، بل يمثل حضورا تاريخيا ورمزيا يحدد علاقة الإنسان بالمكان، ويجسد استمرارية المجتمع في فضائه الجغرافي.. ومن ثم فإن تركز الملكية بيد فئات محددة، أو انتقالها بصورة متسارعة في ظل غياب الضوابط المؤسسية، قد يؤدي تدريجيا إلى إعادة تشكيل البنية السكانية والاجتماعية، حتى وإن جرى ذلك وفق عقود قانونية صحيحة من حيث الشكل؛ ولذلك فإن جوهر النقاش لا يتعلق بإقصاء الآخر أو التمييز ضده، وإنما بحماية التوازن الاجتماعي ومنع استغلال السوق العقارية لإنتاج واقع جديد لا يراعي حقوق السكان المحليين ولا خصوصية المكان.

وقد بينت خبرات تاريخية متعددة أن التحولات الديمغرافية الكبرى لا تبدأ دائما بالحروب أو القرارات السياسية المباشرة، وإنما قد تنشأ أيضا من تغيرات تدريجية في أنماط التملك والاستقرار السكاني. ولهذا تتجه دول عديدة إلى تنظيم الملكية العقارية في المناطق الحدودية أو ذات الحساسية السكانية والثقافية، ليس بهدف التمييز بين المواطنين، وإنما لحماية الاستقرار الاجتماعي والأمن الوطني ومنع اختلال التوازنات التي يصعب معالجتها لاحقا، ومن هذا المنظور، ينبغي فهم الدعوة إلى تنظيم السوق العقارية في كوردستان باعتبارها جزءا من سياسات الإدارة الرشيدة، لا دعوة إلى الانغلاق أو رفض التعايش.

في الحالة العراقية والكوردستانية تزداد حساسية هذه القضية بفعل تاريخ طويل من الصراع على الأرض والسلطة والموارد، وما رافقه من سياسات التغيير الديمغرافي والهجرة القسرية والنزاعات السياسية؛ لذلك فإن أي اختلال جديد في توزيع الملكية العقارية، مهما كانت أسبابه، يعيد إلى الواجهة مخاوف تاريخية لم تندمل آثارها بعد. وحين يشعر جزء من السكان بأن المجال العقاري لا يخضع لمبدأ تكافؤ الفرص، وأن الوصول إلى التملك أصبح رهين النفوذ أو القدرة المالية أو غياب الرقابة، فإن ذلك يضعف الثقة بالمؤسسات ويغذي مشاعر القلق والاغتراب داخل المجتمع.

من هنا، فإن معالجة هذه القضية لا تكون عبر الخطابات الانفعالية أو الشعارات العاطفية، وإنما من خلال بناء سياسة عقارية واضحة تستند إلى القانون والشفافية والعدالة؛ وتشمل هذه السياسة مكافحة الفساد في عمليات التسجيل ونقل الملكية، ومنع الاحتكار والمضاربة غير المشروعة، وفرض رقابة فعالة على عمليات البيع واسعة النطاق، وضمان تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، مع مراعاة الخصوصية الاجتماعية والديمغرافية للمناطق الحساسة، كما يتطلب الأمر خطابا عاما مسؤولا يميز بين نقد السياسات الخاطئة واحترام حقوق الأفراد، حتى لا يتحول الدفاع عن الأرض إلى خطاب إقصائي يناقض المبادئ التي يسعى إلى حمايتها.

إن حماية الأرض لا تعني تجميد حركة السوق، كما أن احترام حق التملك لا يعني ترك المجال العقاري رهينة لقوى المال أو الفساد الإداري، فالدول الحديثة مطالبة بتحقيق توازن دقيق بين حرية الاستثمار وصون المصالح العليا للمجتمع، لأن الأرض ليست مجرد سلعة قابلة للتبادل، بل هي أحد المكونات الأساسية للأمن الاجتماعي والاستقرار السياسي والذاكرة التاريخي، إن أخطر ما في الأزمة العقارية ليس البيع بحد ذاته، وإنما ما قد يترتب عليه من تحولات بطيئة في طبيعة المكان وعلاقة المجتمع بأرضه، فإذا تركت السوق العقارية بلا حماية مؤسسية، واستمرت شبكات الفساد في تحويل الأرض إلى وسيلة للربح السريع، فقد يجد المجتمع نفسه بعد سنوات أمام واقع ديمغرافي واجتماعي مختلف، يصعب تصحيحه مهما توفرت الإرادة السياسية، ولذلك فإن الدفاع عن الأرض، في جوهره، ليس دفاعا عن التراب وحده، بل هو دفاع عن العدالة، وعن سيادة القانون، وعن الاستقرار، وعن الذاكرة الجماعية التي تمنح المكان معناه وتمنح المجتمع استمراريته.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!