من سلسلة قرأت لكم
*****************
استعرض معكم اليوم كتابا وجدت في قراءته متعة فريدة، وعشت في أجوائه حالة من التفاعل لا أخالني قد عشتها إلا مع الكتب المتميزة، وهذا الكتاب واحد منها.
الكتاب يحمل عنوان ” نورمان” لكاتبه خالد اليماني؛ رجل الدبلوماسية اليمنية في عديد من البلدان والمدن، ولا يأخذنك خيالك إلى النورمانديين وتحسب أنه كتاب يتعلق بهم، فهو لا يشير اليهم لا من قريب ولا من بعيد.
غلاف الكتاب غلب عليه اللون الأسود لما يحمل من دلالة الغموض والحزن والكآبة ، وكان هذا اللون متسقا مع الثيمات التي يتناولها خالد اليماني في قصصه ،والتي تركزت على الاغتراب والفقد والبحث عن الهوية، ويظهر في الغلاف رجل لا نرى منه إلا نصفه العلوي في لقطة خلفية ، ووجهه إلى ناطحات السحاب في الولايات المتحدة الأمريكية.
ظهر اسم المؤلف في أعلى الصفحة باللون الأبيض بخط عادي، غير أن العنوان ظهر بخط عريض، وتوزع اللونان الأصفر والأخضر على اسم نورمان فجاء نصفه الأول نور باللون الأصفر، وجاء نصفه الثاني مان باللون الأخضر على ما في هذين اللونين من دلالة تناقض سواد الصفحة بما يحملانه من نور وجمال وأمل وحياة. والكتاب من إصدارات عام 2024 دار نشر عناوين، وجُنّس على أنها مجموعة قصصية.
حمل إلي الصديق الروائي والشاعر الجميل سمير محمد علوان هذه النسخة التي بين يدي، والتي استعرضها معكم في هذا المقال.
يتكون الكتاب من 117 صفحة من المقاس المتوسط ، ويحوي بين دفتيه بعد الإهداء 6 قصص، ومن خلال قراءتي لهذه القصص تأكد لي، بما لا يدعو مجالا للشك، كما يقولون، أنها قصص واقعية، ولا أعني بهذا أنها لامست الواقع، أو حكت عنه، بل هي قصص حقيقية لأناس هم من لحم ودم وليسوا شخصيات ورقيه ابتدعها الكاتب؛ ففي القصة الأولى ” نورمان” يتحدث الكاتب عن شخص اغترب من قريته في منطقه الشعر في إب إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث يعيش عمه المهاجر إبراهيم، وذلك بعد موت أبيه وأمه. هذا الشخص اسمه نعمان، ولكن المحامي المختص بإتمام إجراءات منحه الجنسية الأمريكية ارتكب خطأ طفيفا عند كتابه اسمه؛ فبدلا من كتابه noman كتبها norman باضافه حرف r ،وهكذا غدا اسمه في السجلات الأمريكية، ويسرد علينا خالد اليماني قصة حياة نعمان هذا في 49 صفحة، وهي القصة الأطول في المجموعة، فنحيا متعة لذيذة ونحن نتابع حياته في المتجر وفي المدرسة ثم مع عمه إبراهيم الذي تحول اسمه إلى إبراهام، والذي كانت نهايته جثة تم انتشالها من مكب قمامة عمومي؛ فقد أطلقت على رأسه رصاصة بعد تورطه في العمل مع المافيا الإيطالية.
أحب نعمان فتاة يهودية اسمها ساره حاييم، واختفى عن الحي الذي عاش فيه، وعمل فيه، وعادت إلينا قصته يرويها شخص اسمه عبد الرحمن السراجي بعد سنوات طوال، ويذكر أنها قصة رجل يدعى اليكس، فهل اليكس هو ذاته نورمان كما ذكرت لك سلفا؟ أم أنه شخص آخر؟ القصة تتحدث عن رجل عاش حياة حقيقية، ولست أدري، هل ذكر خالد اليماني اسمه الحقيقي فتصبح القصة سيرة غيرية أم أنه وارى شخصه الحقيقي خلف اسم ابتدعه ؛ فتصير القصة سيرة غيرية متوارية، كما يحلو لي تسميتها. وهكذا نعيش قصص أشخاص يشبهون نعمان في مجموع القصص، كما هو الحال مع الطالب الضالعي مسعد علي قاسم الجحافي ابن قرية الحيفة في جحاف مديريه الضالع، ويروي القصة طالب اسمه خالد حيدر وصل إلى هافانا للدراسة عام 1982 ، وكان مسعد قد وصلها قبله بعام. أحب مسعد فتاة ذات أصول إسبانية من أسرة فلاحية اسمها تشاور، تزوجها مسعد وخلف منها ولدا لم يره؛ ذلك أنه غادر كوبا مع أحداث يناير 86 لمقتل أبيه وأخيه فيها، وكان على مبعدة عام من تخرجه من كلية الطب، ووعد زوجته بالعودة حال ترتيب أوضاع أمه وأخته، لكن حادثاً مرورياً أودى بحياته. في هذه القصة استخدم خالد اليماني تقنية السرد عبر رسائل متبادلة بين تشاور ورفيقهما هي ومسعد في الدراسة خالد حيدر، ومرة أخرى أراها سيرة غيرية جلية أو متوارية، وهكذا نمضي الوقت في قراءة ممتعة وجميلة تغوص في حيوات شخصيات نموذجية من المغتربين ، أو السائرين على طريق الاغتراب ، والجميل أن الأبطال ليسوا يمنيين فقط ، وبهذا فالمجموعة تنحى منحى إنسانيا في تناولها لثيمات المبثوثة فيها.
وإن أتخطى هذه القصة أو تلك، فمن العسير علي أن أتخطى قصة “السقوط الحر زكي وغاتول” وبطلاها هذان من أفغانستان سعيا للهرب من بلادهما التي عاشت الحرب سنوات كثيرة، وعزما على تحقيق حلميهما في بلاد الله كآلاف غيرهما، وكان أن تعلقا بإحدى الطائرات العسكرية الأمريكية، وفي رحله الطيران تناثرت أشلاؤهما؛ فتوزعت بقايا زكي على أحياء افغانستان، في حين أن أشلاء غاتول وصلت إلى الدوحة، وكذا قصه ” فتى فورت هاملتون” ذلك الفتى اليمني المغترب في أمريكا وقد انخرط ضمن فرقة عسكرية أمريكية للحرب في العراق، فكان بهذا واحدا من اليمنيين والعرب المغتربين الذين شاركوا في قتل إخوانهم العرب والمسلمين من أبناء العراق، وأسالوا دما كان من المفترض أن يدافعوا لا أن يهرقوه؛ فاحدث هذا في نفسه شرخا عميقا ظل يلازمه طوال عمره، وقرر في نهاية حياته أن يعود الى قريته في اليمن ليعيش فيها ويقضي ما بقي له من العمر.
المجموعة جد رائعة وشائقة ، وكانت اللغة التي اتكأ عليه خالد اليماني لغة تشع جمالا ، وتنسكب في الأذن كأنها وشوشات عصافير ، ولقد جاء الوصف في أكمل صورة حتى لكأنك تسير مع السارد ؛ يده في يدك، يقودك في أرجاء الأماكن والشوارع ، وكان السرد في كل القصص معتمدا على الضمير الثالث هو، مما يعزز عندي تجنيسها كسيرة غيرية.
مجموعة رائعة فلا يفوتنك عزيزي القارئ ان تصرف بعضاً من وقتك معها حال ان تجدها.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية