ال (ق. ق. ج) وأخطاء الكتابة، بقلم.د. ميمون مسلك. المغرب

لصحيفة آفاق حرة

 

الـ ( ق ق ج ) و أخطــاء الكتابــة ..

.. (2) تابع..

 

بقلم. د. ميمون مسلك. المملكة المغربية

7 ــ اللّقطة السّردية:
كلّما تحدثتُ عن الـ (ق ق ج) إلاّ و اسْتحضرتُ ذاك السّائح الذي يَتجولُ في المدينة و على صدره تتدلى آلة التّصوير. كلَّما رأى منظراً جَميلا ، أو آخر لافتاً ، أو شاهد إنساناً في وضع ما، أو حيوانا أو طيرا أو أزهارا…إلا والتقط آلته بشغف ، و اتَّخذ وضعاً مُلائماً، و حرص على الإضاءة الكافية، و عمدَ إلى نموذجه الأثير، في لقطةٍ معبِّرة رائقة.. هي اللَّقطة التي صدمته أوّل وهلة..فكذلك (ق ق ج) هي لقطة، عفوية، صادمة، لها أثر بليغ في النّفس..
فبراعة اللّقطة السَّردية، مُكوِّن فنِّي، يرقى بالعمل القصصي درجات التَّميز، و الإبداع.
و كما أنّ ليسَ كلّ من أخذَ آلةَ التَّصوير يستطيع أخذ اللَّقطة المَشهدية الرَّائعة. فكذلك ليس كلّ من حمل قلماً يستطيع نقل اللَّقطة السَّردية المُتوهّجة، المُتميّزة.
ــ و الخطأ أنَّ البعض يكتبُ (ق ق ج) كما يكتب القصَّة القصيرة، أي بنفسِ الأسلوب، والصِّيغة، (Mode)، بلْ أحياناً بنفس التَّراكيبِ اللُّغوية. ما يجعل منْ عمله مشروعَ كتابة قصة قصيرة.
ــ و منَ الخطأ أيضاً تجاهل مفهوم اللَّقطة السّردية، إنْ لمْ أقل ْ جهلها،في مجالٍ محكومٍ بالحَحم، و التَّكثيف اللُّغوي. ما ينتج عنه عمل يُشبه شكلا الـ (ق ق ج) دون أن يكونَها..ليس إلا ..

8 ــ الإبهار و المُفاجأة و الإدهاش.
نبقى مع المصور الفوتوغرافي، إنّ ما جعله يلتقط الصّورة: انبهارهُ بمشهدِها ، و مُفاجأته أن تكونَ كذلك، و اندهاشُه أن تكون على ما هي عليه في الزّمان و المكان المحدّد…و هذه المشاعر الثلاثة ” الإبهار و المُفاجأة و الإدهاش ” شكّلت التّحفيـــز (Motivation) فكانت اللّقطة الفنّية المُؤثِّرة، التي تعكسُ نفس المشاعر للمتلقي و لَربَّما بصورةٍ أعمق، و أكثر تأثيراً..
فكذلك (ق ق ج): إبهار ، و مفاجأة ، و إدهاش.. فهذا الثّلاثي يشكّل نَكهة هذا الفن المُتميّز. فحين يُفتقدُ، أو يَخفت أو لا يُعْنَى به العناية الواجبة..يُصبح النَّص كجسدٍ فارقته نَسمةُ الحياة. و من تمَّ كثير من النّصوص تفقد فاعليتها القصصية، و تصبح رُكاماً لفظياً، يَحسبه من يَجهلُ هذا الفن عملاً قصصياً، و هو بمعيار الفنّ، أبعدُ من أن يكون كذلك.
ــ و الخطأ هنا، في كتابة الـ (ق ق ج) دون وعي بمقوماتها الأساسية، في حدود حجمها و مُتطلباتها، و مُقتضى بنيتها، و خطابها ..
ــ و الخطأ أيضاً أن يُنْهيَ المتلقي النّص، فلا هو انبهر بشيء، و لا شيء فاجأه، أو أدْهشه، فذاك إعلان عن فشل كتابة النص.

9 ــ اللّغـة الفاعلـة :
و نبقى مع مصورنا الفتوغرافي. لا شكَّ أنَّ اللَّقطة التي أتانا بها، فأبهرتنا، و فاجأتنا، و أدهشتنا.. قد فعلت به ذلك من قبل، و إلاّ ما كان ليلتقطها. و لكن لو كانت آلة تصويره رَديئة، أو غير مُتوازنة و مضبوطة.. أو كان المُصور نفسه لا يُحسن تقنية و فنِّية آلة التَّصوير .. أكانت اللّقطة تأتي بهذه الجودة، التي حَضيت بإعجابنا ؟ كذلك لغة (ق ق ج) ينبغي أن تكون فاعلة، مؤثّرة، تخدم فكرة النّص. و الأمر هنا رهين بقاموس القاص، و قدرته على الكتابة (Le pouvoir d’écrire) عِلماً أنَّ الجملة القصيرة أصعب من الطّويلة، لأنّها رغم قصرها فهي خزّان كلام كثير، و مُضمراتٍ لمْ يُفصَحْ عنها. و بالتَّالي قد لا تعني معناها الظّاهر، بل يتَّضح ذلكَ نتيجة تأويل فنِّي، أو تفسيرٍ رَمزي، لأنَّها جملة بَلاغية، قد تكون مَجازية، أو رَمزية، أو مُؤسطرة..
ــ و الخطأ هنا، اعتماد اللُّغة المعيارية (المباشرة) بدل اللُّغة الإيحائية ( الشّعرية) و التَّوسل بالخطاب الإنشائي، أي ( اعتماد الوصف) بشكل خاص. ما يجعل النّص ينتهي بانتهاء قراءته، كأيّ رسالة، أو خبر عادي.
ــ و من الخطأ أيضاً أن يطمئن القاصُّ لرصيده اللُّغوي، و يظنُّه كاف لكلِّ وجوه التَّعبير. بل لا يطمئنُّ حتَّى للنّقد الذي يخصُّ لغته..الشَّيء الذي يجعله يكتب و لا يكتب إلا ما يزيد الرُّكام الموجود ركاماً آخر،لا يُجدي فنِّياً، و لا يُجدي قصصياً..

10 ــ الإيحاء و التّلميح..
و نأبى ألا نُفارق السّائحَ المُصور.. و نتساءل : ماذا لو أخذنا الصُّورة الملتقطة لمنظر طبعي ما. و حكمنا أنّها لقطة جميلة. فإنَّ كلَّ شيء سينتهي عند كلمة ( جميلة ). فكذلك النّص القصصي إذا راقنا شكلاً و مضموناً و حكمنا أنّه ( جميل ) فإنَّ النّصّ ينتهى عند كلمة ( جميل ) و لكن لو عُدنا لصور المصور و وجدنا أنَّه أبدع في لقطة ما، إذ صور السُّحب الدَّاكنة كأنَّها ، ستسقط على المدينة، و أن الأشجار اكتستْ قتامة، و كأنَّها افتقدت الاخضرار اليانع. و الشارع الممتدّ يبدو مقفراً، إلا من قط أسود تائه وحده، و أوراق جافة متناثرة، و بنايات شاهقة تعانق سطوحُها الضّباب… فهذه لقطة تبعث على التّساؤول و لربَّما توحي بأشياء و تخيلات، و لربّما تستدعي صوراً و أفكاراً ثاوية في الذَّاكرة.. المهمُّ في الأمر، لا يكفي أن نقول اللّقطة جميلة.. بل سنقول إنَّها معبِّرة، و لمَّاحة، و توحي بأشياء كثيرة..
فكذلك (ق ق ج) لا يُرادُ لها أن تعتمدَ أسلوب الإخبار، من أجل الإخبار . فذلك مجاله الإعلام، و إنَّما دورها الإيحاء و التّلميح.. لأنّها كُتبت لمثقف ذكي، يقرأ ما بين السُّطور القليلة. و يَستقطرُ معاني الجمل التّخييلية، و يُدرك المعاني و الأبعاد، و هذا ما تقرّه النّظرية التّداولية المعرفية، التي تعتبر التّخييل من مظاهر التّواصل .
ــ و الخطأ هنا، سُوء توظيف العامل الشّفري، أو الرّمزي أو الأسطوري.. أو إهماله إطلاقاً..و اختيار الكتابة ذات النّزعة التّقريرية، المباشرة، قصد إفادة المعنى و تبليغه..
ــ و الخطأ أيضاً،عدم التَّمكن من فهم السّنن اللّغوي:( صوت، تركيب، معجم، دلالة..)

11 ــ الابتكــار:
لو عدنا إلى سائحنا المصور ، و تأمّلنا صوره فوجدناها كلّها، أو أغلبها صورا للطّبيعة. و فوق هذا أخِذت بنسق واحد لم تحد عنه. لربّما ستروقنا الصّورة الأولى، و الثّانية و لكن لمَّا يتكرَّر نفس النّسق بدون اجتهاد أو ابتكار، و نفس الموضوع ( الطبيعة)، ستصبح الصّور عادية جداً. و كأنّها تكرِّر نفسَها. نفس الشّيء يقع في ( ق ق ج) بمجرد أن يحقق نص ما بعض النّجاح و يحضى ببعض الثّناء يتّخذه القاص كنموذج ينسج على منواله كلّ القصص التي تليه بنفس النّسق، و التّركيب، و الرّؤية السّردية.. وهذا يحدث كثيراً مع استسهال كتابة النص القصير.
و التّشجيع اللامسؤول، في وسائل التّواصل الاجتماعي، و المواقع الالكترونية، و يُسر النَّشر و توفُّر امْكانات الطَّبع..و بالمقابل قلَّة النَّقد الموضوعي، و المتابعة التَّوجيهية، كلُّ ذلك ساهم بشكل أو بآخر في عدم الاهتمام بالابتكار(Innovation) كخاصية تضمن تجدُّد الإبداع و اسْتمراه، ابتعاداً عن النَّمطية و التّكرار. .
ــ و الخطأ هنا، أنَّ القاص لا يلتمس وجه النَّقد الحقيقي،بحثاً عن المرآة الصّافية، التي تعكس ما لديه بكلّ جلاء و صفاء و صدق.. بل تجده يرتمي في أحضان اللاَّ نقد، و اللاّ توجيه، بحثاً عن الثناء الذي لا يَستحقُّه انتاجُه، و الافتخارُ بالشَّواهد التَّقديرية التي لا تقدِّر شيئاً.. و بذلك ينعدم الابتكار، و ينحسر التَّجريبُ و التَّجديد.
ــ و من الخطأ أيضاً قلّة الاطلاع على ما يُكتب في هذا الفنّ الجميل، و ما يُكتب عنه من نقد و تنظير. و قلَّة المتابعة و الاهتمام باللّسانيات النَّصية (Linguistique textuelle ) ..فليت شعري كيف يبدع القاص و يَبتكر ..و بينه و بين هذا المجال قطيعة ابستمولوجية؟!

12 ــ أخلاقيـات الكتابـة
و قبل أن نودع السَّائح المصور، الذي راكم مجموعة من الصّور الجميلة الفنّية و التي نالت إعجابنا ، و جعلتنا نعيدُ النَّظر فيما حولنا، و نقدّر فنّية ما نرى ..لا شك أنّ هذه الصّور لم تكن اعتباطاً أو محض مُصادفة .. بل جاءت نتيجة آلة تصوير جيِّدة، و نتيجة مصور بارع نال حظَّه من ثقافة التَّصوير: اطلاعاً، و ممارسة ، فكانت له أخلاقيات التَّصوير الفنّي.
نفس الشئ بالنسبة لكاتب ( ق ق ج) لا بدّ له من أخلاقيات الكتابة :
1ـــ الموهبة وحدها لا تفيد، بل لا بدّ من صقلها بتكثيف المطالعة القصصية، و كلّ ما يتعلق بـ (ق ق ج) إبداعاً، و نقداً، و تنظيراً..بمعنى اعتماد الثّقافة السّردية.
2 ـــ الابتعاد عن كتابةِ النّصوص المعيارية التي تنحصر فيها الاحتمالات الدّلالية في المعنى و ينطبق عليها المصطلح الأصولي: (قطعي الدّلالة). فهذه نصوص لا صلة لها بنسق (ق ق ج).
3 ــ الاهتمام ببناء الحبكة، و تقنية القص، و أسلوب السَّرد، و لغة الحكي، و الصّورة السّردية التي أساسها اللّغة و العاطفة، و الخيال.. دون إهمال الوعي بالتَّجربة الحياتية، و القصصية، و المتغيرات الاجتماعية و السّياسية..
ــ و الخطأ، إهمال كلّ هذا ، أو اعتماده بدون وعي أو اهتمام .. فينعكسُ الأثر السّلبي على كلّ النّصوص المكتوبة، فتبدو ارتجالية، مُتهافتة، مُباشرة، تقريرية (Dénotative) لا تمتّ بصلة ما للقصّة القصيرة جداً.
ــ و الخطأ أيضاً في غياب هذه المقومات السّردية، أو بعضها، اتباعاً للواقعية النّمطية، و الفهم الخاطئ لعملية القصّ. و بخاصّة القصّ القصيرُ جداً.

تحياتي/ مسلك

( ق ق ج ) و أخطاء الكتابة .. (2) تابع..

عن @d_1p20

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
betsmovebetsmovebetsmovebetsmove girişbetsmovebetsmove girişbetsmovebetsmove girişbahsegelbahsegel girişbahsegel girişbahsegelbahsegelbahsegel girişbahsegelbahsegel girişbahsegelbahsegel girişbahsegelbahsegel girişkavbetkavbet girişkavbetkavbet girişkavbetkavbet girişkavbetkavbet girişkavbetkavbet girişkavbetkavbet girişbetpasbetpas girişbetpasbetpas girişbetpasbetpas girişbetpasbetpas girişbetpasbetpas girişbetpasbetpas girişklasbahisklasbahis girişklasbahisklasbahis girişklasbahisklasbahis girişHoliganbetHoliganbet GirişHoliganbet Güncel GirişTeosbetTeosbet GirişTeosbet Güncel GirişAlobetAlobet GirişAlobet Güncel Girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişhiltonbethiltonbet girişhiltonbethiltonbet girişhiltonbethiltonbet girişhiltonbethiltonbet girişhiltonbethiltonbet girişhiltonbethiltonbet girişegebetegebet girişegebetegebet girişegebetegebet girişegebetegebet girişegebetegebet girişegebetegebet girişTeosbetTeosbet GirişTeosbet Güncel GirişTeosbetTeosbet GirişTeosbet Güncel GirişAlobetAlobet GirişAlobet Güncel GirişAlobetAlobet GirişAlobet Güncel GirişHoliganbetHoliganbet GirişHoliganbet Güncel GirişHoliganbetHoliganbet GirişHoliganbet Güncel GirişMatbetMatbet GirişMatbet Güncel GirişMarsbahisMarsbahis GirişMarsbahis Güncel GirişMarsbahisMarsbahis GirişMarsbahis Güncel GirişMarsbahisMarsbahis GirişMarsbahis Güncel Girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahismarsbahis giriş