المقعد الأوسط/بقلم: سعيد الصالحي

في أحد الشوارع التي أمرّ منها كل يوم تقريبًا، توجد ثلاثة مقاعد خشبية. وما يلفت انتباهي أن المقعد الأوسط دائمًا شاغر، بينما المقعدان اللذان يقبضان على مشرقه ومغربه لا يفرغان.

وفي أحد الأيام، ركنت سيارتي على مقربة من المقاعد، وبدأت أراقب متى سيجلس أحد المارة عليه ليؤنس وحدته، وليختلط الخشب بالخشب، وليلامس بعض أخشابه التي شاء القدر أن يكون رحيمًا بها، وأن يجنبها النار.

كان بعض المارة يقفون أمام المقعد الفارغ للحظات، ثم يغربون أو يشرقون، وتكررت هذه الظاهرة أكثر من مرة.

نزلت من سيارتي وتوجهت نحو المقعد الأوسط. وقفت أمامه وتأملته جيدًا. كان نظيفًا، لم يلهُ به الصبية، ولا الحمام المنتشر في حينا. تسلحت بالشجاعة وجلست عليه، وأسندت ظهري ومددت ذراعي فوق كتفه.

بدأ الشاغلون للمقعد الغربي بالنظر إليّ، أما القاطنون في الشرقي فلم يتوقفوا عن النظر والنميمة، حتى تسربت نظراتهم وتمتماتهم إلى نفسي، وبدأت أشك في تسريحة شعري وهندامي.

أشحت بناظري عنهما، وبدلت الذراع الممدودة بأخرى، وفجأة بدأت أرى أشياء غريبة.

قطة تقفز بالقرب مني، فأمد يدي لأداعبها، فلا أرى القطة.

ثم أرى شيخًا جليلًا يسير نحوي، فأقف احترامًا له، وأفسح له المقعد، وأطأطئ له الرأس. وعندما أرفع رأسي لا أراه، فأعاود الجلوس دون أن أجد له أثرًا.

وحينها فقط أدركت أن هذا المقعد أكثر ازدحامًا مما ظننت.

بقيت جالسًا لنصف ساعة تقريبًا، وأنفضّ الجالسون من حولي، ولم يتبقَّ لي من الجيران إلا أعقاب السجائر وأكواب القهوة الفارغة.

وبينما كنت جالسًا، أخذت ذاكرتي تعصف بي، وكل عواصفها كانت كئيبة وتسبب التلبك المعوي. تذكرت أشياء وأشياء، ولم يتسرب إلى عقلي إلا الفوضى.

نهضت من المقعد، وابتعدت عنه عدة خطوات. بدأت أشعر أن خطواتي رشيقة، وأن الهواء يندفع إلى رئتي، وكلما ابتعدت عن المقعد كنت أعود إلى طبيعتي التي عبث بها المقعد لبرهة، دون أن يحرك ساكنًا.

عدت إلى سيارتي، وعدت إلى مراقبة المقعد من جديد. لم يجلس عليه أحد، ولم تقترب منه الطيور، ولا حتى الحشرات. بقي فارغًا لفترة طويلة.

لم أفهم شيئًا، فتركته وعدت إلى عملي.

وفي المساء، مررت أمام المقاعد الثلاثة، وكانت صدمتي كبيرة عندما أدركت أن الناس والطيور والحيوانات الأليفة تصطف في المساء في طوابير طويلة، تنتظر دورها في رحاب المقعد الأوسط.

جلست أراقبهم من بعيد. كان كل واحد منهم يجلس قليلًا، ثم ينهض ويمضي أخفّ مما جاء. لم أفهم ما الذي يحدث، لكنني رأيت وجوهًا تتبدل، وعيونًا تهدأ، وظهورًا تنتصب بعد انحناء.

وحين اقتربت أكثر، كان المقعد قد بدأ يفرغ ما حمله طوال الليل. أشياء لا تُرى، وذكريات لا يعرف أصحابها أنهم تركوها هناك، ومشاعر ثقيلة كانت تبحث عن صدر آخر.

وفي الصباح، كان المقعد يعود إلى وحدته.

أما ما تركه الجالسون عليه، فكان يجفّ على خشبه تحت الشمس، ثم يتطاير مع الهواء، ليلتقطه مخلوق بائس في مكان آخر، ويعود به إلى بيته.

عندها فقط أدركت أنه لم يكن فارغًا.

كان ينتظر الليل.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
betsmovebetsmovebetsmovebetsmove girişbetsmovebetsmove girişbetsmovebetsmove girişbahsegelbahsegel girişbahsegel girişbahsegelbahsegelbahsegel girişbahsegelbahsegel girişbahsegelbahsegel girişbahsegelbahsegel girişkavbetkavbet girişkavbetkavbet girişkavbetkavbet girişkavbetkavbet girişkavbetkavbet girişkavbetkavbet girişbetpasbetpas girişbetpasbetpas girişbetpasbetpas girişbetpasbetpas girişbetpasbetpas girişbetpasbetpas girişklasbahisklasbahis girişklasbahisklasbahis girişklasbahisklasbahis girişdeneme bonusu veren sitelerbahis sitelerislot sitelerideneme bonusu veren sitelerbahis sitelerislot sitelerideneme bonusu veren sitelerslot siteleribahis sitelerideneme bonusu veren sitelerbahis sitelerislot siteleri