الأعمال الكاملة لشعراء العرب المعاصرين(الحلقةالسادسة والعشرون)

كتبها الشاعر أمين المَيْسَري
محمد عبده غانم (1912م – 1994م) أبو الشعر في مدينة عدن خاصة ،واليمن عامة.
قال الشعر في ثلاثينيات القرن العشرين،وأصدر أول دواوينه الشعرية(على الشاطئ المسحور)في أواخر الأربعينيات. وكان حدثاً كبيراً في الحياة الثقافية في تلك الفترة،وكانت البلاد ترزح تحت نير الاستعمار البريطاني للجنوب اليمني. واستمر غانم في رفد المكتبة العربية بعدد من الدواوين الشعرية والمسرحيات الشعرية،وكتب أخرى استمر لمدة أكثر من خمسين عاماً.

نص(في المركبة) القصيدة جاءت على بحر المتقارب(فعولن)

قفي بي قليلاً, قفي بي قليلاً
قفي بي, فإنِّي أريدُ النُّزولا
مُري عجلاتك ألا تدور
وأن تتوقف حينا ضئيلا
ولو ساعة في الزمان الطويل
وإن أوشكت ساعة أن تزولا
قفي بي فإني أريد المسير
على قدميّ أشق السبيلا
لقد سئمتْ قدماي الركوبا
فما أن تسيران دونك ميلا
ولِمْ نتلازم طول الطريق
ألا نتفارق حتى قليلا?
أما من رحيل بدونك حولي?
كرهت لأجلك هذا الرحيلا
أمركبة أنتِ حتى أقول
قفي بي أم ليس لي أن أقولا?
أمركبة أنت أم أنت سجن?
أعادالرحيل ضياعا طويلا?
قفي بي, أفكر في رحلتي
وأطلب إن شئت عنها بديلا
تقولين فكر خلال الرحيل
وهل شل إلا الرحيل العقولا
قفي بي قفي بي ولو لحظة
لأرتاد في القفر ركناً ظليلاً
وأسأل إن شئت إما الطيور
وإما الزهور, وإما المسيلا
وإن لم أجدها فكانت سرابا
وكان البديل يَبابا وبيلا
أو ارتدتها فوجدت الجواب
لديها وإن أسعفت مستحيلا
ونمشي مسيرتنا إن أردت
وإن عدت سجنا وعدت النزيلا

(سيرة مختصرة عن الشاعر محمد عبده غانم)

(محمد عبده غانم (1912–1994) شاعر وأديب يمني، وُلد في عدن في 15 يناير 1912م، وتوفي بصنعاء في 9 أغسطس 1994م ودُفن في مقبرة خزيمة. يُعدّ أول خريج من جامعة حديثة في الجزيرة العربية بحصوله عام 1936م على بكالوريوس الآداب من الجامعة الأمريكية ببيروت، ثم واصل دراسته في جامعة لندن حتى نال الدكتوراه في الفلسفة بآداب اللغة العربية عام 1969م. تقلّد مناصب تعليمية وثقافية بارزة، منها: مدير المعارف في عدن، رئيس مجلس إدارة ميناء عدن، أستاذ ورئيس قسم اللغة العربية بجامعة الخرطوم، عميد كلية التربية بجامعة صنعاء، وأول عميد لكلية الدراسات العليا فيها. كما عمل مستشاراً ثقافياً لسفارة اليمن في الإمارات (1980–1984). كان رائداً في تحديث الأغنية العدنية وتأسيس الحركة الموسيقية في عدن، وشارك في تأسيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين عام 1970. نُشرت له دواوين شعرية عديدة منها: على الشاطئ المسحور (1946)، حتى يطلع الفجر (1970)، الموجة السادسة (1985)، والأعمال الشعرية الكاملة (2004). كما كتب مسرحيات شعرية بارزة منها سيف بن ذي يزن والملكة أروى. نال عدة جوائز وأوسمة، أبرزها: وسامان من الملكة إليزابيث الثانية (1961)، ووسام الآداب والفنون من رئيس جمهورية اليمن الديمقراطي (1989). وتُرجم شعره ودُرس في أطروحات جامعية وكتب نقدية داخل اليمن وخارجه.)(1)
بدأت شاعرية محمد عبده غانم كلاسيكياً ثم رومانسيا،وإذاجاز لي التعبير واقعيا أيضا. وكان شعره من السهل الممتنع. وتأثر كثيرا بالشعر الغنائي المغنّى. ولعل رسالته للدكتوراه(شعر الغناء الصنعاني) خير ما أقول.
يقول الدكتور أحمد علي الهمداني:(يشكّل محمد عبده غانم حلقة مهمّة وأساسية في تاريخ الأدب اليمني المعاصر وفي حركة الشعر اليمني المعاصر، إذ كان رائداً من رواد حركة الإحياء والتجديد على السواء، أنشأ مع معاصريه أو مجايليه محمد علي لقمان المحامي، وعبدالمجيد الأصنج،أحمد محمد سعيد الأصنج،علي لقمان، أحمد حامد الجوهري،لطفي جعفر أمان، محمد سعيد جرادة وغيرهم البدايات الأولى والمداميك الأولى في عمارة الأدب اليمني المعاصر وفي حركة التنوير في عدن وفي اليمن كلها. لقد عمل كل هؤلاء في أوقات متقاربة،وإن اختلفت الأعمال وتباعدت الأجيال وتمايزت الأقدار من رجل إلى آخر)(2)

نص(قالت لي الشقراء)
هذه القصيدة أنشأها غانم عن اليهود واحتلالهم للأراضي العربية،وتأتي اليوم في هذا الشهر الكريم(رمضان 1447هجرية) في الهجمة الشرسة على جمهورية إيران الإسلامية من قبل الصهيونية الأمريكية.

قالت لي الشقراء أنتم لا اليهود المعتدونا
جئتم من الصحراء تغزون البلاد وتنهبونا
كنتم رعاة في البوادي فانقلبتم فاتحينا
واليوم عاد الحق في صهيون وضاحا مبينا
وغدا اليهود على ديارهم السليبة قادرينا
أرض المعاد بها يحدثنا الكتاب ويصطفينا
تلك العقيدة في نفوس المؤمنين المتقينا
إن اليهود هم الهداة لنا ابينا أم رضينا
أسماؤهم أسماؤنا وتراثهم يختال فينا
وكتابهم أس الكتاب به يكون الدين دينا
حتى “الإله” وأمة منهم فهلا تعقولنا
واللاجئون وحقهم؟ دعني وذكر اللاجئنا
لو شئتم وسعت دياركم الجميع مرفهينا
لكنكم ابقيتموهم في الحدود مشردينا
حتى يكونوا لليهود مكيدة عبر السنينا
فأجبت يا شقراء ما لك والحديث عن الحدود
إن كنت تهوين اليهود فأنت أجدر باليهود
في أرضكم ما يشتهون من القديم أو الجديد
ومن المزارع والمصانع والمصارف والنقود
أما فلسطين الحبيبة فهي داري بل وجودي
عنها يحدثني الكتاب بأنها وطن الجدود
وبأنهم شقوا المسالك في الوهاد وفي النجود
وبأنهم شادوا الممالك بالقصور وبالسدود
وبأنهم سادوا الورى بالأمن والعدل العتيد
وبأنهم قادوا القرون إلى الروائع والخلود
وتمادت الشقراء تهرف وهي تسخر من جوابي
مهما تقل فالعرب ليسوا غير أجلاف ذئاب
فرشيدهم من “ألف ليلة” ما يزال مع الكعاب
بين النمارق والوسائد والموائد والملاب
وعميدهم زير النساء لدى المشيب أو الشباب
وجليدهم واهي البطون من المطاعم والشراب
ونساؤهم مثل الإماء حصرن بل مثل العياب
لا شأن في الدنيا لهن سوى المسيرة في الركاب
ما أنتم إلى العصور تخلفت خلف الحجاب
عار على العصر الحديث بقاؤكم فوق التراب
فإذا ابتسمنا تارة لكم ابتسام الاغتصاب
فلأن في بترولكم غرضاً لنا غض الإهاب
ولأن في أسواقكم ربحا يسيل بلا حساب
فأجبت ياشقراء بورك في النساء إذا ثملنا
فطرحن أقنعة الرياء وهن أدهى الناس فنّا
ياليت قومي هاهنا يتمتعون بما أبحن
أسرار أعداء محرمة على الأحرار منّا
قد صانها الدولار باللحن الصفيق إذا تغنّى
يا ليت أنا نستفيق من الكرى ياليت أنا
فلكم خدعنا بالحديث مزوقا لفظا ومعنى
ولكم فرحنا بالوعود كأننا طفل يمنّى
أين الذين تمسّحوا بالغرب أعتابا وركنا
حتى أقول فيسمعوا ماذا يقول الغرب عنّا
والقصيدة جاءت على مجزوء الكامل.
طبعت الأعمال الكاملة للشاعر محمد عبده غانم أول مرة عن دار العودة سنة1981م وضمّت الدواوين التالية:
ديوان على الشاطئ المسحور
ديوان موج وضخر
ديوان حتّى يطلع الفجر
ديوان في موكب الحياة
ديوان في المركبة
في عام 2004م (صنعاء عاصمة الثقافة) وزارة الثقافة والسياحة/ الجمهورية اليمنية أعيد طبع أعماله الكاملة بإضافة ديوانين هما:(الموجة السادسة)،(الأنامل الجافة) برعاية ابنه الشاعر شهاب غانم في(848 صفحة) والحقيقة أن هذه الطبعة تكاد تكون صورة طبق الأصل من طبعة دار العودة مع إضافة الديوانين المذكورين.

نص(الباب المحفور) وقد على تفعيلة المتدارك فعلن فعلن فعلن

باب محفور في الصخر
والباب الآخر في صدري
قلبي بالجرح يقاسي
والصخر الصلد القاسي
كيف اتفقا؟
الصخر يطوق باب القلب
والقلب يعانق باب الصخر
هل ناداك الباب المحفور
لو كنت سمعت الصوت يغور
في عمق الأعماق
لعلمت لماذا لا ينسى
ولماذا الحفر به يبقى
فإذا بالحفر نشيد
ما زال يغني في الأوراق
ويسمفن ملحمة الأشواق
يا باب الصخر المهجور
يا باب القلب الموتور
لن أنسى عهدك لن أنسى
حتى لو أغلق باب الصخر
فالباب الآخر ملء الصدر
سيظل ينادي والنادي
من رأس الطود من الوادي
يا أولادي .. يا أولادي
يا باب الصخر الصادي
يا باب القلب الشادي
يا باب البابين الفرد!
محفور الصخرة في القلب
مفتوحاً أبدا لايغلق
إلا بيد الحفار
أمين الميْسَري
26رمضان1447ه
15مارس2026م
هوامش:
(1)موقع الديوان
(2)كتاب محمد عبده غانم شاعراً وكاتبا مسرحيا.تأليف الدكتور أحمد علي الهمداني.الناشر مركز عبادي للدراسات والنشر صنعاء الجمهورية اليمنية الطبعة الأولى 2012م ص17

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!