العـيـن بالعـيـن .. والـسـن بالـسـن / بقلم : الشاعر نصر أيوب

في ذلك الصباح لم يذهـب – كالعادة – إلى متجره ، بل لبس نظيف ثـيـابـهِ وتوجـه إلى القاضي الذي استدعاه لسماع أقواله بخصوص شكواه عليها وما فعلـتـه بهِ في لقائهما الأول .

وعند مثـولـه أمام القاضي قال له :

هـات ما عندك باختصار مفـيـد
فقال له : بالطبع يا سيدي

قصتي كانـت تجـربتـي الأولى في الـتعـرف على واحـدة من سيـدات الحي ، اللـواتي كُـنَّ يستلطفن الحديث معي في متجري البسيط في الحي الأوسط من بلدتنا ، وشاءت الصـدف أن تقـع واحـدةٌ منهـنَّ في حبي ، وبعد مشاهدتين أو ربما ثلاثـاً في متجـري ، استـدرجتني بتحـديد موعـــدٍ لأول لـقـاءٍ لـنـا ، وحـددت المكــان .. فكـان مـا كــان .. أن قضيتُ معهـا ساعةً .. هي لا تتردد في قول : اشتقت كثيراً لهذا اللقاء ، وهـا قـد حكم القضاء بـأن أكون معك ؟ فأقولُ : ونعم القضاء .. تتابع وتقـول : نعم .. نعم .. ولكـن هـل أنت مشتـاق مثـلي .. آه ربما أكثر .. لا .. لا .. أنت ليس أكثـر شوقاً مني … وتقترب مني .. وتحـاول ممــازحتي .. حتى أنها لامست ساقي بركـبـتـها .. ربما بقصد العفوية يا سيدي !!

بعدها رأىت ابـتـسـامـة عـريضـة ارتسمت على شـفـاه القاضي .. فتـابع الحديث – بشيء من الخجـل والـتـردد – بقـولـه : ومن هذا القبيل .. سـيدي القاضي .. نعم .. نعم .. من هذا القبيل ..

فقال له القاضي ( مستغرباً ) :

ومن هذا القبيل !! ماذا تعني يا رجل ؟ وهل انتهت القصة ؟

قال له :

لا سيدي القاضي .. لقد مـضـت ساعة من اللقاء ، قضيناها بين حـديثها عن لوعتها واشتياقهـا .. وردودي عليها ، وبعـد أن أدركـتُ موعـد رجـوعي ، اعتذرتُ منها للمغادره ، وقلت لهـا مودعاً ، نلتقي مرة أخرى في المستقبل إن شاء الله ..
القاضي ( منفعلاً ) : آهــا .. يا إبني .. أنجز واحكِ لي المفيد ..
فقال له : المفيـد أنني وعـنـدمـا أدرت ظهـري مغـادراً ، أمسكت بقميصي بـشـدة ، محاولــةً إرجاعي إلى الداخل وهي تقـول :

ارجع ولو ربع ساعة على الأقل فعندي الكثير مما أريـد أن أقوله لك .. وأنا لم أستـمع لهـا .. وشدت كثيراً على قميصي ، حتى قدتـه من دبــرٍ .. وهـذه هي مشكلتي سيـدي القاضي ، لا أريد غير العدل ..
قاطعـه القاضي قائلاً :

توكـل على الله ،( ولاحظ عـلى القاضي بأنه يريد متابـعــة الحـديث ) فقاطعه قائلاً :

سيدي القاضي ، لا أريد مالاً ، حتى لا أريد سجنها – إن كنتُ محقاً في شكواي – ولا أريد تعذيبها .. ولا ترهيبها .. ولا .. ولا .. فرد القاضي ( بشي من العصبية ) :
انتهى .. انتهى .. حددد نهاية قصتك ..
فقال : ألـم أقـل لك .. لا أريد غير العـدل
قال القاضي ( وقـد رفع حاجبيه ) : وما هو العدل برأيك ؟
قال : الأديان سيـدي القـاضي تقـول : – ( العـيـن بالعـيـن ، والسـن بالـسـن ) .. حـتى في شـريـعـة ( حـمـورابـي ) كـانت ( العـيـن بالعـيـن .. والسـن بالسـن ) ، وكـمـا تـعــرف يا سيـدي القاضي ، هـي قـــدّت قميصي مـن دُبــرٍ ،

عندهـا انحنى القاضي برأسه قليلاً على الطاولة ، ثـم أشـار للرجل بإبهامـه اليمين قـائـلاً :
آهــا .. تريد ( العين بالعين .. والسن بالسن ) !! ، قضيت معها ساعة بـهـذا الجـو الهادىء ، والمزاج الدافىء .. وقدت قميصك من دبرٍ .. ولا شاهد بينكما – إلا الله – !!

وتابع القاضي ” لماذا أتيت إلى المحكمة لتحصيل حقك بنفـسك ؟ مـع أنكَ كنت تـستـطـيـع تحصيل أكثر من ذلك ، دون أن يعم الخبر لعمروٍ وزيـد .. ومن صلب الأديان التي تطلب العدل من خلالها أن لا نفضح البشر ونكشف سترهم على الملاْ .. وتعود تذكرني بشريعة ( حمورابي ) وتقول ( العين بالعين .. والسن بالسن )
اسمـع يا رجل : لـو كان معها بدلاً منك ( حمورابي ) نفسه ، بهذا الجو .. وهذا الانسجـام ..
لقـدّ قميصها من دبـرٍ .. ومن أمام ..
اذهب وعُـد إلى بيتك ومتجرك ،
وبعد أن خرج الرجل قال القاضي ( مستهجنـاً ) ) :

لفهـم أســرار الـبـشـر يلـزم البعض عــام ، ويلـزم البعض الآخـر ألـف عـام ..
مسكين هذا الرجل الطيب .

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
casibomcasibom girişcasibom resmi girişdeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusucasino sitelerideneme bonusu veren sitelerdeneme bonusu veren sitelercasino siteleribahis siteleribonus veren sitelercasibomcasibom girişcasibom güncel girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom giriş