المحطة الاخيرة/بقلم:عمران الغانم (العراق)

 

كان يظن في البداية أن اقتراب الروح يكفي
ليبقي الحلم حيًا، وأن رسالة عابرة أو ابتسامة شاردة قادرة على وصل ما انقطع بين قلبين مهما طال الغياب. لكن الزمن علّمه ببطء قاسٍ أن الرسائل لم تعد كما كانت، وأن المواعيد المؤجلة تتكاثر كظلال المساء، وأن ردًا واحدًا صار يحتاج صبرًا يشبه أرضًا يابسة تنتظر مطرًا لا يأتي.

كانت مشغولة دائمًا، كأن حياتها لا تتسع له. وكان هو يبرر غيابها، يبتلع خيبته بصمت، ويخفي انكساره بكلمة واحدة: لا بأس. ثم يعود إلى هاتفه، يحدّق في شاشته كمن يحدّق في ليل بلا وعد، ينتظر أن يناديه الضوء باسمه على لسانها.

وذات مساء، أدرك ما كان يتجنبه طويلًا: أن القلب لا ينهكه الحب، بل ينهكه الانتظار حين يفقد اتجاهه، حين يبقى معلقًا بين احتمال لا يكتمل وغياب لا يُفسَّر.

جلس وكتب لها دون أن ينتظر جوابًا، كمن يترك وصيته الأخيرة للحنين:

“شكرًا لكِ…

شكرًا للحلم الذي مرّ بي عبركِ، كنسمة لم تكتمل لكنها غيّرت حرارة الروح.

شكرًا لتلك الابتسامة التي كانت تصلني من بعيد، كضوء نافذة في ليل طويل يذكّرني أن العالم ما زال يحتفظ بشيء من الدفء.

شكرًا لكلمة الله حين كنتِ تقرئين شيئًا يعجبكِ، فكان صوتكِ يمنحني طمأنينة خفية تمسح تعب القلب.

وشكرًا لي…

لأنني سأختار المغادرة أخيرًا.

لن أعاتبكِ، ولن أطلب موعدًا جديدًا، ولن أطرق بابًا أعرف أنه موصد في وجه انتظاري.

سأنزل في المحطة القادمة، عند حدودكِ التي لم أعد أستطيع عبورها.

ربما يكون الرحيل هو الطريقة الوحيدة لأحبكِ دون أن أؤذي نفسي.

ولعلي في مكان آخر أجد محطة لا يتحول فيها الانتظار إلى خيبة متنكرة في هيئة أمل…

أو أجد مكانًا آخر أنتظركِ فيه دون أن أثقل قلبي بما لا يُرد.”

أرسل الرسالة ثم أغلق هاتفه.

ولأول مرة، لم يلتفت إلى علامة القراءة، ولم يرهق نفسه بانتظار الرد.

وقف أمام النافذة، والمدينة تمضي كأن شيئًا لم ينكسر داخله، كأن الأرصفة لا تحفظ أسماء العابرين.

ابتسم ابتسامة خفيفة، مبللة بحزن هادئ، وقال لنفسه:

“بعض الرحيل ليس نهاية الحكاية…

بل هو الطريقة الوحيدة كي لا نضيع فيها.”

ثم مضى.

وفي مكان ما خلف حدودها، ترك قلبه مقعدًا فارغًا…

كأنه يقول للقدر: إن عادت يومًا، فلتجد أثره دافئًا… فقط احتياطًا.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!