قراءة ؛ علي القيسي
“هواء مرّ في رئتي”
عنوان مباشر وواضح لالبس فيه ولاغموض( هواء مرّ في رئتي) هذا لايعني أنه غير لافت بالعكس من الطبيعي أن يستنشق الانسان الهواء أو الكسجين الصحي العادي حتى يشعر بالراحة والحياة
، ولكن تبارك أرادت لفت الانتباه بالمرارة التي في رئتيها ، رغم أن طعم المرارة يشعر به الانسان في التذوق عن طريق اللسان ، فالعطور نشمها ،،والروائح الاخرى أيضا
حاسة الشم تختلف عن حاسة التذوق ،،ولكن الأمر عند الكاتبة يأخذ منحى آخر في العمل الأدبي الفني وخاصة في موضوع التقنية والمفارقة والمجاز ومهارات الابداع في القصة القصيرة ، والبلاغة اللغوية وهكذا
فهي تدرك ماتكتب وتعني،
المجموعة القصصية هواء مر في رئتي فيها الكثير من القصص القصيرة جدا ، وهذا الجنس الأدبي القصصي يعد جديدا وحديثا في عالم القصص في الوطن العربي
بالرغم من أن الغرب قد سبقنا في هذا الجنس الأدبي القصصي ، فهناك الكاتبة الفرنسية ناتالي ساروت كتب هذا الفن الأدبي في بداية القرن العشرين
وأيضا الكاتب الامريكي المشهور همنغواي كتب أقصر قصة قصيرة جدا في العالم ومن ست كلمات ( للبيع حذاء أطفال لم يستعمل قط) وكذلك هناك كتّاب عرب مثل يوسف ادريس ومخائيل نعيمة ، ولكن لم تكن القصة القصيرة جدا شائعة في ذلك الزمان البعيد ،كانت تجارب ومحاولات لم تصل لاقتناع الناس فيها ،
ولكن اليوم القصة القصيرة جدا اخذت مساحة واسعة في الساحة الأدبية واصبحت جنسا أدبيا معترفا به ،
في قصص تبارك تجد العبثية أحيانا ، لا اقصد السطحية أو إثارة المتلقي ، بل طبيعة الكاتبة تميل الى السخرية المرة ،السخرية الواقعية تحاول تجميل هذه المرارة أحيانا وتحليتها بالسخرية والهزل ، فيما الكاتبة تتألم من الداخل في توصيف الحياة للناس ، وتسرد الاوجاع والخيبات والمعاناة للناس باسلوب الكوميديا السوداء
” المرأة التي خانها الحلم خانتها الجرأة لتفسيره ،،،،الرجل الذي رافقها في حلمها اقترب من تأويله ففر هاربا،، الحلم الذي خانها زرع جسده على وسادة امراة أخرى وابتسم،،،”ص 109
في قصص تبارك الياسين التقنية العالية والبصمة المتفردة ،فهي تترك القارئ في حيرة وتردد لاتشفي غليله في نهايات قصصها تتركه يفكر ويتأمل ويتساءل عند نهاية كل قصة.
فهي تترك للقارئ الفهم وفك اللغز وهو حر بالتالي يمارس التعمق بالمعاني أم ينسحب بهدوء ،، فهناك الكثير من القصص نهاياتها مشرعة وملغزة ، فالمعنى الحقيقي لايعلمه سوى تبارك وربما الراسخون في العلم ، أنت تقرأ القصة اكثر من مرة حتى تفهم المعنى ،وربما تقرأ أكثر ولكن تخرج بتشتت ذهني وتتساءل ماذا تقصد تبارك في هذه القصة أو تلك
وهذا الأمر يذكرنا بالقصيدة النثرية ذات المسالك الوعرة التي اعتاد على كتابتها بعض الشعراء الحداثيين ، فهي مغلقة في جوانب كثيرة والمعنى يكمن في بطن الشاعر رغم ان الشاعر احيانا كالقارئ يجهل ماذا يقصد !!
أما بالنسبة للغة القصص فهي عالية المقام وثرية وتستعمل لغة والفاظا عادية سهلة ولكن المشكلة بعض المعاني.
في قصة ِ(سلْفي)
هناك البقال أبو وجه شاحب
وهناك سائق التكسي يبدو متذمرا ويشبه البائع
وشرطي المرور المتعب من العمل يشبه سائق سيارة الأجرة
والمرأة التي تلهث خلف أبنائها لقطع الشارع تشبه شرطي المرور
والكاتبة بدورها وصلت في الموعد المحدد ،،كان الأصدقاء مجتمعين تقول ؛ التقطنا صورة (سيلفي) للذكرى وكنا جميعا ،نشبه المرأة التي تلهث خلف أبنائها.
هذه القصة سيلفي تتميز بوحدة الموضوعية فالقاسم المشترك بين الشخوص هو عدم الارتياح والمعاناة والنكد والتعب وتعب البال
وكل ذلك عبرت عنه الكاتبة بصورة سيلفي للأصدقاء الذين كلهم يمثلون الشخوص ويشبهونهم فالكل يعاني والحال من بعضه.
مالفت انتباهي في موضوع القصص أنها ترتبط بروح الجماعة وليس الفرد والفردية ،فالقصص كلها تصب في معالجة الواقع الجمعي فالشخوص وأسماء مهنهم تجتمع في الكثير من القصص وبينهم علاقة عضوية في الهموم والمشاغل ومتاعب الحياة وهذا قلما نجده في القصص القصيرة جدا ، فأنت تقرأ القصة لتبارك الياسين وكأنك تقرأ قصة تقليدية تعج بالشخوص تقريبا وبالاحداث حتى أنك تظن أن النفس الروائي حاضر في روح بعض القصص ،فالكاتبة روائية وقاصة ولا بد من ظهور ملامح في هذه الاجناس الأدبية المتداخلة
تجدر الإشارة الى أن الأديبة حاصلة على عدة جوائز وهي
جائزة وزارة الثقافة الاردنية للابداع عن رواية (وشهقت القرية بالسر)
جائزة الجياد القصة القصيرة للفتيان
جائزة رابطة الكتاب الأردنيين في القصة القصيرة.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية