توطئة:
أبحثُ عن بدءٍ لي، فلا أجدُ سوى امرأةٍ ما، تعانقُ ارتجافَ قلبِها على مهلٍ. تفتحُ درجًا قديمًا في الذاكرة، محاولةً متأخرةً للنجاة.
مساءً بعيدًا يمرُّ بهدوءٍ،
يُلامسُ وشايتَها بأغنياتِ الريح.
ــــ
أنا لا أدري من أين بدأتُ…
وتنهدت في سرّها،
كأنها تُغلق خلفها باب السؤال!
في المساء، لا يدنو الليل دفعةً واحدة.
يستردّ وجهه المستعار،
ولا أحد يعود كما كان.
يخلع ملامحه القديمة بهدوء.
وتبقى ندوبه معلّقةً على الجدار الأخير،
دون أن ينتبه إليه أحد.
الريح لا تمرّ بي كالعابرين،
تعيد صياغتي كل مرة،
جملة غير مكتملة
في كتابها القديم.
أنا التي أقف أمام نفسي كغريبتين،
التقتا سكةً واحدة،
في قطار عابر،
تتبادلان الفناء،
وارتباكًا
خفيفًا.
إحداهما تصل متأخرةً عن نفسها قليلًا
تلمس جرحًا قديمًا
يشبهني.
لم أكن يومًا امرأةً واحدة،
أثرٌ سماويّ في المكان الخطأ.
ذات مساءٍ لمحتُ وجهي يلوّح لي
من زجاجٍ عابر،
ثم توارى خجلا،
والمدينة تكتبني على مهل،
وتترك وشمها السري في جسدي.
نساءٌ صغيرات لا يشبهن المجاز.
نسخٌ منى،
يتناثرن معي في العتمة،
ثم يعدن كل ليلة من طرقٍ لا أعرفها.
لا نتحدث كثيرًا
فالكسر أوسع من اللغة
يخرجن بصمتٍ يشبه صلاةٍ قديمة
متعباتٍ مثلي من الركض
في عراء أحلام بعيدة.
واحدةٌ منهن،
تتوقف عند حافة الضوء،
وتجرّب اسمًا قديمًا نسيته الذاكرة.
وأخرى،
تفلت من أسرارٍ صغيرة
تحدث في جهةٍ معتمة من الليل،
لا يراها أحد سواي.
أما الأخيرة،
فلا تتكلم كثيرًا،
تجلس قرب ضلعي المكسور،
وتمسك الألم كما تمسكه أمٌّ تعرف كيف تهدّئ سقوط طفلها.
لا يلتفتن إليّ.
وكلما أغلقتُ ندوب الأسئلة،
يجدلن ضفائر النهارات الأولى
في احتمالٍ معطوب يتخفف من شكله
المدينة نفسها تتراجع كلما استندتُ إلى أرصفتها.
أعبر بيتًا يسكنه غيابٌ قديم،
لا يعترف بي،
يبدّل أثاثه كل ليلة،
ويرنّ فارغًا من صوتي
أعرف أن الأشياء لا تموت دفعة واحدة،
تتسرّب من أطرافها ببطءٍ
على نسيان طويل.
في بعض الليالي كنتُ أعدّ الغائبات في داخلي
كلما أحصيتُ واحدةً،
أورثتني الريح موسمًا جديدًا من التيه..
أصيرُ أكثر من امرأةٍ واحدة
تلتقط أنفاسها من شقوقٍ خفيّة في صدري
وتحمل معها أسرارها الأخرى
سألتُ إحداهن:
ماذا لو اختفيتُ الآن؟
لن يختلّ شيء سوى قلبكِ،
يا ابنة الريح..
أجابتني
ثم نظرت إليّ أكثر من مرة
ومضت.
كانت امرأةٌ قديمة تسكن نبوءتها،
وتجرّ وراءها
غيومًا فقدت أسماءها
وأخرى تحرس نبضًا ناقصًا،
يضيق بي كأنني غرفةٌ نسيتُ نافذتها
أما الليل، فهو الوحيد الذي يتّسع لي
أبٌ أصل إليه متأخرة.
نجيمات صغيرة تفلت من يدي
وتنام في صدري
تبحث عن جهةٍ أخرى غير السماء.
مثلما المدن مصانعُ للحنين،
تُعيد الذاكرة في أشكالٍ لا تشبه أصحابها،
توزّعهم على مصائرهم
كأشياء منسيّة،
على رفٍّ عالٍ.
أرى أوراقًا مبتلّةً يتذكّرها المطر من جديد،
وكلما ارتجفت مواجد امرأةٍ ما،
سقط من يدها شيءٌ صغير
يجرّ الفصول خلفها
يشبه الحزن
كثيرًا
زجاجةُ عطرٍ تؤجّل رائحتها
لليلةٍ لم تأتِ بعد.
حتى الذين أمرّ بهم في الطريق…
لا أحد يبدو كاملًا
يصلون إلى حوافّ الليل ناقصين،
يحمل كلٌّ منهم أثرًا خفيفًا
في الجهة المائلة
قرب قلبه.
في النهاية،
لا أحد يغادرني كاملًا،
الغياب عضو إضافي في الجسد
كلما لمستُه أضاء ثقبًا مفتوحًا
طوال الوقت
لا يراه أحد.
لكنه يوجعهم حين يُلمَس
ويضيء شقوق وحدتهم،
لامعًا، في عريه.
كالغريب،
يتفرّس كل ليلةٍ في ندوبه الباردة،
فلا يجد فيها سوى ريحٍ
تبتعد عنه.
يبحث عن رائحةٍ ما،
عن مفاتيح صدئة
يطرق بها أبوابًا مهجورة
لا تخصّ أحدًا.
وأفكّر الآن:
لعلّنا لم نكن يومًا مكتملين كما توهّمنا،
نحن أبناء الثقوب الصغيرة التي نخفيها بعناية،
أبناء الريح التي تمضي بنا
من اسمٍ إلى اسم،
ومن احتمالٍ إلى آخر.
لم أعد أبحث عن نفسي
صرتُ أتركها خلفي كمن ينسى ظلَّه عند بابٍ مفتوح،
تعلّمتُ أن أحمل كسورها بخفّة،
وأبدّل أسماءها كلما أثقلها البقاء.
في آخر الطريق لا أجد اسمي
وأمضي أنا أيضًا
واحدة منهن،
لا ألتفتُ
تسبقني خطواتي المتأخرة
قادمة من أورادٍ بعيدة
وصلاةٌ تسند ما تبقّى مني
لا استثناء هنا،
أنا امرأةٌ من بناتِ الريح.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية