الإنسان أولا… سردية العمل والكرامة في رواية ’’وأخيرا أشرقت الشمس’’

بقلم:حسن لمين(المغرب)

 

الرواية بوصفها استعادة لذاكرة المكان

يواصل الكاتب المغربي أحمد علي صدقي مشروعه الإبداعي عبر روايته الجديدة «وأخيرا أشرقت الشمس»، منتقلاً من القصة القصيرة إلى فضاء الرواية، دون أن يغادر انشغاله الأساسي بالإنسان والهامش الاجتماعي. وإذا كانت مجموعته القصصية «التهمة… كاتب» قد انفتحت على أسئلة الذات والكتابة، فإن روايته الجديدة تختار أن تجعل من مدينة خريبكة، بما تختزنه من ذاكرة منجمية واجتماعية، مختبرا سرديا لطرح أسئلة العمل والكرامة والهوية.

منذ الصفحات الأولى، يتضح أن الرواية لا تتعامل مع المدينة بوصفها إطارا جغرافيا للأحداث، بل باعتبارها حاملا للذاكرة، ومخزنا للتجارب الإنسانية التي صنعتها سنوات طويلة من العمل في مناجم الفوسفاط. وبهذا المعنى، فإن المكان لا يؤدي وظيفة وصفية، وإنما يتحول إلى عنصر بنائي يوجه مسار الحكاية ويؤثر في تشكل الشخصيات.

نحو كتابة روائية تستعيد الذاكرة العمالية

يمكن النظر إلى «وأخيرا أشرقت الشمس» باعتبارها امتدادا لما اصطلح عليه في الأدب العالمي بـ”أدب المناجم”، غير أنها لا تكتفي بتسجيل تفاصيل الحياة المهنية داخل المناجم، بل تنقل هذا العالم إلى أفق إنساني أوسع، حيث تغدو التجربة العمالية مدخلا لقراءة التحولات الاجتماعية التي عرفتها خريبكة، ولتفكيك العلاقة بين الإنسان والعمل والزمن.

وتقوم الرواية على تتبع مصائر ثلاثة رجال جمعتهم سنوات العمل في باطن الأرض، قبل أن تجمعهم أسئلة أكثر تعقيدا تتصل بما تبقى من العمر، وبمعنى الكرامة، وبقدرة الإنسان على إعادة بناء حياته بعد عقود من الاستنزاف الجسدي والنفسي. ومن هنا، لا تبدو الشخصيات مجرد أفراد، بل تمثل شريحة اجتماعية كاملة ظلت بعيدة عن التمثيل الروائي، رغم حضورها العميق في الذاكرة المغربية.

المكان بوصفه شخصية سردية

من أبرز رهانات الرواية تحويل المكان إلى فاعل سردي. فخريبكة ليست ديكورا للأحداث، وإنما كيان يتنفس داخل النص، ويشارك في إنتاج المعنى. فالمدينة تحتفظ بذاكرة سكانها، وتكشف، عبر تفاصيلها اليومية، عن تاريخ لا تعكسه السجلات الرسمية بقدر ما تحفظه الحكايات الفردية.

وتنجح الرواية، إلى حد بعيد، في جعل الجغرافيا امتدادا للنفس الإنسانية، بحيث تصبح الأزقة، والمناجم، والأحياء، علامات على تحولات المجتمع، أكثر منها مجرد فضاءات تتحرك داخلها الشخصيات.

بين الواقعي والرمزي

لا تنحاز الرواية إلى الواقعية التسجيلية، كما لا تغرق في الرمزية المغلقة، وإنما تبحث عن توازن بين المرجع الواقعي والبناء الفني. فالأحداث تستند إلى بيئة اجتماعية واضحة، لكنها تظل قابلة لقراءات تتجاوز حدود خريبكة، لتلامس أسئلة العمل والعدالة والهشاشة الإنسانية في سياقات أوسع.

وتتجنب الرواية الخطاب المباشر، تاركة المجال للشخصيات كي تعبر عن هواجسها وتناقضاتها، وهو ما يمنح النص قدرة على الانتقال من المحلي إلى الإنساني، دون افتعال أو ادعاء للكونية.

لغة هادئة تراهن على الاقتصاد السردي

اختار أحمد علي صدقي لغة سردية تميل إلى الوضوح والاقتصاد، بعيدة عن الزخرفة البلاغية أو الانفعال الخطابي. ويخدم هذا الاختيار طبيعة العالم الذي تشتغل عليه الرواية، حيث تبدو التفاصيل اليومية أكثر قدرة على إنتاج الدلالة من العبارات الإنشائية.

كما يحافظ السرد على إيقاع متوازن، يسمح للشخصيات بالنمو التدريجي، ويمنح الأحداث زمنها الطبيعي، وهو ما ينسجم مع طبيعة الرواية التي تراهن على التراكم الهادئ أكثر مما تراهن على المفاجآت الدرامية.

إعادة الاعتبار لذاكرة مهمشة

تكمن أهمية الرواية، في جانب منها، في سعيها إلى إعادة الاعتبار لذاكرة عمالية ظلت، في الغالب، خارج دائرة الاهتمام الروائي المغربي. فهي لا تقدم العمال بوصفهم نماذج بطولية، ولا بوصفهم ضحايا مجردين، وإنما باعتبارهم ذواتا تحمل أحلامها وهزائمها وأسئلتها الوجودية.

العنوان باعتباره أفقاا تأويليا

يحمل عنوان «وأخيرا أشرقت الشمس» حمولة رمزية واضحة، إذ لا يشير إلى شروق طبيعي بقدر ما يحيل إلى إمكانية الانبعاث بعد زمن طويل من العتمة. فالشمس هنا استعارة للأمل، كما أن الظلام لا يمثل مجرد حالة زمنية، بل يرمز إلى القهر والإقصاء وتراكم الخيبات.

وبهذا المعنى، يصبح العنوان مفتاحا لقراءة الرواية كلها، إذ يختزل رؤيتها إلى الإنسان بوصفه كائنا قادرا على مقاومة الانكسار، مهما اشتدت وطأة الواقع.

رواية تراهن على الإنسان

لا تدعي «وأخيرا أشرقت الشمس» تقديم أجوبة نهائية عن الأسئلة التي تطرحها، بقدر ما تسعى إلى فتح حوار مع ذاكرة اجتماعية لم تحظ بالتمثيل الكافي في المتخيل الروائي المغربي. ومن هذه الزاوية، تندرج الرواية ضمن الأعمال التي تعيد الاعتبار للمكان بوصفه ذاكرة، وللإنسان البسيط بوصفه بطلا للحكاية، وللسرد باعتباره وسيلة لإضاءة المناطق التي كثيرا ما ظلت خارج الضوء.

إنها رواية تنحاز إلى التفاصيل الصغيرة، وإلى الأصوات التي لا يسمعها التاريخ الرسمي، وتؤكد أن الأدب، حين يقترب من حياة الناس العاديين، يصبح أكثر قدرة على مساءلة الواقع وإعادة اكتشاف معانيه.

 

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!