في شارع ترابي متعرج طويل.. قادتني قدماي إلى بيتي القديم.. وقف لي رجل بدراجته النارية مبتسماً.. متوددا لي. -تعالى اركب. كانت بين أصابع يدي.. أكياس بلاستيكية عدة..تحتوي أوراق خاصة وأوراق العمل.. وإحداها به بعض أرغفة خبز وجبن.. وعلبة تونة.. وثالثة.. وأخري بها تيشرت وبنطال ترننج. وصلت للبيت.. وبعد وقت ليس بكثير.. اكتشفت إنني فقدت أوراقي الخاصة..وجواز السفر.. وشهادة قيد الميلاد.. وشهادة التخرج في الجامعة. خرجت من البيت مذعورا.. أذرع الشارع بقدمي جيءة وذهابا.. وأسأل الناس والمارة وأصحاب المحال عن أوراقي الثبوتية وهويتي. عبثا ما أفعل ..لم تغمض عيناي طوال الليل. في هذا البيت آراني صغيرا.. فأحلامي مازالت معلقة على حوائطه.. وللبيت نوافذ كثيرة.. في أي منها أطل برأسي.. أتأمل الغادي والرائح.. كأنني ليست لي حيوات مثلهم.. أتخلي عن قدمي.. فلقد خذلتني كثيراً.. أوقعتني في شراك خداع كثر..وابتسامات براقة.. من هذه النوافذ كنت أتأمل ابنة الجيران مريم.. أتذكر حين رسمت صورة لها من خيالي.. وأهديتها لها. هنا كانت حياتي آمنة..ليس فيها صاحب العمارة.. الذي باع لي الوهم..وتحصل على مدخراتي كلها.. مقابل شقة.. فقد نسخ عقود بيع لها لثلاثة غيري.. ثم اختفى. هنا كنت أنام آمنا أمتلك الدنيا كلها. حين جئت أبحث عن زوجة..تعثرت قدماي في رفيق بالنادي.. قدمني إلى حافظ وأسرته.. فخطبت ابنته وتزوجتها. مريم عادت مع أسرتها إلى بورسعيد.. بعد انتهاء الحرب.. وإعلان الحكومة الانتهاء من إعادة بناء المدينة.. وتأهيلها لاستقبال المهجرين منها. في هذا البيت كنت أحلم بزوجة أرى في عينيها سماء واسعة.. وأسراب من الطير تحلق في براحها.. وبحرا أغرق فيه..وبين حنايا جدرانه..كان أبي وأمي ينتظراني أنا واخوتي لنلتف حول الطبلية معا.. وفي تراب هذا الشارع تعلمت الخطو ..وأنا أتشبث بيديهما . بين جدران البيت القديم .. أجد نفسي.. حين تضيق بي السبل..وتغلق أمامي الأبواب..وحين يتخلى عني الأصدقاء.. وتدير الحياة ظهرها لي. بين الحين والحين أتذكر ابتسامة ذلك الرجل صاحب الدراجة النارية.. الذي لم أقابله مرة ثانية.. ابتسامته أكرهها كثيرا .
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية