الشاعر الكبير محمد الفيتوري في سيرته الشعرية بعنوان( حول تجربتي الشعرية)

كتب: الشاعر أمين المَيْسَرِي(الطبعة الثانية )

وأنا أقرأ سيرة الشاعر الكبير محمد الفيتوري(1930م – 2015م) أحسستُ أنّني أمام سيرة مفتوحة وواقعية طرحها أمام القارىء دون رتوشٍ أو مساحيق تجميل، أونفاق ،أو كذب،أو دجل. سيرةٌ ناصعة البياض فيها من الألم والعذاب والغموض،والحياة البائسة. سيرة فيها من الظلم والقهر والمشقة. سيرة فيها تساؤلات كثيرة،وتناقضات محقّة. استطاع أن يخرج منها منتصب القامة،رافع الرأس والهامة. أدرك من خلال هذه المعاناة،أن الحياة وتناقضاتها سلالم مستقيمة ومنعرجة. يبدأ الأنسانُ الطلوع فيها من الدرجة الأولى حتّى يصل إلى آخر درجة في السلم. وقد كان له ذلك.فأصبح شاعراً كبيراً ومدافعاً عن حقوق الإنسان،لايأبى الضيم والقهر والنفاق. واستحق أيضا عن جدارة بلقب شاعر إفريقيا.
في ست وثلاثين صفحة كتب محمد الفيتوري سيرته الشعرية بعنوان:(حول تجربتي الشعرية) ونشرها في المجموعة الشعرية الكاملة من المجلد الأول في الطبعة الثالثة الصادرة عن دار العودة(بيروت1979م)الّتي بين يدي. والشاعر يذيّل سيرته عند كتابتها بتاريخ(3-5-1970م).
الفيتوري شاعر إفريقيا،وهو اللقب الذي تقلّده عقب صدور مجموعته الأولى(أغاني إفريقيا)سنة 1955م وهو في الخامسة والعشرين من عمره. وأغاني إفريقيا هو اسم القصيدة الّتي أشهرته وسمّى بها ديوانه. ولعلّي أتذكّر أنني قرأت هذه القصيدة في قاعة الدرس ربّما في مرحلة الإعدادية أوالثانوية. وكانت حدثاً كبيراً في الأوساط الثقافية العربية.
يا أخي في الشرق، في كل سكنْ
يا أخي في الأرض، في كلّ وطنْ
أنا أدعوك..
فهل تعرفني؟
يا أخاً أعرفه.. رغم المحنْ
إنني مزّقتُ أكفان الدّجى
إنني هدّمتُ جدران الوهنْ
لم أعد مقبرةً تحكي البلى
لم أعد ساقيةً تبكي الدمنْ
لم أعد عبدَ قيودي
لم أعد عبدَ ماضٍ هرم..
عبد وثنْ
***
الملايين أفاقت من كراها
ماتراها.. ملأ الأفق صداها
خرجت تبحث عن تاريخها
بعد أن تاهت على الأرض وتاها
حملتْ أفؤسها وانحدرت من روابيها
وأغوار قراها..!
فانظر الإصرار في أعينها
وصباح البعث يجتاح الجباها
يا أخي في كل أرضٍ وَجَمت شفتاها
واكفهرّت مقلتاها
قم تحرّر من توابيت الأسى
لست أعجوبتها.. أو مومياها
انطلق فوق ضحاها ومساها
يا أخي قد أصبح الشعب إلها(1)
القصيدة حين قرأتها في تلك المرحلة عمودية،وإن كان الشاعر- في هذه الطبعة – قد وزّعها بطريقة التفعيلة. عموما القصيدة عمودية أوبيتية جاءت على بحر الرمل(فاعلاتن فاعلاتن فعلن).
في سيرته الشعرية يلخّص الفيتوري بداية حياته بين الغربة والتشظّي. ويمزج هذه السيرة بين الحياتية والتجربة الشعرية.
في التجربة الحياتية صورة الفتى الأسود، القصير القامة، النحيل البنية.
يقول:(أكتب تجربتك الشعرية.. دائما تصدمني هذه الرغبة..أن أكتب تجربتي في معاناة الشعر والحياة. وأنا لا أجهل أنّ لديّ الكثير مما أقوله، حول هذه الحياة البالغة العمق،إلى درجة الغموض التنوّع إلى حد التعقيد والإدهاش.. حياة الصبي الأسمر القصير النحيل،الّذي مازال يلوح في مرآتي حتّى الآن،وهو يرفل في أعوامه الاثنى عشر،حاملا في قلبه.. وفي عينيه إحساسه الخاص،بتفرّده وعذابه وغربته)(2).
كان مايؤرّقه في سيرة حياته أنّه قصير القامة ونحيل وبشرة أميل إلى السواد – كما قال.
يقول:(إنّني الآن أطرح هذا السؤال الإستنكاري، بعد أن ازدادت بعداً، جوانب المسافة الزمنية والمكانية،التي نقف عليها معاً – أنا والصبي الأسمر النحيل – وجها لوجه.. أصبحت المسافة الزمنية،قرابة ربع قرن،بينما تجاوزت المسافة المكانية عشرات الألوف من الأميال. كان قصيراً ونحيلاً،وذا بشرة أميل إلى السواد.
وماذا في ذلك أيضا؟
لاشكّ أنه كان على قدر من النقص أو الجنون.. أو ربّما كان شعوره بالنقص هو الذي أوقفه – حينذاك – عند حافة الجنون.. أو ربما كان عكس ذلك!)(3)
هذه هي الغربة الداخلية الّتي ظلّتْ تعيش مع الشاعر محمد الفيتوري. ولكنّها غربة أفصحت عن نفسها في أسئلة أخرى..(هل الشعر هو الجنون؟ أم الجنون هو الشعر؟ لماذا كان يؤثر الإنطواء على نفسه؟ لماذا كان يبدو في نظر الآخرين، متكبّراً وشاذّاً ومزهواً بنفسه،إلى حد إثارة الغيظ والاستهزاء)(4)
كان يكره الأضواء والضوضاء،والزحام(5)
كان يحب زيارة القبور،وصلاة الفجر،وكره حفلات الأعراس،مواسم الأعياد.(6)
حفظ القرآن الكريم صغيراً تأهّباً لدخول الأزهر الشريف رغبةً لوالديه(7)
وقد عانى من حفظ القرآن،وعوقب على نسيانه أشد العقاب(8).
ثم يبدأ الجزء الذي أنا اسمّيه بالسيرة الشعرية،وهي مصادره ومراجعه الأولى في القراءة. فيقرأ سيرة عنترة بن شدّاد بأجزائها المتعدّدة. ولكن لماذا عنترة؟؛لأنّه يشبهه شاعراً وأسود اللون(.. وراح يلتهم بكل مافي روحه من تشوّق ظاميء،إلى الحياة.. الجزء الأول،ثم الجزء الثاني.. حتّى أكمل بقية أجزاء الأسطورة الشعبية، ومنها عرف أن عنترة فارس لايشق له غبار،وأنّه عاشق لأجمل صبايا قبيلة عبس(عبلة) وأنّه أيضاً – وهذا مهم جداً – عربي أسود البشرة.. أسود مثله!
وأعاد قراءة السيرة من البداية، حتّى أنه ليذكر الآن، كيف استطاع عنترة الابن غير الشرعي لشدّاد،أن يفرض ذاته،وأن يؤكّد وجوده،وهو الشخص الضائع النسب، مابين الحرية والاسترقاق،في مجتمع الجاهلية المتعصب،الذي لاسيادة فيه،إلاّ للأقوى،والأشرف ةالأغنى، ولاحياة فيه للعبيد والمساكين والفقراء)(9).
ويطالع الفيتوري في بداية حياته سيرة حمزة البهلون والأميرة ذات الهمّة وسيف بن ذي يزن،وفيروز شاه،والف ليلة وليلة. ثم يقرأ أعمالاً أدبية كبرى مثل: البعث وأنّا كارنينا،والحرب والسلام لتولوستوي وفاوست وألام فرتر لجوته،وغادة الكامليا،وماجدولين. وقرأ في تراث العرب.. طرفه بن العبد،ولامرىء القيس وعمرو بن كلثوم،وزهير بن أبي سلمى،والمعلقات.وأعجب بالشريف الرضي ومهيار والمعري،والمتنبي،وأبي تمام،ورفض البحتري وأبا العتاهية،وأبا نواس، حتّى يصل إلى شعراء عصره. فكان أبو القاسم الشابي،والياس أبو شبكة. ويقول عن بعض شعراء شعراء عصره..
(لاتسطيع معدتي هضم أشعار المازني والعقاد أوحتّى استاذهما عبدالرحمن شكري.. أما مدرسة أبولّلو،فلا أجد في قصائد رائدها أحمد زكي أبو شادي حاجتي.. صحيح أن لديه من الصور والأخيلة،ما يشوّقني ولكنّي أجد الصورة،والموسيقى مضافا إليها روح الشعر،ووهجه وحيويته في القصائد القليلة التي قرأتها لعبقري الشعر السوداني التيجاني يوسف بشير،وشاعر الطبيعة المصرية أحمد عبدالمعطي الهمشري.
إنّهما ويليهما إبراهيم ناجي،ومحمود حسن إسماعيل،وحسن كامل الصيرفي،هم الشعراء.
وعلى صفحات الأعداد القديمة التي عثر عليها من مجلات(أبوللو) و(الإمام) و(المقتطف) و(اللطائف المصورة) و(المجلة الجديدة) التقى بجبران خليل جبران،ونسيب عريضة،وفوزي المعلوف،وإيليل أبو ماضي، وميخائيل نعيمة، ونعمة قازان)(10)
ثم التقى بشاعر فرنسا الكبير شارل بودلير الذي يقول عنه:(يكاد يفقدني صوابي.. إنه ذو طبيعة شعرية،غير عادية،قادرة على خلق الصور، وتجسيد المشاعر والأفكار.. إنّني غارق هذه المرحلة،حتى الغيبوبة والدوار،في عالم بودلير المخيف المعذب في أزهار الشر)(11).
كان الفيتوري ظامئاً للقراءة،فهضم كل ما قرأه. وقد أعطته هذا القراءات زاداً وفيراً وكبيراً في تجربته الشعرية.
(وفي عام1948م.. كتب أولى تجاربه الشعرية التي انصهرت فيها ذاتيته الصغرى،في ذاتية إنسانية أعم.. الذات الإفريقية انطلاقا من الخط النفسي الذي قدر عليه،أن يكون خطاً فكريا عميقاً،يترسمه فيما بعد،ويمضي فيه طويلا،ويكون إتجاها ومساراً له.. كتب قصيدته(إلى وجه أبيض)..
ألئن وجهي أسود
ولئن وجهك أبيض
سميتني عبداً
ووطئت إنسانيتي
وحقرت روحانيتي
فصنعت لي قيداً)(11)
وفي عام1955م- كما أسلفت سابقاً – يصدر ديوانه الأول(أغاني إفريقيا) فيتلقّفه أدباء ونقاد مصر..
فيقول الفيتوري:
(إن أحمد رشدي صالح،وكامل الشناوي،وسلامة موسى،وزكريا الحجاوي،وأنيس منصور،وفتحي غانم،ورجاء النقاش،وصفوة أخرى من رجالات النقد الأدبي،والفكر الساسي العربي،عرضوا لهذا الديوان.. أضافوا إليه من قيمهم النقدية ومفاهيمهم السياسية،ومن مواقفهم وجهودهم في مجال التحليل والتفسير)(12).
هذه هي سيرةالشاعر الكبير محمد الفيتوري, ولكنّه لم يتحدّث عن أعماله المسرحية الشعرية،وهي مهمّة جداً.
أمين الميسري
13يناير2026م
هوامش:
الأعمال الشعرية محمد الفيتوري دار العودة الطبعة الثالثة1979م (المجلد الأول)
(1)الأعمال الكاملة ص72 ومابعدها
(2)5و6ص
(3)6و7ص
(4)ص7
(5)نفسه
(6)نفسه
(7)نفسه
(8) ص8
(9)ص9و10
(10)ص19
(11)ص10
(11)ص22
(12)ص24

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!