أنفاس متمردة/بقلم:عمران الغانم (العراق)

 

عند محطة الباص،  كان المساء يتثاءب تحت عباءة الغيوم،  يجرّ أنفاسه الأخيرة من نهارٍ شاحب،  بينما المطر يهطل بنعومة قاسية ،يطرق الأسطح كعازفٍ يصرّ على أن يكمل لحنه رغم صمت المدينة .الهواء البارد كان يلسع الخدود، يحوّل أنفاس المارة إلى سحبٍ صغيرة تتلاشى في العدم.
وجوه الناس بدت كصفحاتٍ مبتلة في كتابٍ قديم؛ بعضها مطويّ بالحزن، وبعضها مبلل باللامبالاة. وحدي كنتُ أحمل لون الصحراء على بشرتي، لونًا يرفض أن ينطفئ في هذا البحر الأبيض من الوجوه.
كانت لينا تقف قربي…  لينا التي تبلغ الخامسة والثلاثين،  بملامحٍ أرهقها السهر حتى بدا الليل نازلاً تحت عينيها. معطفها الأسود يلتهم جسدها النحيل، ويداها محبوستان في جيوبٍ ضيقة كأنها تخاف أن تتركهما وحيدتين في هذا البرد. شعرها الأشقر بدا مبللاً بدموع الغيم ،وعيناها الزرقاوان،  المحمرتان،  كانتا مثل بحرين يثور فيهما مدٌّ من الأرق.
تقدّمت خطوةً صغيرة،  وقالت بنظرةٍ تشبه عناقًا بلا ذراعين:
«اقتربتَ؟» لم أجب… بل ابتسمت وأشرت لها أن تقترب مني أكثر ،ليتقاسم معطفي الصغير وهج القرب، وقطرات المطر تتساقط على كتفيها كدموعٍ لا تجد خدًّا خدا تستند عليه.
في يدي، كنت أحمل زجاجة نبيذ أحمر، أحمر كنبضٍ يتسارع في لحظة اعتراف.
سألتني بصوتٍ مشروخ:
«هل هناك ما يستحق كل هذا العناء؟»
كان السؤال سكينًا حادًا، يقطع خيوط الوقت ويعيدني ثلاث سنوات إلى الوراء. إلى أول يوم لنا في كلية الطب، حين كنا نحلم بأردية بيضاء لا يلوثها عرق الوظيفة ولا عتمة الفواتير. لكن لينا، حينها، لم تكمل طريقها؛ اختارت العمل نادلةً في ملهى ليلي، لتسدد ديون عامٍ مضى، وترقص مع ألحانٍ لا تشبه حلمها.
صمتُّ طويلًا، كما يصمت مَن يفتش عن جواب في قاع روحه، ثم قلت:
«الحياة مزيجٌ من عطرٍ وعرق، من جراحٍ وزهور. ولولا الشوك، لما ازداد الورد جمالًا.»
ركبنا الحافلة.  جلسنا متجاورين،  والمطر على النوافذ يرسم خطوطًا متعرجة، كأوردة زجاجية تنبض بإيقاع الغيم. قربها كان يذيب الصقيع في أطرافي، وعطرها الخفيف كان يطغى على رائحة المطر، كأنها شمس صغيرة تخترق شتاءً كثيفًا.
مدّت يدها برفق، وأعطتني شيئًا لا يُشترى: طمأنينة اللحظة. أصابعها تلامس أصابعي، وكأنها تكتب بخطٍّ سرّي: «لستَ وحدك.»سألت بابتسامة باهتة:
«لمن هذا النبيذ؟»
قلت: «لرأسي الذي تجمّد من ظلم هذا الطقس».
ضحكت، وضحكت معها، حتى شعرت أن الضحك نفسه يرتجف من البرد.
أصابعنا تشابكت كجدائل شعرٍ لا تنفك إلا بجرح،  والمطر بالخارج يعزف على إيقاعنا الداخلي، حتى بدا أن العالم كله قد توقف لينصت.
أغمضت لينا عينيها، كأنها تريد أن تُحبس في هذه اللحظة، أن تهرب من كل ما عداها. كنت أعرف أنني سأرحل قريبًا، وأن محطات حياتنا لا تقف في المكان نفسه طويلًا، لكنني كنت أعرف أيضًا أن يدًا تمسح الغيم عنك قد تغيّر فصول حياتك.
وحين اقتربت محطتي، همست لها: «ستكونين بخير، أنا واثق».
فتحت عينيها،  وكان فيهما مزيج غريب من الوداع والشكر،  دمعة دافئة انزلقت على وجنتها، كأنها توقيع أخير على عقد صداقة وحنين.
تركت الحافلة والمطر ما زال يتراقص على الزجاج، لكن داخلي كان يشتعل بدفء صغير… دفء يكفي ليجعلني أصدق أن بعض اللحظات ،مهما قصرت، يمكنها أن تمنحك عمرًا كاملًا من الإيمان بالحياة.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!