حين فتحت هديل عينيها على العالم، لم يكن الضوء أول ما استقبلها، بل الحداد.
كان البيت صامتًا إلا من أنين امرأة أنهكها المخاض والفقد معًا، وكانت على الجدار قطعة قماش سوداء تتدلى كغيمة لا تعرف الرحيل. لم تكن الطفلة تدرك أن السواد ليس لونًا فحسب، بل قدرًا يمكن أن يقيم طويلًا في البيوت، وأن التاريخ المكتوب على ورقة النعي لم يكن أرقامًا جامدة، بل بداية حياة ستُختصر في خسارات متعاقبة.
كانت أمها كلما حملتها بين ذراعيها، تتأمل ملامحها الصغيرة، ثم تهمس:
“إنه يشبهك… حتى عينيه عادتا إليّ في وجهها.”
كان الزوج قد رحل قبل أن يسمع أول بكاء لابنته. ملازمًا في الجيش، ابتلعته إحدى معارك القرن؛ حربٌ لم تترك منتصرًا، بل تركت آلاف الأرامل والأيتام، وسقت الأرض بدماء شباب لم يعرفوا لماذا ماتوا، سوى لأن الحكام أحبوا الكبرياء أكثر من الحياة.
كل دمعة كانت تسقط من عيني الأم على خد رضيعتها، بدت كأنها توقّع عقدًا خفيًا تورثها فيه الحزن بدل الحليب، والانتظار بدل الأغاني، والحنين بدل الأحلام.
وسمّتها هديل.
لأنها كانت تتمنى أن يصبح صوتها يومًا هديل حمامة، يوقظ السلام في قلبٍ أتعبته البنادق.
كبرت الطفلة قليلًا، وكبرت معها حاجة أمها إلى سند. وكانت الأعراف التي أنجبتها الحروب تقول إن أخا الزوج أولى بأرملة أخيه، حفاظًا على الأطفال من الضياع، ومن قسوة زوج غريب لا يرى فيهم سوى عبء.
تزوجت الأم من شقيق زوجها الراحل.
دخل الرجل البيت بخطوات مترددة، لكنه لم يدخله عمًا، بل أبًا.
احتضن هديل كما لو كانت قطعة من قلب أخيه، ومسح عنها شعور اليتم دون أن ينطق بذلك. لم يفرق يومًا بينها وبين ابنه الذي أنجبته أمها بعد سنوات، حتى صار الناس ينسون أنها ليست ابنته من صلبه.
وكانت هديل أول من يناديه:
“أبي.”
فيبتسم، وتشرق في البيت شمس صغيرة.
امتدت الأيام هادئة.
ازدهرت تجارة الأب، وامتلك المصانع والأموال، وتحولت الدار إلى واحة دفء، حتى ظنت هديل أن الحياة قد اعتذرت أخيرًا عن قسوتها الأولى.
لكن السعادة، كالفراشات، كثيرًا ما تحط قليلًا ثم ترحل.
ذات صباح، عاد الأب شاحب الوجه. مرضٌ غامض تسلل إلى جسده بصمت، ولم يمنحه الوقت الكافي ليقاوم. أخذ يذبل يومًا بعد يوم، حتى صار حضوره يشبه الغياب.
وفي ليلة باردة، انطفأ المصباح الذي كان يضيء أرواحهم.
للمرة الثانية، ارتدت الأم السواد.
وللمرة الثانية، وقفت هديل على باب الفقد، عاجزة عن إيقافه.
أدركت أن الموت لا يكتفي بسرقة الأحبة، بل يسرق أيضًا الإحساس بالأمان.
مرت السنوات.
كبرت هديل، وصارت شابة يانعة، تحمل في عينيها بقايا طفولة لم تكتمل، وفي قلبها رغبة عنيدة بأن تهزم إرث الأحزان.
حين تقدم إليها رجل للزواج، صدقت أن الحب قد يكون الوطن الذي تأخر كثيرًا.
ارتدت ثوبها الأبيض، ومشت نحوه بقلب امتلأ بالأمل، كأنها تودع كل ما مضى.
رزقها الله بطفل وطفلة، فظنت أن القدر أخيرًا ابتسم لها.
كانت تنظر إليهما كل ليلة، وتردد في سرها:
“لن أورثكما الحزن… سأورثكما الحياة.”
لكن بعض الرجال يجيدون تحويل البيوت إلى ساحات حرب.
كان زوجها بخيلًا في الحنان، كريمًا في الإهانة.
كل يوم يسرق من روحها شيئًا؛ مرة بكلمة جارحة، ومرة بصمت قاتل، ومرة بعنف لا يترك على الجسد أثرًا بقدر ما يترك في القلب ندوبًا لا تُرى.
حاولت أن تصبر.
من أجل طفليها.
ومن أجل الأسرة التي حلمت بها طويلًا.
لكن للصبر آخر الطريق.
طلبت الطلاق.
كانت تظن أن باب المحكمة سيكون أول أبواب العدالة.
غير أن القاضي، وهو يقلب أوراق القضية ببرود، أصدر حكمًا بدا كأنه سيفٌ يقطع آخر خيط يربطها بالحياة.
خرجت من المحكمة ويداها فارغتان.
أما قلبها، فكان يحمل وزن العالم.
كان طفلاها يسيران بعيدًا عنها، وهي عاجزة حتى عن احتضان الوداع.
في تلك اللحظة، فهمت أن أقسى أنواع اليتم ليس أن تفقد أبًا أو أمًا، بل أن تصبح أمًا محرومة من أطفالها وهم أحياء.
عادت إلى بيتها.
جلست أمام المرآة طويلًا.
لم ترَ وجهها.
رأت وجه أمها وهي تبكي فوق مهدها قبل سنوات، ورأت قطعة القماش السوداء ما تزال معلقة على جدار الذاكرة، لم تعبث بها السنون.
ابتسمت بمرارة.
وأيقنت أن الإنسان لا يرث المال وحده، ولا الملامح وحدها، بل قد يرث الأحزان أيضًا، إذا أصرت الحياة على أن تجعل من الفقد نسبًا لا ينقطع.
لهذا كانت هديل…
الوريثة.
وريثة الدموع التي بدأت قبل ولادتها، واستمرت تكبر معها، حتى صارت تعرف أن بعض الأقدار لا تُكتب بالحبر، بل بالدموع، وأن هناك قلوبًا خُلقت لتحمل عن الآخرين وجع العالم، وتمضي رغم انكسارها، لأن الأمل، مهما خفت صوته، يبقى يشبه هديل حمامة تبحث، في كل صباح، عن عشٍ لا تهدمه الحروب.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية