صادق جواد المطر
من الكتب التي استوقفتني، وأشعرتني بأنني أمام جهد علمي وثقافي جدير بالتقدير، كتاب “نزهة القلم: قراءة نقدية في الموسوعة الحسينية” للدكتور نضير الخزرجي، وقد قرأته من أوله إلى آخره، فوجدت نفسي أمام عمل لا يقتصر على عرض أجزاء من الموسوعة الحسينية فحسب، بل يفتح للقارئ نوافذ واسعة على التاريخ والفكر والأدب والثقافة الإنسانية.
ولعل من أكثر ما شدني في هذا الكتاب ذلك التنوع الجميل في الآراء والشهادات التي جمعها المؤلف من شخصيات ومفكرين وأدباء ينتمون إلى بيئات وجنسيات متعددة، الأمر الذي يعكس عالمية الرسالة الحسينية، ويؤكد أن الإمام الحسين عليه السلام لم يعد رمزاً يخص أمة بعينها، بل أصبح رمزاً إنسانياً تتلاقى عنده قيم الحرية والكرامة والعدل والإصلاح.
وقد وفق المؤلف الدكتور نضير الخزرجي في أن يجعل من هذا الكتاب نافذة مشرقة على مشروع الموسوعة الحسينية الذي شيده سماحة آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي، بأسلوب يجمع بين الفائدة والمتعة، وبين حسن العرض وسعة الاطلاع، مما جعل القراءة رحلة ممتعة بين صفحات تحمل الكثير من الإضاءات الفكرية والمعرفية.
ومن الموضوعات التي استوقفتني كثيراً ما يتعلق بسلسلة التشريعات، ولا سيما الموضوعات الحديثة منها، فقد وجدت فيها مادة علمية ثرية وإضاءات معرفية نافعة أفدت منها كثيراً، ولا سيما فيما يتصل بالفقه الإسلامي، حيث أتاحت لي الوقوف على جوانب علمية وفكرية لم أكن قد التفت إليها من قبل.
كما شدني الحديث عن إسهامات الشعراء والأدباء في بناء الحضارة الإنسانية، فقد وجدت في هذه المعالجة رؤية جميلة تؤكد أن الكلمة الصادقة، والشعر الرفيع، والأدب الهادف، لم تكن مجرد تعبيرات جمالية، بل كانت على مر العصور أحد العناصر المؤثرة في صناعة الوعي، وحفظ التراث، وترسيخ القيم، والإسهام في بناء الحضارة.
كما استوقفتني المعالجة المتعلقة بفن الخطابة وعلاقته بالإنسان والحضارة، حيث وجدت فيها رؤية عميقة تؤكد أنَّ الكلمة كانت على مر العصور شريكاً أساسياً في بناء الأمم وتوجيه المجتمعات، وأن الخطابة لم تكن مجرد وسيلة للتعبير، بل كانت من أهم أدوات الإصلاح والتثقيف وبناء الوعي الإنساني. وقد أضفت هذه الإضاءات الفكرية إلى متعة القراءة بعداً ثقافياً وإنسانياً جميلاً، وزادت من تقديري للجهد العلمي الذي تضمنه هذا الكتاب.
ومن أجمل ما لمسته في هذا الكتاب تلك الروح الجامعة التي تتجلى في تنوع الآراء والشهادات التي أوردها المؤلف، مما منح الكتاب بعداً إنسانياً وثقافياً جميلاً، وجعلني أشعر بأنني أمام عمل يتجاوز حدود العرض التقليدي إلى فضاء أرحب من الحوار والمعرفة.
ومما زاد من تقديري لهذا الكتاب، أنني لم أكتف بقراءته، بل تشرفت بالجلوس مع مؤلفه الكريم الدكتور نضير الخزرجي وهو من أعلام العراق المقيمين في لندن، ففي يوم الأربعاء الموافق 17 يونيو 2026، وأثناء مرافقته مشياً على الأقدام إلى محطة حافلات وليزدن (Willesden Bus Garage) في لندن، دار بيننا حديث ممتع حول «نزهة القلم» وبعض القضايا التي تناولها بين دفتيه.
وقد اغتنمت تلك الفرصة لأسأله عن بعض المواضع التي استوقفتني أثناء القراءة، فوجدت لديه تواضع العالم، وسعة صدر الباحث، وحباً صادقاً للعلم والمعرفة، فأضاف ذلك الحوار إلى ما خرجت به من الكتاب فوائد أخرى، وجعلني أعود إلى بعض صفحاته بعين أكثر تأملاً، بل زاد من شوقي إلى إعادة قراءته مرة أخرى.
والحق أنني وجدت في المؤلف نموذجاً للباحث الجاد الذي يجمع بين العلم والتواضع، وبين المعرفة وحسن الخلق، وهي صفات تنعكس بوضوح في كتاباته وأسلوبه، وتترك أثراً طيباً في نفس من يقرأ له أو يجالسه.
كما لا يسع المنصف إلا أن يقف بإكبار أمام المشروع الموسوعي الكبير الذي أنجزه سماحة آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي، والذي يمثل بحق واحداً من المشاريع العلمية والثقافية المتميزة في عصرنا، حيث بلغ المطبوع من أجزاء دائرة المعارف الحسينية (130) مجلداً من نحو ألف جزء، فحجم الجهد المبذول، وسعة المادة العلمية، وروح المثابرة التي صاحبت هذا المشروع، كلها أمور تستحق التقدير والثناء.
وإذا كان المحقق الكرباسي قد أسس هذا الصرح المعرفي الكبير، فإن الدكتور الخزرجي قد أسهم من خلال «نزهة القلم» ومؤلفاته الأخرى في هذا السياق في تقريب هذا المشروع إلى القراء، وتعريفهم بجوانبه المختلفة بأسلوب رصين وممتع.
ولعل أجمل ما خرجت به من هذه القراءة أن الكتب الصادقة لا تنتهي بانتهاء صفحاتها، بل تظل ترافق قارئها، وتدعوه إلى إعادة النظر والتأمل، وتكشف له في كل قراءة معاني جديدة لم يكن قد انتبه إليها من قبل، وقد كان «نزهة القلم» بالنسبة لي أكثر من كتاب قرأته، بل صحبة معرفية ممتعة، ازداد أثرها عمقاً بما حظيت به من حديث مباشر مع مؤلفه الكريم.
صدر الكتاب في بيروت عن بيت العلم للنابهين سنة 1431هـ (2010م) في 560 صفحة من القطع الوزيري، وتكريماً لمؤلفه في كربلاء المقدسة فقد تولت طباعته الحكومة المحلية في كربلاء المقدسة بشخص محافظها آنذاك المهندس آمال الدين بن مجيد الهر الخفاجي، وجاء في الديباجة: (هدية مباركة إلى رجال الفكر والأدب والمعرفة من قبل الحكومة المحلية في محافظة كربلاء المقدسة.. المهندس آمال الدين مجيد الهر/ محافظة كربلاء المقدسة).
* كاتب سعودي من مدينة سيهات
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية