كتب : الشاعر أمين المَيْسَرِي(الطبعة الرابعة)
لم يكن القاص الراحل الكبير عبدالله سالم باوزير( 1938م -2004م ) يشغل أي وظيفة في النظام الماركسي الدكتاتوري الّذي حكم الشطر الجنوبي من اليمن بالتعذيب والإخفاء والقتل. ولم يسعَ لأي منصب حكومي في كل الانقلابات التي حدثت في هذا الشطر.
ظل الرجل يعيش على وظيفته الخاصة(ترزيّاً) إلى آخر يوم في حياته.
في وظيفته – هذه – هي الّتي جعلت منه قاصّاً كبيراً. فقد استشفّ منها نماذج من البشر بمختلف مشاربهم. وأستطاع أيضا أن يرسم أو يلتقط صوراً متعدّدة لكل ماجرى ويجري في هذا البلد.
وعبدالله سالم باوزير ظلم ظلماً كبيراً في هذه البلاد،ولم يكرّم في حياته أو حتّى بعد مماته.
إن باوزير ليس بحاجة إلى التكريم،فهو أكبر من ذلك،وكفاه تكريماً ذلك الذي حظي به من قبل قرّائه ونقّاده. ولعلّي اذكر – هنا – ناقدين كبيرين كان لهما أثرٌ كبير في تناول أعمال القاص باوزير وهما الدكتور الناقد المصري الكبير عبدالحميد إبراهيم،والناقداليمني الكبير الدكتور أحمد علي الهمداني.
قصته(سقوط طائر الخشب) الّتي – أنا – بصدد الحديث عنها،واحدة من أهم قصص باوزير الّتي عرّ فيها النظام الماركسي في عدن(الشطر الجنوبي من اليمن) الّذين كانوا يسمّون أنفسهم باسم الرفاق والرفيقات،أو تحت شعارات قاتلة ومقيته مثل:(لاصوت يعلو فوق صوت الحزب)(1)
ولكنّ هذا الحزب المهترىء سقط سقوطا مدوّياً وذهب إلى مزابل التاريخ وغير مأسوف عليه دون رجعة،فَهَوَى إلى الحضيض. فقد أراد أن يكون طائراً محلّقاً في السماء،ولكنّه طائرٌ خشبيٌّ سرعان ماتحطّم على رؤوس رفاقه؛لأنّهم عاثوا في البلاد فساداً وقتلاً ودمارا.
قبل أن أتحدّثت عن هذه القصة أضعها للقرّاء بنصّها الكامل حتّى تعمّ الفائدة:
(في حيّنا الكبير امرأة فقيرة،مرض ابنها الوحيد ذات يوم،ولم يكن لديها شيء يؤكل تقدّمه له، عوضا عن كونه مريضاً تعاف نفسه الأكل المألوف،وتشتهي ما لذّ وطاب من الفواكة والحلوى، واحتارت الأم ماذا تفعل وهي ترى وحيدها يذوي بين يديها؟
وذات ليلة،اقتربت الأم من ابنها،وأخذت تمسح بيدها على رأسه الملتهب بالحمى،وقالت له:
-إيش تشتي ياولدي؟تشتي برتقال؟
فيجيب المريض في صوت واهن ضعيف ولكن بسرور وفرح:
-أي…وه
فتقول الأم على الفور:
-ياريت أمّك معاها شيء.
ثم تردف قائلة وهي منتشية بسعادة ابنها:
-طيّب تشتي تفاح؟
فيهز المريض رأسه بصعوبة ويقول:
-أي…وه..
-ياريت أمّك معاها شيء
وتنفتح شهية الأم، فتسرد على ابنها قائمة طويلة من الفواكه والحلويات؟
تشتي عمبروت؟
تشتي حلوى؟
تشتي خوخ؟
والابن يجيب في كل مرة بكلمة أيوه، وهو يعاني الكثير في نطقها،والأم ترد عليه: ياريت أمّك معاها شيء… ياريت أمّك معاها شيء..
ويصمت الطفل،فلم يعد لديه جناحان يطير بهما أو صوت يغرد به… ويسقط..)(2)
هذه هي قصة(سقوط طائر الخشب) وهي ضمن مجموعته الرابعة،وقد سمّاها باسمها وتضم ست عشرة قصة.
وعبدالله سالم باوزير يؤرّخ لهذه القصة بتاريخ 2فبراير1989م وهو تاريخ سقوط المنظومة الأشتراكية،وعندنا في(الشطر الجنوبي اليمني) سقوط الحزب الأشتراكي اليمني الّذي أصلا سقط – كما أسلفت – في أحداث عام1986م،وما السنوات التي بعدها إلاّ ارتدادات زلزالية ليس غير.
في أسلوب ساخر – وهو الأسلوب الذي أمتاز به القاص باوزير وجعله أمهر القصّاصين اليمنيين قيمةً وإبداعاً – يرصد الباوزير حياة امرأة فقيرة،وفجأة يمرض ابنها الوحيد،ولاتستطيع أن تعمل له شيئاً. لايوجد لديها دواء،ولا أكل، على الرغم من أنه لايستطيع أن يأكل الأكل المألوف. فماذا تعمل هذه الأم؟ وهي ترى ولدها يذوي أمام عينيها..فاقتربت منه،وأرادت أن تعمل له مايسمّى بتنويمة الجياع كي تخفّف من مرضه.فتهدهده بسكنات أخرى،فتذكر له أنواع الفواكه ما لذّ منها وطاب مثل: البرتقال والتفاح والعمبروت والحلوى والخوخ.
فتقول له في كل مرة مثلا:
-أتريد تفاح؟
-أتريد برتقال؟
-أتريد عمبروت وحلوى وخوخ
فيقول لها ابنها:
-أيوه
وترد أمّه عبارتها المكرّرة
-ياريت أمّك معها شيء
وفي الأخير يصمت الطفل،وكأنّه يعرف أنّ أمّه أرادت أن تصنع له شيئاً غير موجود في الواقع تماما مثل ذلك الطائر المصنوع من الخشب المزيّف فيسقط،وتسقط معه كل العناصر المصنوعة المركّبة من الكذب والدّجل.
يقول الأستاذ الدكتور أحمد علي الهمداني،وهو أروع ماكتب وشخّص مجموعة(سقوط طائر الخشب) فقد قال عن القصة نفسها:(ومن المميز هذا العنوان المثير والموحي(سقوط طائر الخشب) الذي يصبح علامة دالة على انهيار عصرمن المفارقات والمتناقضات،عصر لم يوفّق في تبرير وجوده على الرغم من الآثار التي تركها على مستوى الناس والمجتمع وعلى مستوى الواقع اليومي وعلى مستوى الوجود بأكمله،وهو أيضا علامة دالة على قيام عصر لم يتحدّد بعد، ولم تتبلور أبعاده وأهدافه القريبة والبعيدة.
لقد أصبح هذا الطائر الخشبي الذي سقط سقوطاً مروّعاً علامة فارقة بين عهد معروف يرقبه القاص ويتطلّع إليه ويحرص على وجوده،ومع هذا يظل هذا الطائر الذي سقط مصنوعاً من الخشب،الشيء الذي يدل على زيفه وحتّى فانطازيته. إنّه طائر وهمي، مختَلَق ليس له وجود،ومن هنا فهو لايبدي حراكاً في زمن تحوّلت فيه السيوف إلى خشب. وتوقف الفعل البشري عند حدود الكلمات الجوفاء والشعارات الكاذبة التي تقتل الفعل الحقيقي في الإنسان وتجرّده من قدرته على الحركة والإبداع،ويظل هذا الطائر الخشبي رمزاً له دلالته وإيحاءاته المتعدّدة الجوانب، وبُعداً فنيّاً يحمل الكثير من خصائص ومواصفاتها عند عبدالله باوزير. وتبدو أن المنغصات اليومية وانعدام الدواء،وانقطاع التيار الكهربائي، تشابك خطوط التلفون، وغياب التفاح والفواكة الأخرى، حظ الأديب المنكود وهي الباعث على هذا السقوط الذي وقع فيه الطائر الخشبي الساقط أصلاً منذ الوهلة الأولى،إذ لم يقف منذ البداية على مداميك ومقومات صحيحة يمكن أن تمنعه من هذا السقوط)(3)
إنّ كلّ مَنْ عاش في عدن أو فيما كان يسمّى بالشطر الجنوبي اليمني سيعرف حقيقة النظام الدكتاتوري الماركسي الذي كان يعيش على موائد القتل والاعتقالات والسّحل. جرائم لاتعد ولا تحصى. كان الشعب قد وضع – من قبل هذا النظام الدكتاتوري – في سجن كبير باسم شعارات الأوثان والأصنام المحنّطة(لاصوت يعلو فوق صوت الحزب) و(الحزب هو القائد وضمير كلّ الشعب)، فأغلقوا الحدود،ومنعوا الشعب من السفر،ومنعوا عليه أبسط حقوقه من المأكل والملبس،ولعلّ القصة أشارت إلى أنواع الفواكة(البرتقال والتفاح والخوخ والعمبروت والحلوى) وغيرها الّتي كانت محرّمة دخولها البلاد. في الوقت التي كانت محلّلة لهم دخولها البلاد مثل الخمرة وصناعة البيرة في عدن،وغيرها من المحرّمات، وما خفي كان أعظم.
هذه لحظة تاريخية سجّلها القاص الكبير عبدالله سالم باوزير في قصته(سقوط طائر الخشب) وغيرها من القصص التي شرّح فيها حقيقة النظام البائد. وهو القاص الوحيد من بين أقرانه الذي واجه هؤلاء بالحقيقة والصدق(4).
على الرغم من أنّ القصة قصيرة جداً، لكن فيها شيئاً من تكثيف الأحداث المخفية الّتي تدع القارىء يتأمّل ويحلّل ما خَلْفَها، وأبعادها.
وقد يجد القارىء أن القصة عادية وبسيطة،ولكن مراميها و ورمزيتها – كما قلت – أبعد من ذلك.
لقد وفّق القاص باوزير في اختيار عنوان قصته(سقوط طائر الخشب) وهو عنوان مُبهرٌ وجميل ، والقصة – أيضا – من صميم الواقع. بمعنى أن القاص باوزير يعدُّ من روّاد الواقعية في الأدب اليمني.
سقوط طائر الخشب.. سقوط الوهم والاستعلاء والاستكبار والغباء السياسي والجهل والنفوس المريضة.
أمين المَيْسَري
3أكتوبر2025م
مدينة عدن المنكوبة
هوامش:
(1)تأسّس الحزب الأشتراكي اليمني في الشطر الجنوبي من اليمن سنة1978م وانتهى في حرب طاحنة في أحداث1986م بين الطغمة والزّمرة.أي أنه استمر ثمان سنوات فقط، وكانت نهايته الأخيرة غَرَقَه في باب اليمن.
(2)النص في الأعمال القصصية الكاملة ص(369و370)
(3)انظر مقدمة الدكتور أحمد علي الهمداني ص363و364(عبدالله سالم باوزير..الأعمال القصصية الكاملة) الناشر الجمهورية اليمنية وزارة الثقافة والسياحة2004م.
(3)هناك مقالة – لي – نقدية تحليليّة مطوّلة لقصة(الدائرة) للقاص باوزير نشرتها على صفحتي الفيس بوك في نقد النظام البائد.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية