للوطنِ أنبياء يُولدون/بقلم: منى محمد صالح

-الإهداء (إلى ضحايا غرقى جزيرة لامبيدوزا، ولتراتيل القادمين؛ أغنية بعبقِ الأرض).

 

يا أيها الوطن المسيّج بالنشيج
تبّت يد الريح
وانسلَّ صداها المالح
عن بضعِ أسئلة
أودعناها قِبلة السماء:
هذه الحياة لمن ؟
ولمن يتسع هذا الأزرق فوقنا؟
ليُخيّم تحتنا قتام الرماد
زبدًا يبدّله البحر
حصى، من الرمل
يرتب أرصفة المرافئ
كفناً، لغرقى موتانا
أكفاً مشرعة
يحملها غيابنا الأبدي

أغنيات يتيمة
يرطب دمعها الساخن
تمتمات دافئة
ترسلها أمهاتنا الصابرات
منذ الأزل،
ولا أفق يظلّل قبر الشهيد

سلام عليك يا وطني
سلام يغطي جحيم الغياب
ويدفئ شتات غربتنا الصنوبري.
يا الله…
آتِنا من لدنك رحمة
لنمنح موتانا
شهداءنا الأحياء
وتلك العيون الصغيرة
ملائكة الرحمن..
كفناً،
يستر عُريَ الروح المتعبة،
وأغنية تشبهنا

آه يا وطن،
يحلُّ سلامًا علينا
يدثرنا أفق يشبهك؛
تجمعنا ألوان الطيف يا وطني
توحدنا سماء واحدة
أرض واحدة،
وتفرقنا هويات
تضيع فيها أبجديات التراتيل القديمة
أساطير الأغنيات،
لتصير أسماؤنا نشيداً
يفضح حبنا للأرض
ووجهاً عارياً لكف الريح

هذه الحياة لمن ؟
ولمن يتسع هذا الأزرق فوقنا؟
ليُخيّم تحتنا قتام الرماد،
سقمٌ يتصاعد مرّاً
بطعمه الصنوبري،
ونحن الموزعون
في المنافي،
ما زلنا ننتظر
ولأكثر من عشرين عام عجاف
قرارات النُخب الكرام،
وما تبقى من الحسابات المفروضة
لفك صكوك الحساب
ودفع فواتير الإقامة
وشارات المرور
لنَعبر أبواب المدن الحزينة
وحصار العسكر

تغرقنا بحار يا وطني
ورمال بيضاء… بيضاء
تفتّت فجيعتنا
وتلفظنا أصابع الموت نحو التيه.
لا فرح يعبق في الأرض
ولا اسم يلتحف أناشيد الصلوات.
وزماننا المنسي
يرسم دهشته
ويتساقط ظلاً عارياً
ينبلج من يباب الصحراء،
يغسله نحيب المطر
والفرحٌ المُطفأ
في عيون موتانا
بحثاً عن شوارع
لا تسعها خُطانا
وعن مدن لا تشبهنا
ترسم على ترابها الرملي
اسماً يحمل نقش موتانا

آه يا وطني
ويا وجعي
ويا حزني
أنا خجلى… أنا خجلى
من عيون بلادي الجميلة
وشوارع قريتي المغسولة
بالحزن
بالمطر
وبوجه أمي
المسالم الصبوح
وصوت أبي
يأتي يقيناً راسخاً
من خلف الحقل
يرتل سورة الرحمن
يغطي غيابنا الأبدي
على كفن عارٍ
إلاّ من أفقك

أغنيك يا وطني
وأنت الأجمل فينا
أغنيك
وأنت نبوءة للأمنيات القادمات
قرنفلة تعطر يباب الصحراء
تغطي عرينا الفاضح
وتضمد جرحنا المثخن
بألف سيزيف قادم
من *غولاغ *ساوا،
قتام الرماد
زنزانة الوطن المنفى.

يا أيها الوطن المبجّل فينا
تتبعنا تراتيل القادمين
أينما ننزح راحلين
نحو منفى آخر
بحر آخر
ويباب يتوج كفن الرحيل
وصدى الأمنيات البعيدة
لأم شهيد
تنشد من ضلوعها
صلوات الفجر
في الصباحات الباردة،
تودع تميمتها الأخيرة
وتطبعها قُبلة على وجه الحياة،
وخاصرة البحر
تُعجل بانحسار كاسر
لتفرغ ودائعها

لا وقت للحزن الآن
يا أم الشهداء
تصاعدت أصوات
تميمتها الأخيرة من عمق البحر
تحمل عشبا وطينا
وبرقا يحتويه السكون

لا وقت للحزن الآن
يا أم الشهداء،
افتحي مسبحة الدعوات الصالحات
ارفعي كفيك الطيبتين إلى السماء
يا ألله..
آتِنا من لدنك رحمة،
رتّلي عفوَك يا أم الشهداء؛
هي ما تبقى
من أغنيات
ومن صلوات
معجزة إلهيّة تحرسنا
وبضع آيات من سورة الرحمن
تضيء لنا قبر شهيد قادم
يُولد من رحم محنتنا
وللوطنِ أنبياء يُولدون
وللوطنِ أنبياء يُولدون

-هوامش:
– غولاغ: معسكرات السخرة المعروفة.
– ساوا: مدينة تبعد 315 كلم عن العاصمة الإرترية أسمرا ومعقل لمعسكر الخدمة العسكرية الإجبارية في إرتريا.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!