إضاءة نقدية في «هلوسة1» للكاتب: محمد صوالحة

بقلم: شرف محي الدين إبراهيم  (مصر)
نحن بصدد كتابة تعرف كيف تجعل فنجان قهوة، وسيلًا جافًا، ومقعدًا مهترئًا يحملون عبء الحكاية كلها، وكيف تنتهي الكتابة بجملة قصيرة تترك وراءها سؤالًا أكبر من القصة: من الذي ملّ من مَن؟ الإنسان من الأشياء، أم الأشياء من الإنسان؟
هذا نص قصصي قصير في حجمه، واسع في إيحاءاته، يستفيد من المفارقة والأنسنة والرمز ليصنع عالمًا يتجاور فيه الواقعي والغرائبي دون حدود فاصلة.
وفي «هلوسة» لا يكتب القاص عن الهلوسة بقدر ما يجعل القارئ يعيشها؛ إذ يبدأ من يوم عادي شديد الألفة: عودة إلى البيت، أم تنتظر، فنجان قهوة، تلفاز، حاسوب، وشرفة. ثم، بهدوء محسوب، تتهدم جدران الواقع، وتبدأ الأشياء المحيطة بالبطل في اكتساب أصواتها ودلالاتها الخفية.
فصوالحة لا يلجأ إلى الغرابة بوصفها غاية، وإنما يجعل الغرابة تنبت من قلب التفاصيل اليومية. المقعد المهترئ يتحول إلى كائن محبوب، والسيل الجاف يصبح ذاكرة تتكلم، وفنجان القهوة ينتهي إلى امتلاك إرادة الموت. وهنا تتجاوز القصة الحكاية المباشرة لتصبح كتابة عن عالم فقد حيويته، وعن إنسان يرى الخراب من حوله حتى في الأشياء التي اعتاد أن يجد فيها عزاءه.
ولعل السيل هو أكثر رموز النص كثافة؛ فقد كان يومًا ممتلئًا بالماء والحركة والموسيقى، ثم لم يبق منه سوى «رائحة الوحل». وحين يسأله البطل عن سبب موته، تأتي الإجابة: «لوثتني أيديهم، سرقوا شفافيتي». حيث يتسع النص من تجربة شخصية إلى إحساس جمعي بالفساد والتلوث وفقدان الجمال؛ فالخراب هنا ليس طبيعيًا، وإنما هو أثر يد الإنسان.
حتى التفاصيل التي تبدو عابرة تحمل وظيفة دلالية. الأخبار «كئيبة موجعة»، ومواقع التواصل لا تقدم إلا مشهدًا من التكريمات والشهادات، والسيل ملوث، والسماء تخفي نجومها. كأن العالم قد فقد قدرته على منح الإنسان شيئًا صافياً يمكن الاتكاء عليه.
أما لغة النص، فتبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها محمّلة بالإيحاء في باطنها؛ وهي لغة تنحاز إلى الاقتصاد والوضوح، وتترك للصورة والمفارقة مهمة إنتاج الدلالة. لا يستعرض الكاتب لغته، ولا يثقل السرد بالزخرفة، بل يوظف الجملة القصيرة والحوار المكثف والتفصيل اليومي ليصنع تدريجيًا ذلك الانزياح من المألوف إلى الغرائبي. ولعل جمال اللغة هنا يكمن في أنها لا تعلن غرابة العالم، وإنما تجعلها تتسلل إلى القارئ بهدوء؛ حتى تبدو الأشياء وهي تتكلم وكأنها امتداد طبيعي لصوت البطل ووعيه.
ثم تأتي النهاية لتكشف أن صوالحة كان يبني مفارقة كاملة منذ البداية. سؤال الأم عن الفنجان يبدو طبيعيًا، لكن الإجابة: «ملّ مني فانتحر» تقلب المشهد كله. إنها نهاية ساخرة، تمنح الجماد حياةً وانفعالًا، بينما يبدو الإنسان نفسه أكثر إنهاكًا ووحدة.
واللافت أن الكاتب لم يشرح حالة سراج النفسية، ولم يقل لنا إنه مضطرب أو وحيد أو مكتئب؛ ترك الأشياء تتكلم نيابة عنه. وهذه تقنية تحسب للنص، لأن القارئ يصل إلى الحالة النفسية عبر الصورة لا عبر التقرير.
وفي هذا العالم، قد تكون الهلوسة طريقة أخرى لرؤية حقيقة الواقع حين يصبح أكثر غرابة من الخيال.
تحياتي للكاتب القدير محمد صوالحة.

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
casibomcasibom girişcasibom resmi girişdeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusucasino sitelericasibomcasibom girişcasibomcasibom güncel girişdeneme bonusu veren sitelercasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişdeneme bonusu veren sitelercasino siteleribahis siteleribonus veren sitelercasibomcasibom giriş