سليم النجار
«وجوه هامشية»
إنّ الرواية لا تقول أيّ شيء عن طبيعة الخلل، وكيف يكون للعصفور شوك، وكيف للأسد أن يكون حمامة. ولا يمكن القول إن روائيًّا ما أو روائيةً ما يمتدح السرعة ولذّة تفوّق الكلمة في النص. وإن أسلوب التهدئة في بداية الحكاية الروائية تخييل سردي، وهو في طبيعته سريع اتخاذ الموقف من الحكاية الروائية. وأيضًا، فإن السرد الروائي الذي يتخذ من هذا الأسلوب مبنىً له، يقوم على عالم يعجّ بالشخصيات والأحداث، ليقول كل شيء عن هذا العالم، أو هكذا يتصوّر.
هذا الملمح نكتشفه في رواية « الهَريبة » للكاتبة دنيا الطيّب، الصادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع، ٢٠٢٥.
ونقرأ في بداية الرواية لعبة الكتابة، واتخاذ الموقف المسبق بعيدًا عن سرد حكاية تؤدي إلى النتائج التي تريدها الكاتبة: «أتمنى أن أموت في الرَّبيع، تحت شجرة. لكنَّ الفتيات المجنونات مثلي نهايتهنّ معروفة: في مصحةٍ نفسيّةٍ بالكثير، أو في البيت» (ص٩).
وتستمر الكاتبة في لعبة الموقف، لكن هذه المرّة يكون الحدث على لسان شخصية أكثر وضوحًا وطمأنينة، ويُلاحظ أن هذه الشخصية، التي حضرت على شكل مدرّسة في جامعة بيرزيت، أكثر بطئًا في حكايتها: «أستاذةٌ لي درَّستني مرّةً عندما كنت طالبة بكالوريوس في جامعة بيرزيت، حين رأتني تفرَّست ملامحي طويلًا: ما فيك ليس جنونًا. أنت دويندية» (ص١٣).
إن كل رواية تنهض على مستوى المتخيَّل، بمعنى أن الكاتبة أو الكاتب، حين يبدأ بالسرد، يجعل الواقع خلفه، إلا في الحالة الفلسطينية؛ فالواقع يقترب كثيرًا من الخيال، وفي كثير من الحالات يقترب من اللامعقول؛ لذا يصبح الخيال في الواقع الفلسطيني واقعًا: «لماذا لم يفكر أحدٌ بأنَّ الاحتلال يُقيم حربًا حتى على خيالاتنا، ويسعى إلى تشويهها وفصلها عن أيّ خيالٍ طبيعيّ عرفته البشرية؟».
يتراجع المرجع الاجتماعي في رواية « الهَريبة » إلى العزل القيمي، وتنقلنا الكاتبة الطيّب إلى ما قبل التخاطب، ومن التعامل مع المرجع القيمي إلى التعامل مع الصور الذهنية الواقعية: «على حلَّ شعرها خارجَ المنظومة الأبويّة العفنة. لكنها انخرطت في الزِّحام» (ص٣٠).
إن المدلول في رواية الطيّب تشكّله أصوات من حيث الذاكرة، تلعب دورًا في الوضوح، وحروف دالّة على الاسم المعرَّف مع النص. والمناقشة في هذا السرد لا تحتمل تأويلًا، بل هي بنية قائمة على المعاني، أي على المدلولات. فالاحتلال الإسرائيلي، في بنية كلامية قائمة على القوة والقدرة، يسعى إلى محو الذاكرة إن استطاع: «أما أنا، فأحدِّث قلبي بأنَّ تعريف الاحتلال لا يتغيَّر بالتقادم، وعلى هذا الحشو الجبليّ بالإسمنت السَّميك لن يربّيني على التَّطبيع» (ص٣٤).
الكاتبة الطيّب لم تَمِلْ إلى التأويل؛ فالموضوع المطروق في سردها لا يحتمل التأويل، ولا ينهض على صورة ذهنية خالصة، بل على تخاطب بين الكاتبة والمتلقي، باعتبار أن القارئ هو الآخر له أرشيفه الخاص به. وهنا لا بد لنا من التوقف قليلًا؛ فالتاريخ في فلسطين، وتحديدًا فترة الكنعانيين، لم يكتبوه، بل كتبه الفراعنة، فالأرشيف في فلسطين قائم على الآخر. وهذا يجعلنا نفتح قوسًا يتجلّى على شكل سؤال: هل نملك أرشيف نتاج واقعنا عبر التاريخ؟
هنا علينا الانتباه وعدم الخلط بين الشخصي والتاريخي؛ لأن التاريخ مرتبط في الأساس بالزمن، ولأن ميدان التاريخ هو الحياة في امتدادها الزمني على الأرض، ولا يصير الزمن إنسانيًّا إلا إذا تم التعبير عنه من خلال السرد: «الأرشيف ليس ما هو ماديٌّ فقط، يُمكن لروحك أن تكون أيضًا. تعلَّمي كيفَ تعودينَ إلى مشاعرك كمرجعٍ توليديّ للمعرفة» (ص٣٩).
إذن، هنا في الرواية زمنان، هما: «زمن التاريخ» و«زمن الحكي والسرد». إن مشكلة تمثُّل الزمن في السرد تُطرح بسبب الفرق بين زمن التاريخ وزمن الخطاب. إن زمن الخطاب زمن خطي، بينما التاريخ متعدد الأبعاد، لكن يتعيّن على الخطاب الروائي وضعه بالتتابع، واحدًا تلو الآخر: «الثوّار الذين اختبأوا في نهايات التسعينات ومطلع الألفينيات فيها» (ص٦٠).
واستطاعت الكاتبة عمل ترابطات دلالية تستدعي المحاكاة. يقول هذا الصوت إنه قادر على أن يمارس لعبة التاريخ كأننا على طاولة شطرنج، إلا أن هذا الصوت يمتنع عن تحديد كلمة «لعبة»، ليدفعنا إلى تحديدها، أو الاعتراف بأنها غير قابلة للتحديد بشكل كافٍ. وتفتح الروائية فضاءً على هذه المدلولات ضمن ثنائيات متعارضة: «لرفض الثنائيات الجامدة، لغةٌ ليست بحاجةٍ إلى اسم، مصطلحات أو مفاهيم كنخر في العظام» (ص٦٢).
إن صوتًا بلا جسد هو الذي يؤثر في سرد شخصية تتبع نصًّا يجعل من السرد محل اكتشاف لما يدور داخل النفس الإنسانية التي تشكّل صورة غامضة: «حين عدتُ حاملةً في رأسي ما تبقى من وعي خسرتُ معظمه في معركة استيعاب لاوعي» (ص٩١).
إن النص في رواية « الهَريبة » يروي فكرة أن الزمن المحكي هو زمن سردي، وسيكون بإمكان الساردة التنقيب عن العناية القصوى لليقظة المتمثلة بالصوت الذي يأخذ شكلًا ملتبسًا: «هل من الصَّعب فهمُ صمتي؟» (ص١٠٥).
تُعدّ الأساطير الأصوات الأولى لوعي المثقف، الذي يبحث عن مكان ما، دون تحديد دور يجعل منه محل تساؤل، أو البحث عن مكانته في المجتمع، خاصة إذا كان الوهم هو المسيطر على أدواته الإبداعية. فحاجات الإنسان الأساسية هي المطلب الأساس، أكثر من رأي لا يؤدي أغراض الإنسان، بعيدًا عن الشعارات أو المقولات المقولبة. وهذا الكلام يخضع لخلافات حادة؛ لأن هناك سردًا يتمظهر في دور المثقف على بياض الورق. السؤال الحاضر: هل يمكننا عمل مقارنة بين بياض الورق والواقع؟ فوضع المثقف على أنه نصف إله، وأن له قدرات متعددة، هو الذي أنتج السؤال السابق. ولنقرأ ماذا صوّرت الكاتبة الطيّب عن المثقف: «أن يكون متحزِّبًا لينتعش أدبه ويتَّسع جمهوره ويُقال بأن له صوتًا» (ص١١٩).
الموقف في رواية دنيا هو البطل الحقيقي، عبر إبراز سلبياته وخلط الأحداث بالواقعية الخيالية لدور المثقف الذي يمجّد دوره من خلال أمنيات قد تتحقق أو تذهب في غياهب السرد الروائي: «أما على المستوى السياسي، فنادرًا ما أذهب إلى الوقفات الجماهيرية، ولم أكن أحبّ الانخراط في أحاديث مع أبناء الفصائل» (ص١٢٠).
إن ما طرحته الروائية إشكالية معقدة من خلال استخدامها مصطلح الأيديولوجيا، هذا المصطلح الذي أصبح دواءً ضارًّا لا يفيد أو يغني من جوع. فالأيديولوجيا أصبحت في مشهدنا الثقافي العربي، والفلسطيني لنكون أكثر تحديدًا، كأنها تابوت طائر يتنقل بين الأفكار، وكأنها وُلدت من فراغ أو مستوردة من خارج الحدود الاجتماعية الفلسطينية. فالأيديولوجيا، بهذا المعنى، تصبح بوصلة للهروب والتخفي وراء الهزيمة التي شكّلت وعيًا مضطربًا: «الحقيقة ليست إلا مرجعًا صناعيًّا هو نتاج الأيديولوجيا بغض النظر عن منتجها» (ص١١٣).
ثمة حارس في البنية الروائية في رواية « الهَريبة » يثير التساؤلات بشأن الرواية التي تطرح الموت كخلاص لنجاح التجربة السردية. فالأرض هي البنية الفاعلة للسرد. والسؤال: هل القبر هو الإجابة عن كل التساؤلات التي طرحتها الكاتبة الطيّب في روايتها؟ «أنهي رسالتي ثمَّ أعود إلى قبري سِرًّا» (ص١٤٣).
وإلى أن يأتي اليوم الذي يصبح فيه السر هو العدو الحقيقي للبوح، فإن « الهَريبة » هي البوح الجديد للسرد القابل للانفجار بكل التساؤلات المحرّمة، بعيدًا عن الإجابات الجاهزة.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية