الأديب عطا درغام يحاور لآفاق حرة الأديبة والدكتورة ميسون حنا

 

المحور الأول: سيرتك الأدبية والمسرحية

** كيف كانت البداية التي جذبتك من عالم الطب الدقيق إلى عالم الكتابة المسرحية والقصصية؟

في الحقيقة أنا منتمية للمسرح قبل دراستي الطب، حيث بدآت الكتابة المسرحية وأنا طالبة في المدرسة، كتبت مسرحيتين آثناء ذلك، إحداهما كانت مسرحية ساذجة وإن دلت على موهبتي المسرحية المبكرة، والثاني هو نص الرباط الأزلي حيث كتبت فصله الأول وانا في الصف الحادي عشر، واحتفظت به، واصطحبته معي إلى أوكرانيا حيث درست الطب، وهناك أنهيت الفصلين التاليين، وعندما تخرجت وعدت إلى الوطن أعدت صياغته وطورته واعتمدته للنشر، لكني نشرت قبله نصوصا كثيرة وهو ينتظر في درج مكتبي إلى أن نشرته أخيرا.

** مسرحيتك عازف الناي نالت جائزة آفضل نص، ما هي الفكرة المركزية التي انطلقت منها في هذا العمل؟

– مسرحية عازف الناي مستوحاة من آجواء الف ليلة وليلة، وكانت فكرتها تدعم الإنتماء إلى الوطن، حيث أن عازف الناي يستقي ألحانه من هموم الناس ومعاناتهم وميولهم وآمالهم مما أثار شيخ البلد ضده، وخيّره أن يعزف مغلقا بابه دون الجميع، آو يكسر نايه وينسى العزف، أو يرحل بعيدا عن البلدة ويعزف كما يشاء، فيختار الرحيل بعد أن تغويه جنية من بلاد الجان ليرحل معها بعد أن توهمه إنها ستلهمه ألحانه، لكنه يجد نفسه بعيدا عن الناس، يفقد مصدر الْإلهام ويفتر لحنه، وأخيرا يقرر العودة للوطن ومواجهة الواقع.

**في أعمال مثل مقتل شهرزاد، وكاهن المعبد كيف توظفين الرموز التاريخية والأسطورية لإسقاطها على الواقع المعاصر؟

– الأسطورة توظف عادة لإسقاطها على الواقع، فنحن نكتب بأحاسيسنا وانتمائنا للمجتمع والوطن، وبذلك لا تكون منفصلين عن الواقع ، واستخدام الأسطورة يتيح لنا التحليق مما يضفي الجمال على العمل الأدبي لتحسين الذائقة المسرحية ، كما آن استخدام الأسطورة يمنحنا الحرية في طرح الأفكار.

**تتميز نصوصك المسرحية بالنزوع نحو التحرر والعدالة، كيف توازنين في مسرحك بين الرسالة السياسية والجمالية الفنية؟

– التحرر والعدالة هي في الصميم رسالة اجتماعية لا تنفصل عن السياسة، والعمل المسرحي يجب أن يتشح بالجمال ليسهل تذوقه واستيعابه، وهكذا نجد المسرح يدعو للعدالة والحرية والتحررعبر قوالب مسرحية خيالية تضعنا أمام المشكلة ونواجهها بسلاسة لأننا لا نتخبل هذا حقيقة واقعة، ولكنه في صلب الحقيقة وإن كنا توهمنا عكس ذلك.

** بصفتك قاصة وروائية أيضا، كيف تختارين القالب الأدبي (قصة أم مسرحية) الذي يستوعب الفكرة المفترضة؟

– أنا مسرحية وقاصة، لكني لم أمارس العمل الروائي بعد. أما كيف أختار القالب الأدبي للقصة أو المسرحية فأنا أتركها للحدس والظرف، فعندما أبدأ الكتابة يأتي دور العفوية التي تفرض نفسها، وأجد نفسي أسترسل بالكتابة بأسلوب عفوي فطري وينمو العمل ويتطور ويكتمل أثناء اشتغالي به بعفوية، مع آني آضع فكرة عمومية للعمل ، أما العفوية تتيح لي أن اتوسع بالفكرة وأتفرع بها.

المحور الثاني: قضايا الوطن والعروبة في أدبك.

** صدر لك كتاب بعنوان بكائيات غزة، كيف يوثق هذا العمل نبض القلم الطبيب تجاه الجرح الفلسطيني؟

– بكائيات غزة كتاب نصوص ادبية تعكس واقع الحال في غزة أثناء ملحمة طوفان الأقصى. لقد كتبت هذا الكتاب وأنا أتفاعل مع مجريات الأحداث والمعارك، فكان نبض الناس ، وضمير الآمة، وتركت الكتاب يتحدث عن الواقع الفلسطيني بمبضع طبيب جراح ينكأ الجرح ليوصله إلى الشفاء، والشفاء هنا هو الصمود والمقاومة.

**ما هو الدور الذي تلعبه القضية الفلسطينية والهوية في تشكيل وعي الشخصيات داخل نصوصك المسرحية؟

– في الحقيقة تناولت القضية الفلسطينية في عدة مسرحيات منها أنين الأرواح، الزواحف، وحصاد الدموع. وأنا الآن انتهيت من إنجاز كتاب يتضمن ثلاث مسرحيات منه مسرحيتان عن الوجع الفلسطيني، والمسرحيتان تحملان العنوانين التاليين: ترف العنف، والأسير، وقريبا سأطبع الكتاب، أما كيف تلعب الهوية الفلسطينية في تشكيل وعي الشخصيات فهي تتحقق لأنني أكتب من نبض الشارع، واتلمس احاسيس الناس وأتفاعل معها فينشأ العمل قريبا من القلب.

** كيف ترين قدرة الأدب والمسرح اليوم على مواجهة وتوثيق المعاناة الإنسانية والحروب في المنطقة العربية؟

– الكلمة سلاح حاد، وهو أداة القتال لدى المبدع الأديب، وبها فقط نواجه الظلم، وإذا كان المبدع منتميا لوطنه سهل عليه الأمر ليجسد المعاناة الإنسانية. الكلمة سيف بتار في وجه الظلم وهو الطاقة الإيجابية لسلبية الحروب.

** نصوصك تلامس دائما التوق إلى الحرية، والإرتباط بالأرض. هل ترين الأدب سلاحا للمقاومة الفكرية؟

– بالطبع الأدب سلاح للمقاومة الفكرية، وقد بينت هذا في السؤال السابق، فعلى الأديب أن يشهر سلاحه في وجه الظلم لإحقاق الحق، وسسلاحه الكلمة ، فما بالك إذا كانت الكلمة مصبوبة في قالب مسرحي أؤ قصصي، فهي تلعب دورها بإتقان ، وتدعو للحرية الفكرية ، والأهم من ذلك كله الإنتماء.

** كيف تنظرين إلى تفاعل الجمهور الأردني والعربي مع الأعمال التي تطرح قضايا قومية ومصيرية؟

– الآعمال التي تطرح قضايا قومية ومصيرية تستحوذ على اهتمام الجمهور لأنها تنتمي إليه، وتعبر عن حاله، وهكذا يتفاعل الجمهور الأردني بإيجابية معه، والعمل المنتمي يتخطى حدود الأردن لينتشر عربيا لأن المواطن العربي ينتمي إلى عروبته، والواقع السياسي يفرض واقعا عربيا موحدا، لذا لا يقتصر العمل الفني على اهتمام الجمهور الأردني فقط بل ينتشر عربيا.

المحور الثالث: واقع الأدب والمسرح في الأردن.

** بصفتك عضوا في رابطة الكتاب الأردنيين، كيف تقيمين الحراك الثقافي والمسرحي الحالي في الأردن؟

– المسرح في الأردن يتطور، حيث لاحظنا في السنوات الأخيرة كمّا من المسرحيات. التي عرضت ولاقت الإستحسان والإقبال، وبرز عندنا مسرحيون أكفاء أمثال غنام غنام ، ومجد القصص، وميس الزعبي ولينا التل، وغيرهم الكثير الذين جسدوا أوجاع الوطن وقدموا مسرحا جادا محترما يستحق تسليط الضوء عليه.

** ما هي أبرز التحديات التي يواجهها الكاتب المسرحي الأردني اليوم في إيصال صوته محليا وعربيا؟

– تحدياته مع نفسه أولا، وإصراره على النجاح، وانتماؤه لعروبته الذي يعزز قدراته ويُظهرها أمام الجميع، أما إيصال صوت المبدع محليا وعربيا أجرؤ وأقول إن الحظ يلعب دورا أحيانا، وأيضا العلاقات بين المسرحيين العرب تساهم في انتشار العمل المسرحي عربيا، وأؤكد ان العمل الجاد يفرض نفسه.

** عرضت مسرحياتك على خشبات جامعية ومحلية، كيف ترين جيل الشباب المسرحي الأردني وقدرته على تجسيد النصوص المعقدة؟

– نعم عرضت لي مسرحية مقتل شهرزاد على مسرح جامعة اليرموك، كما عرض لي نصا بعنوان الشحاذ حاكما ضمن فعاليات مهرجان مسرح الشباب، عمون حاليا، وعرضت مسرحية حكاية توت، ومسرحية الحلم، وطبعا عازف الناي التي نالت جائزة أفضل نص مسرحي. جيل الشباب المسرحي جيل واعد، ويبهرنا في قدراته على تجسيد العمل المسرحي باحتراف، وهذا ينبيء بمستقبل مسرحي متطور ومستقطب للجمهور.

** هل يحظى النص المسرحي المكتوب بالدعم والاهتمام الكافي في المؤسسات الثقافية، أم أن العبء يقع بالكامل على المبدع؟

– للأسف يقع غالبا على المبدع، لكن أحيانا تحظى بعض النصوص بالاهتمام ، وأعود وأشير إلى العلاقات والحظ.

** كيف ساهمت الروابط الثقافية في مدن كعمان والزرقاء في صقل تجربتك الإبداعية؟

– حضور المهرجانات المسرحية يعطي المبدع افقا للتحليق في أجوائها مما يصقل التجربة المسرحية، وتنوع التجربة عند حضور عروض عربية ضمن المهرجانات مما يتيح لنا فرصة التعلم من تجارب الآخرين وهذا يثري مهاراتنا ويدعم إبداعنا.

المحور الرابع: الإبداع النسوي وقضايا المرأة.

**كيف تنظرين إلى مصطلح الأدب النسوي، وهل تصفين كتاباتك بأنها تنحاز للمرأة، أم للإنسان بشكل عام؟

– أنا في الواقع لا أعتبر أن هناك أدبا نسويا، وآخر ذكوريا، الأدب هو الأدب وإن كانت المرأة تستطيع أن تعكس أوجاع المرأة بشفافية أكثر من الرجل، إلا إن الأدب هو الأدب ، وكتاباتي تنحاز للإنسان بشكل عام سواء كان ذكرا أم أنثى.

** تطرقت في أعمالك إلى قضايا إنسانية كبرى، كيف تظهر خصوصية نظرة المرأة الكاتبة في معالجة هذه القضايا؟

– لقد قلت في الإجابة السابقة إن المرأة أقدر على تشريح الأنثى وعكس دخيلتها آكثر من الرجل، وأترك نصوصي تتحدث عن ذاتها، فما أردت أن أقوله قلته فيها، وهذه دعوة لقراءة نصوصي المسرحية.

** ما هي العوائق التي تواجه الكاتبة والمبدعة العربية لتثبيت حضورها في عالم المسرح الذي يهيمن عليه الرجال؟

– العوائق كثيرة فطبيعة العمل المسرحي يحتاج التفرغ التام الذي قد لا تحصل عليه المرأة كما الرجل، كما أن العمل المسرحي يمارس بحرية في الليالي التي قد لا تستطيع المرأة ولوج عالم الليل كالرجل، ومع ذلك عندنا نساء مسرحيات أثبتن وجودهن، وتحدين الصعاب، وقد ذكرت منهن بعض الأسماء لا أريد تكرارها الآن.

** في مسرحيتك شباك الحلوة، والرباط الأزلي، كيف رسمت ملامح الشخصية النسائية وتطلعاتها؟

– الشخصية النسائية برزت في مسرحية شباك الحلوة، وفي عدد آخر من المسرحيات مثل الشحاذ حتكما، والعهد، وصدى الروح وغيرها، أما مسرحية الرباط الأزلي فهي مسرحية تعكس قانون وحدة وصراع الأضداد في الفلسفة المادية الديالكتية، هو نص ذهني، وهذه دعوة لقراءته.

** كيف ترين مستقبل الإبداع النسائي في المشهد الثقافي الأردني المعاصر؟

– أراه بنظرة متفائلة، فهو ينمو ويتطور، وأكرر أن الإبداع هو الإبداع بغض النظر عن هوية المبدع ذكرا كان أم أنثى.

المحور الخامس: ثنائية الطب والأدب وتأثيرها على كتاباتك.

**تجمعين بين مهنة الطب البشري والإبداع الأدبي، كيف يغذي مجهر الطبيب تفاصيل وخلفيات شخوصك الأدبية؟

الطبيب يتعامل مع الإنسان في الدرجة الأولى، ويتعامل مع نفسية المريض، ويتلمس أوجاعه الروحية كذلك، لذا أراه يعزز طاقتي المسرحية التي تعكس الإنسان أولا، وهذا ينعكس على آعمالي القصصية والمسرحية.

**الطب يتعامل مع الجسد، والأدب يتعامل مع الروح، كيف تلتقي هاتان الصفتان في شخصية ميسون حنا؟

– من قال أن الطب يتعامل مع الجسد فقط، إنه يتعامل مع الروح والنفس أيضا كما الأدب، كلاهما وقود للإبداع.

** عملك كطبيبة في وزارة الصحة بالزرقاء، جعلك قريبة من هموم الناس اليومية، كيف انعكس هذا الإحتكاك المباشر على واقعية نصوصك؟

– نعم ألتعامل مع المرضى يتيح لي التعرف على نفسياتهم وأوجاعهم ويمكنني من رسم الشخصيات المستوحاة منهم، وهذا برز في مسرحية صدى الروح مثلا وغيرها.

** هل يمنحك التكوين العلمي والطبي انضباطا وبناء خاصا عند صياغة الحبكة المسرحية أو السرد القصصي؟

– أحيانا يمنحني الخبرة في عرض الشخصيات وتشريحها، ولكن الأديب لا ينفصل عن الناس سواء كان طبيبا أو امتهن أية مهنة أخرى، إلا إن الطبيب متاحا له الغوص في نفسية الناس بحرية آكثر مما يثري عمله الأدبي.

** هل أنقذ الأدب الطبيبة ميسون من قسوة المشاهد الطبية اليومية، أم إن الطب هو من منح الأدب واقعيته وعمقه؟

– كلاهما معا، فالأدب هو العالم الموازي الذي نحلق به بعيدا عن أوجاع الواقع، والطب يمنح الأدب واقعية تجعله قريبا منه حد التماهي.

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!