الأعمال الكاملة لشعراء العرب المعاصرين(الحلقة التاسعة عشرة)

كتب: الشاعر أمين المَيْسَرِي

الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي المولود سنة(1935م) أيقونة الشعر الحديث في مصر مع ثلة من زملائه الذين كان لهم باع كبير في ريادة القصيدة الشعرية الجديدة مع زملائهم من رواد الشعر الحديث في الوطن العربي.هؤلاء الثلة هم صلاح عبدالصبور ومحمد عفيفي مطر وأحمد عبدالمعطي حجازي،ثم الجيل الثاني الذين جاءوا بعدهم.. محمد إبراهيم أبو سنة وأمل دنقل وفاروق شوشة وبدر توفيق وغيرهم.
أنتج الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي شعراً جميلا إلتزاميا من خلال تجربة طويلة لها أبعادها ودلالاتها.لايقف عند الجذور،بل تجاوزها إلى أبعد حدود القصيدة الحديثة. قصائده تأتي محملة بتفاصيل الحياة اليومية.فالقصيدة عنده كائن حي تتحرّك وفق مستويات متعدّدة.وهنا تأتي أصالة حجازي وريادته الشعرية.
قال عنه الناقد رجاء النقّاش:(إن أحمد حجازي واحد من أبناء المدرسة الحديثة في الشعر..إنه ليس مبتكر هذه الطريقة الفنية الجديدة، فهذه الطريقة في حقيقتها هي أسلوب صنعه كفاح أكثر من جيل واحد، حيث كان الجميع يبحثون عن أسلم طرائق الأداء الفني للتعبير عمّا في نفوسهم من أشياء جديدة لم يعد يحتملها الشكل الفني القديم للقصيدة العربية.. ولقد كانت النتيجة الأخيرة التي وصل إليها شعرنا العربي المعاصر اليوم هي ثمرة محاولات متعددة اشترك فيها عدد كبير من شعرائنا وأدبائنا.. اشترك فيها: لويس عوض،وبدر شاكر السياب،ونازك الملائكة، علي أحمد باكثير،وعبدالوهاب البياتي.. وبعد ذلك لمع في ميدان الشعر الجديد عدد من شعرائنا، وكان من ألمع هؤلاء جميعاً شاعران من مصر هما: صلاح عبدالصبور، وأحمد حجازي)(1)

نص(كان لي قلب)

على المرآةِ بعضُ غبارْ
وفوق المخدع البالي ، روائح نومْ
ومصباحٌ .. صغيرُ النارْ
وكلُّ ملامح الغرفهْ
كما كانت ، مساء القبلةِ الأولى
وحتى الثوب، حتى الثوبْ
وكنتِ بحافةِ المخدعْ
تردّين انبثاقةَ نهدكِ المتْرَعْ
وراءَ الثوبْ
وكنت تريْنَ في عيني حديثاً.. كان مجهولاً
وتبتسمين في طيبهْ
وكان وداعْ
جمعتُ الليلْ في سمتي
ولفّقْتُ الوجوم الرحبَ في صمتي
وفي صوتي
وقلت.. وداعْ!
وأقسم، لم أكن صادقْ
وكان خداعْ!
ولكني قرأتُ روايةً عن شاعرٍ عاشقْ
أذلَّته عشيقتُه، فقال.. وداعْ!
ولكن أنت صدَّقْتِ!
*
وجاء مساءْ
وكنتُ على الطريقِ الملتوي أمشي
وقريتُنا.. بحضن المغربِ الشفقِي
رُؤَى أفقِ
مخادعُ ثرّةُ التلوينِ والنقشِ
تنام على مشارِفها ظلالُ نخيلْ
ومئذنةٌ.. تَلوَّى ظلُّها في صفحة
التّرعَهْ
رُؤيً مسحورةٌ تمشي
وكنت أرى عناقَ الزهرِ للزهرِ
وأسمع غمغماتِ الطيرِ للطيرِ
وأصواتَ البهائم تختفي في مدخل
القريهْ
وفي أنفي روائحُ خصبْ
عبير عناقْ
ورغبةُ كائنيْنِ اثنينِ أن يلدا
ونازعني إليك حنينْ
وناداني إلى عُشِّكْ
إلى عشّي
طريقٌ ضم أقدامي ثلاثَ سنينْ
ومصباحٌ ينوّر بابَكِ المغلقْ
وصفصافه
على شُبّاككِ الحرّان هفهافه
ولكنّي ذَكرْتُ حكايةَ الأمسِ
سمعتُ الريحَ تُجهش في ذُرى الصفصافْ
!يقولُ.. وداعْ
*
ملاكي! طيريَ الغائبْ!
حزمتُ متاعيَ الخاوي إلى اللُّقمهْ
وفُتُّ سنيني العشرين في دربك
وحنّ عليّ ملاّحٌ، وقال.. اركبْ!
فألقيتُ المتاعَ، ونمتُ في المركبْ
وسبعةُ أبحرٍ بيني وبين الدارْ
أواجه ليليَ القاسي بلا حبٍّ
وأحسد من لهم أحبابْ
وأمضي.. في فراغ، باردٍ، مهجورْ
غريبٌ في بلادٍ تأكل الغرباءْ
وذات مساءْ
وعمرُ وداعِنا عامان
طرقتُ نواديّ الأصحاب، لم أعثر
على صاحبْ!
وعدتُ.. تَدعُنّي الأبوابُ
والبوّابُ، والحاجبْ!
يدحرجني امتدادُ طريقْ
طريقٍ مقفرٍ شاحبْ
لآخرَ مقفرٍ شاحبْ
تقومُ على يديه قصورْ
وكان الحائطُ العملاق يسحقني
ويخنقني
وفي عيني.. سؤالٌ طاف يستجدي
خيالَ صديقْ
ترابَ صديقْ
ويصرخ.. إنني وحدي
ويا مصباحُ! مثلك ساهرٌ وحدي
وبعْت صديقتي.. بوداعْ!
*
ملاكي! طيريَ الغائبْ!
تعاليْ.. قد نجوعُ هنا
ولكنّا هنا اثنانِ!
ونعري في الشتاء هنا
ولكنّا هنا اثنانِ
تعَاليْ يا طعامَ العمرْ!
ودفء العمرْ!
تعاليْ لي

يعد هذا النص قمّة عطاء حجازي الشعري.فهو يدور حول تشظّي الشاعر بمشاعر الغربة وبراءته العاطفية،وهجرته لحبيبته(الريف) والقصيدة جاءت على تفعيلة مجزوء الوافر مع تجديده فيها بزيادة سبب خفيف(مفاعلتن مفاعلتن).
(ولد حجازي في تلا المنوفية 1935م،وفي 1948م التحق بمدرسة المعلمين بشبين الكوم وتخرج عام1955م. عمل في الصحافة ابتداء من 1956م(مجلة صباح الخير)، ثم سافر إلى دمشق بعد إعلان الوحدة،وعمل في الصحافة هناك لمدة ستة أشهر بين أبريل1959م – سبتمبر1959م. التحق بمجلة روز اليوسف، وعمل بها محرّراً، ثم رئيسا للقسم الثقافي إلى حدود سنة 1965م_ وفي عام 1969م أصبح مديراً للتحرير، فصل من عمله عام1973م ضمن قائمة108 صحفيين الذين فصلهم السادات.
في أواخر سبتمبر1973م عاد إلى روز اليوسف بعد إرجاع المفصولين إلى مواقعهم. في أواخر يناير1974م سافر إلى فرنسا واستقرّ بها بعدأن فصل مرة أخرى على إثر توقيعه لبيان يدين اصطدم حكومة السادات مع حلوان واعتقال وسجن ما لايقل عن ثلاثمئة عامل. اشتغل منذ 1974م مدرسا للشعر العربي في جامعتي باريس والسوربون. التحق عام1977م بمدرسة الدراسات العليا ونال دبلومها عام1979م. حصل عام1980م على دبلوم الدراسات المعمّقة في الأدب العربي. بدأ الكتابة أسبوعيا في مجلة المصور لمدة ستة أشهر. عين كاتباً في الأهرام عام1990م. تولى رئاسة تحرير مجلة(إبداع) في أواخر سنة1990م)(2)

نص(قصة الأميرة والفتى الذي يخاطب المساء)

أعرفها و أعرفه
تلك التى مضت، و لم تقل له الوداع، لم تشأ
و ذلك الذى على إبائه اتكأ
يجاهد الحنين يوقفه
كان الحنين يجرفه
فهو أنا و أنت و الذين يحفرون تحت حائط سميك
لتصبح الحياة عش حب
به رغيف واحد، و طفلة ضحوك
أعرفها و أعرفه
أميرة شرقية تهوى الغناء
تهواه لا تحترفه
و تعشق الليالى الماسية الضياء
صاحبة السمو أقبلت
و يصبح البهو الملىء ضفتين
و تهمس الشفاه كلمتين كلمتين
عشيقها هذا المساء شاعر أنيق
نعم فإنها تضيق بالعشيق
إذا أتى الصباح و هو فى ذراعها
و تهمس امرأة
دولابها يضم ألف ثوب
و تهمس امرأة
و قلبها يضم ألف حب
نعم نعم…فإنها أميرة لا تكتفى بحب
و يخفت الحديث ثم يهتف المضيف
يا أصدقاء
صاحبة السمو تبدأ الغناء
و يخفت الضياءُ غيرَ كوة تنير وجهها
و تبدأ الغناء…أوف
قلبى على طفل بجانب الجدار
لا يملك الرغيف
و تلهث الأكف فلتحيا نصيرة الجياع
ثم تدور عينها لتلمح الذى أصابه الكلام
و عندما يرف نور الشمس تهمس الوداع
و فى ذراعها عشيقها الجديد

أعرفها و أعرفه
لأننى كنت كثيرا ما أصادفه
على شجيرة المساء قابعا بنصف ثوب
يقول للمساء
يا أيها الحزن الأثيري الرحيب
يا صاحب الغريب
أنا كلام الأرض…هل أنصت لى؟
أنا ملايين العيون…هل نضرت لى؟
لى مطلب صغير
أن تصبح الحياة عش حب
به رغيف واحد، و طفلة ضحوك
و فى ليالى الخوف طالما رأيته يجول فى الطريق
يستقبل الفارين من وجه الظلام
و يوقد الشموع من كلامه الوديع
ففى كلامه ضياء شمعة لا تنطفىء
و يترك اليدين تمشيان بالدعاء
على الرءوس و الوجوه
و تمسحان ما يسيل من دموع
الصبح فى الطريق
يا أصدقائى، إننى أراه
فلا تخافوا بعد عام يقبل الضياء
و عندما يمشون تمشى فوق خديه الدموع
و يفلت الكلام منه يفلت الكلام
هل يقبل الضياء حقا بعد عام؟
ذات مساء كان صاحبى يكلم المساء
فانساب مقطع مع الرياح، ثم وشوش الأميرة
فقربت مرآتها و صفقت
يا أيها الغلام
بجانب القصر فتى يخاطب الظلام
اذهب إليه، قل له سيدتى تريد أن تكلمك
و لا تقل أميرتى
ثم تهادت نحو شرفة جدرانها زهور
و رددت فى الصمت…أوف
قلبى على طفل بجانب الجدار
لا يملك الرغيف
و أقبل الغلام يسبق الفتى
أميرتى…سيدتى…أتيت به
أهلا و سهلا…ليلنا سعيد
ادخل…تفضل…و انقضى المساء
و فى الصباح ساءلته…ما اذى رأيت؟
سيدتى…إنى رأيت كل خير
سيدتى أنا سعيد
قالت له و عينها فى عينه المسهدة
أراك قد عشقتنا
فلم يرد صاحبي
قالت له: فما الذي تعطيه لى لو أننا عشنا معا؟
فدمعا
ثم أجابها و صوته منغم حزين
سيدتى…أنا فتى فقير
لا أملك الماس و لا الحرير
و أنت فى غنى عما تضم أشهر البحار من لآل
فقلبك الكبير جوهرة
جوهرة نادرة فى تاج عصرنا
و لو قضيت عمرى الطويل أقطع البحار
وأنشر القلاع
و أبسط الشباك، أقبض الشباك
لما وجدت مثلها
لكننى وجدتها هنا
وجدتها لما سمعت لحنك المنساب كالخرير
يبكى لطفل نام جائعا
فابتسمت قائلة: لا أنت شاعر كبير
يا سيدى أنا بحاجة إلى أمير
إلى أمير
و انسد فى السكون باب

أعرفها و أعرفه
تلك التى مضت و لم تقل له الوداع…لم تشأ
و ذلك الذى على إبائه اتكأ
يجاهد الحنين يوقفه
كان الحنين يجرفه

النص فيه سرد اجتماعي وقومي وذاتي ،واسقاطات عن الواقع العربي. وقد جاء النص على تفعيلة الرجز(مستفعلن)مع زحافاتها.
للشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي دواوين عديدة..وطبعت أوّل أعماله الكاملة في دار العودة/بيروت الطبعة الثالثة1982م وضمّت الدواوين التالية:
ديوان مدينة بلا قلب
ديوان لم يبق إلا الإعتراف
ديوان أوراس
ديوان مرثية للعمر الجميل.
وهناك دواوين أخرى للشاعر منها:
ديوان كائنات مملكة الليل
ديوان أشجار الأسمنت
ديوان مدن الآخرين
أمين الميسري
19رمضان1447ه
8مارس2026م
هوامش:
(1)مقدمة الديوان للناقد رجاء النقاش ص75و76
(2)موقع الديوان

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!