مراسم تشييع عصفور/بقلم: عبد العظيم فنجان

إلى : دخيل خليفة
مثلما نكتشفُ أننا غارقون بالطَهر ،
أو ضالعون بالإثم ،
فنلجأ إلى الصلاة ، أو إلى الخمر ،
لكننا عندما نفلتُ ، كالطيور ، من أسْرِ اضطرابنا ، نقصُّ اجنحتنا ، ونعودُ إلى أقفاصه نادمين ..

مثلما يولد الواحدُ منا ،
فيجد نفسه في ضجة العالم ، دون مشورة ، أو دون سابق معرفة ،
فنصطدم بالجدار .

مثلما ننقذفُ من العدم ، لنبحثَ عن ذواتنا ،
ومن حولنا ملائكة تحصي حصتنا من الهواء .

مثلما نكتشفُ حريقا في أرواحنا ،
ولا ندخل أو نخرج منه .

مثلما نقف والعمر يمشي ، بلا قدمين ، إلى حيث يطول وقوفنا .

مثلما يطحننا الحزنُ ، فنلجأ إلى الحب ، إلى الخمر ، أو إلى الغناء ،
ثم لا نريد أن ينتهي هذا ،
لأنه خندق نحتمي خلفه من بشاعة أوجاعنا ..

كلما أسَرْنا أغنيةً تَفرّقنا ،
في طرق الليل ، بحثا عن حنجرة تواسيها .

يطحننا الشعورُ بأن شيئا ما ليس على ما يرام ،
فنرمي إطلاقاتنا على عدو لا نعرفه ،
وكلما أصبناه ،
وجدنا أنه متأهب إلى القفز ،
من دواخلنا .

كلما أسَرْنا عصفوراً بكينا ، خفيةً ، عن بعضنا البعض ،
وأطلقناه ،
ثم تزاحمنا بالمناكب ،
عند الباب ،
كي ندخل مكانه إلى القفص .

كل امرأة صحنا بها : ” يا شجرة ” ،
تسلقنا إلى حيث ثمارها ،
التهمنا حلمتيها ،
ترنحنا من السُكر من فرط عصافيرها ،
ثم كسرنا أغصانها ،
وانكسرنا .

الويل لنا !

أقمنا هنا ، و مازلنا هناك ، ولن نكفّ .
لن نكفّ أنّ نضعَ الرأسَ على الكتف ، ونمشي به إلى المشنقة .
لن نكفّ أن نكون في المقدمة ، ونُضرَبُ من الخلف .
تتجلى أحزاننا على هيئات غامضة :
هي طيورٌ، أحيانا
وأحيانا أخرى ليست طيورا ولا عاصفة ،
فنكتب الشعر عسى أن نعرفها .

لن نعرفها ، نحن الشعراء الذين نعرفُ .
نحن الذين لا نعرفُ ما هذا ، لكن اشارتنا إليه تتضمنه .
نحن الذين نعرف أن القليل الذي نعرف يكفي ، لكن كفايتنا هي الشهيةُ :
نحن المرضى بالشفاء ، وبالنوم على مصاطب السهاد .

وأنا منهم .
أنا من أولئك ،
لكنَّ هؤلاء يظهرون ، بغتة ، في القصة .

أنا من مدنٍ منهوبة ،
وبلادٍ تغتال أحلامها ، وهي تسير إلى الوراء .

أنا من شجرة يتسلقها العراء ، ومن نبع يسيل منه الدم .
أنا دفتر الذنوب التي ارتكبها سواي
أنا صفحاته الممزقة .

أنا فراشة تهرب من شعاع يخنق قنديله ، وينتمي لطيشِ الظلام .

أنا من بلاد هي سلّة تحمل النبيَّ إلى الأعداء ،
أنا موجة في نهرٍ يقلب قواربَ مجراه
أنا ملاك تائه يبحث ، في الخرائب ، عن صليبه
أنا حضارة ترجمها المعرفة بالحجارة
أنا تمثال الحكمة
يجمع أوصاله من القمامة

أنا ريح تشنق الهواء ، وتحبس انفاس النوافذ
أنا يقظة الدخان في وطن يشتعل
أنا حانة اللصوص ،
ومائدة يأكل منها الجميعُ لحمَ الجميع .

حين صعدتُ إلى الحب لم أجد أحدا ،
ولمّا نزلتُ
نزل معي الجميع .

لم ينزل قلبي فكان يجب أن أبحث عنه ،
وحين عثرتُ عليه زعم الجميعُ أنه قلبُهم ، فتخليتُ عنه ، وصعدتُ بحثا عن قلبٍ آخر .

كنتُ قويا بما يكفي لأن أبكي ،
سوى أنني فضّلتُ أن يكون أمامَ امرأةٍ ،
هي كلُّ ذخيرتي من الخيال :
بكائي ليس قوةً ، والضعفُ ليس بكائي أيضا ،
فأنا قادمٌ من ألمٍ آخرَ لا يفهمه أحدٌ إلا هي ،
لأنها اعجوبة أدّخرُها ليوم لا يفهم فيه أحدٌ أحدا .

كنتُ أنوي هذا عندما كفرتُ بآيتي .
عندما عزلتُ عزلتي كنتُ أنوي عزلةً اخرى ،
ولم أقصد أن أخطفَ جائزة عندما صرختُ .
كنتُ أنوي هذا عندما صعدتُ لأعرفَ كم محصولي من البرق ،
كم محصولي من الظلام ،
وكم يكفي من العناية ، كي أٌلملمَ ثوبَ رعايتي ؟
كم أحتاج من الإهمال ؟
وكم يكفي الألمُ كي أطويَ الأرضَ إلى ما وراء الشيطان ، إلى ما قبل الملاك ؟

لستُ صعلوكا ، ولا نبيا ، أعني : لستُ قتيلا ،
ولكني أعرفُ مَن ذبحني .

كنتُ انتظرُ الحصاد ، لكني ألغيتُ الموعد ،
ووهبت للجراد أن يقطف السنبلة .

كنتُ أنوي هذا
عندما دخلتُ القفصَ مثل عصفور .. .

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
casibomcasibom girişcasibom resmi girişdeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusucasino sitelerideneme bonusu veren sitelerdeneme bonusu veren sitelercasino siteleribahis siteleribonus veren sitelercasibomcasibom girişcasibom güncel girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahis güncel girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom giriş