*كانت لحظة الوداع أثقل من جبال الأرض وأطول من عمر السماء. وقفنا على رصيف المحطة كتمثالين من حجر، لا نتحرك، لا نتكلم، كأن أرواحنا سبقتنا إلى الغياب*
*نظرت إليها، وكانت عيناها بحرين من حنين، موجها يتكسر على صخرة الفراق. ضحكتُ لأخفي دمعة تلوح في أفق عيني، كمن يشعل قنديلاً في عاصفة. ابتسمت، وكان ابتسامها جرحاً جميلاً في وجه النهار*
*مددت يدي ألمس كفها، فكان بارداً كليلة شتاء بلا قمر، وناعماً كحرير لم تمسه الأيدي. أردت أن أقول شيئاً، لكن الكلمات ماتت على شفتي كأوراق خريف يابسة*
*اقتربت أكثر، كمن يقترب من نافذة تغلق للأبد. شممت عطرها للمرة الأخيرة، فكان كذكرى وردة ذابلة في كتاب عتيق. قالت: “لا تقل وداعاً، قل إلى اللقاء”. لكن صوتها كان يرتجف كوتر عود يوشك على الانكسار*
*انطلق القطار، فجأة صارت المسافة نهراً لا يجسر، وصار وجهها لوحة يمحوها الزمن ببطء. رفعت يدها تلوح، فبدت كطير وحيد يحلق في سماء الذاكرة*
*ابتعدت، وبقيت واقفاً كمن فقد ظله. وحين اختفى القطار خلف منعطف الأفق، أدركت أن لحظة الوداع ليست نهاية لقاء، بل بداية ألف غياب*
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية