((مواجهات غزة حربُ أسلحةٍ أم معركةُ سرديات)) قراءة متأنية للبناء الإعلامي السردي المُفارق في أحداث غزة الأخيرة

أ.د نجيب عثمان أيوب.

إن قراءةً هادئةً لما جرى ويجري على أرض غزة من توظيف قاسٍ للسلاح الفتَّاك في مواجهة المدنيين العُزَّل، والذي أُحيط بغطاء مُنْحاز، من مساندات المؤسسات القانونية الدولية غير المُنصفة، لتستحضر تساؤلات مهمة في بُعدِها الأخلاقي الإنساني العام، والأكثر أهميةً وإثارةً لهي المعركة الأخرى، ألا وهي معركة السرديات الإعلامية، التي مُورست فيها كل أدوات الخِسة والوضاعة وجُبن المواجهة الصريحة، والهروب والهلع من مجرد استماع أو رؤية حُجج الطرف الآخر في الصراع (الضحية).
إن استهداف المحتويات المعارضة للعدوان على أرض غزة لهو قِمٌةُ الضعف والخَوَر النفسي، لدى الطاغية المحتمي بأسلحة آخر منحاز وتأييده المطلق لممارسات البغي ومنطق الاحتلال.
فتناوُل الأحداث هذه أدبيًا وثقافيًا، يشتبك مع الفكرة أخلاقيًا وتاريخيًا، ويربطها بوقائع حرب غزة الفادحة، ويُذكِّرُنا بنماذجَ راسخةٍ في ذاكرة التاريخ الإنساني من (حرب فيتنام ومأساة شعب الجزائر وما لاقاه سكان المستعمرات البريطانية والألمانية….. وغيرها من ويلات حملها الإنسان على عاتق إنسانيته، إنه كان ظلوما جهولا).
فحين يُخشى صوت الطرف الآخر في أي صراع، إنما يدل ذلك على ضعف الباغي والانحياز الأخلاقي المُتَدَني، بما أدى إلى إخفاء سرديات المتعاطفين مع الضحية، حتى لو كانوا من جهات الإغاثة الدولية الرسمية التي تغطي هذه الأحداث.
فلم تأت الحروب الحديثة صراعًا ميدانيًا على الأرض وحسب، بل هي في حقيقتها صراع حول إدارة الرواية وتوجيهها وفق الهوى (صراع سرديات).
فتحديد من يمتلك حق نشر سردياته، ومن يُسمح له أن يُرى ويُسمَع دون غيره، إنني أراها -في شقها المتواري- حربًا أدبيةً تأثيرية، وإعلامية ترويجية خبيثة.
وفي هذا السياق، تبرز ظاهرة تطويق المُهيمن بقواه المادية على الأرض للمحتوى الذي يعبّر عن وجهات نظر الضحية -أو حتى آراء المتعاطفين معها- في حال جاءت مخالفة للسردية المهيمنة المسموح لها بالتسريب والظهور.
وحرب غزة، بما تحمله من مأساوات إنسانية موثّقة بالصوت والصورة والشهادات الحيّة، لهي ظاهرة أخلاقية تطرح عديدا من التساؤلات المزعجة والملحة على الضمير الإنساني الأخلاقي العام.
منها على سبيل المثال:
س: هل إقصاءُ الصوت المخالف دليلُ قوة وشهامة أخلاقية؟
أم هو علامة ضعف وعدم ثقة في عدالة الممارسات، خشية إظهار الحقائق؟؟؟!
وللإجابة عن هذا التساؤل الملح، نقول: إن الإخفاء بوصفه انحيازًا أخلاقيًا يتنافى مع كل القواعد والشرائع والأعراف والمفاهيم القانونية الدولية، ويتنافى وروح العدالة التي يَدَّعيها المجتمعُ الدوليُ المعاصر.
فالعدالة في جوهرها الفلسفي والحقوقي، لا تُختزل في الركون تجاه طرف ما في أي صراع، وتَبَنّي موقف واحد من أية قضية، بل العدالة تكمن في إتاحة المجال لتعدد الروايات، ثم إخضاعها للنقد والتحليل المُنصف من كل الأطراف.
إن إخفاء المحتويات التي تُعرِّي ممارسات طرفٍ ما في نزاع مسلّح، حتى لو كان هذا الطرف يروق للقوى الدولية المهيمنة ويحظى بمدعمها، لهو انحياز أخلاقي صريح؛ لأنه ينقل الفعل من ساحة النقاش والمواجهة الصريحة، إلى ساحة المصادرة والإخفاء الخسيس.
فالحق كما حدَّده فلاسفة الأخلاق منذ اليونان على يد (أفلاطون وأرسطو) وحتى فلاسفة اليوم ومرورًا بآراء الفيلسوف (كانط) في العصر الحديث، لا يخشى العرض والنقاش، ولا يضطر إلى إسكات خصومه، إلا إذا كان ضعيفًا غيرَ واثقٍ في امتلاكة للحق؛ لأن قوته كامنةٌ في قدرته على الصمود أمام النقد أيًا كانت مصادرُه، وفي حُجِيَّاته التي تواجه هذا النقد.
وحرب غزة لم تقتصر على معادلات استخدام قوة السلاح على الأرض فحسب، بل كانت معركةَ سرد مُورست فيها كل حِيَل الخِسة والخداع الماكر والانحياز الصارخ المُجحف، من إخفاء المحتويات الكاشفة لمسرح الأحداث، وما يجري عليه من تجاوزات تعدت الفظائع الإنسانية، مما أستطيع وصفه ب(الاستهداف الإعلامي والدعائي الرمزي) فقد
قُصفت مقار صحفية
استُهدف فيها صحفيون ميدانيون وقد قُتلوا وهم يؤدون مهام إعلامية مشروعة في الأعراف الدولية، كما
حُذفت أو قُيّدت مقاطع توثّق القتل الجماعي، أو تُظهر معاناة المدنيين في مواجهة آلة قتالية جبَّارة، أو تنقل شهاداتٍ مخالفةً للرواية الرسمية السائدة، حتى ولو كانت من أطراف محايدة أو من جنود الاحتل وأنفسهم، لدرجة تجعلنا نقول:
إن منصات التواصل التي وُعِدنا بها طويلًا باعتبارها ستكون فضاءً رحبًا للحريات وحارسًا أمينٌا للعدالة والإنصاف، قد تحولت إلى حارس سردي، يقرّر ما يُرى وتحدد ما يُحجب، لا بناءً على معيارِ الحقيقة العادلة، بل على معيار الملاءمات السياسية، واعتبار مصلحة الغالب الباغي ايًا كانت، لدرجة جعلت مستخدمي مواقع التواصل يتلاعبون في كتابة أسماء أطراف النزاع هجائيا على منصاتهم وصفحاتهم مخافة الحذف (كأن يكتب: ع…..زة بدلا من غزة، وفل** طين، بدلا من فلسطين) وذلك لأن خوازمات القائمين على هذه الوسائل إنما هم في صف الفاعل ويناصبون الضحية العداء، ذلك لأن المهيمن على الشبكة يحذف كل محتوى لمجرد ظهور بادرة نقدية لممارسات العدوان……..! بل يُصنف ويرصد كل من يتعاطف مع الضحية ب(الإرهابي أو المُحرِّض)، وكل من ينتقد تصرفات الجلاد ب(بمُعادي السامية).
وهنا تتجلى المفارقة الأخلاقية الكبرى:
كيف يدَّعِي الطرف المسئول والمسيطر دوليًا امتلاك القيم الإنسانية النبيلة، بينما يخشى عرض الشهادات الإنسانية ذاتها؟
وكم أثبت التاريخ لنا أن الإخفاءَ علامةُ ضعفٍ لا قوة، وفي دروس من وقائع متتالية،
فالتاريخ لا يرحم المعتدي ولا يمالئ القوي، حيث تزول القوى ويتلاشى الضعف، فلنا في: (حرب فيتنام، ومأساوات شعب الجزائر من فعل الفرنسيين وشعب ليبيا تحت فظائع الاحتلال الإيطالي…… ، وسائر ضحايا الموجات الاستعمارية التي جاءت من الغرب المُتَحَضِّر) العبرة والعِظة.
فالقوى الواثقة من شرعيتها تفتح المجال للاختلاف،
أما القوى القلقة من انكشاف تناقضاتها، فحتما هي التي ستلجأ إلى الإخفاء والتشويه.
ففي فيتنام، لم تسقط السردية الرسمية الأمريكية بفعل السلاح، بل بفعل:
صور الأطفال المحترقين بقابل النابالم وغيرها من وسائل الحرب الكيمائية والبيولوجية الجرثومية الأمريكية، والمُحَرَّمة دوليا، والتي مكَّنت تقارير الصحافة الحرة في الداخل الأمريكي ذاته، من نشر
شهادات الجنود أنفسهم،
وحين حاولت الإدارة الأمريكية حجب هذه الصور والتقارير، لم تحمِ نفسها، بل سرَّعت في وتيرة انهيار مصداقية هذه الإدارة ومشروعيتها الأخلاقية.
وكذلك في تجارب الاستعمار الفرنسي للجزائر، والإيطالي لليبيا وممارسات البريطانيين في سائر مستعمراتهم -التي كانت لا تغيب عنها الشمس- لهي شاهد على أن الحقائق لا تموت ولا يُزيلُها مرورُ الوقت، حيث جرى التعتيم طويلًا على هذه التجاوزات بل المجازر التي ارتُكبت في حق العُزَّل من المدنيين الأبرياء، حينما فتح التاريخ أرشيفه لاحقًا كشف حقيقة مفادها أن الحق لا يُخفي ولا يموت، بل ينتظر لحظة الانكشاف، ليُفصح عن المستور ويقول المسكوت عنه بفعل القهر الغاشم.
فتشويه الذاكرة وصناعة تاريخ ناقص بواسطة إخفاء السرديات لا يُغيّر من الوقائع، لكنه يعبث بالذاكرة الجمعية
ويصنع تاريخًا أعورَ،
ويحوّلُ الصامت المُنحاز سلبيا، إلى شريك إيجابي في الجريمة.
ومواجهات غزة قد كُتبت و ما زالت لليوم تُكتب وتُوثَّق، رغم حجب الآلاف من المقاطع والشهادات الحقيقية، التي تُوثِّق فظاعات البطش الغاشم في حرب غير متكافئة القوى، وتحت غطاء دولي دبلوماسي، يزعم وضعيةً قانونيةً لهذه الفظاعات، بكل ما يمتلك من وسائل تحريض وتسويغ وتبرير، وإمدادات معلوماتية تِقَنِية ولوجيستية واستخبارتية.
والأكيد أن هذه المحذوفات بواسطة مالكي ناصية المواقع الاجتماعية والمسيطرين على إدارتها، ستعود لاحقًا على الساحة؛ لتُدين ليس الفاعل وحده، بل من صمت على صنيعة الصانع، ومن أخفى الممارسات الإجرامية وتستر عليها، ومن برّر سطو الساطي المعتدي.
وكما يقرر (والتر بنيامين) أن التاريخ لا يُكتَب من وجهة نظر الغالب فحسب، بل من شقوق الألم وآهاته، ومن المأساوات التي يحاول المُدَلسون إخفاءَها وردمَها، بعيدا عن الأنظار.
وتتجلى هنا مفارقة الخطاب الليبرالي المعاصر وتناقضاته، وتبدو عوراته واضحة، بادعاءاته
الأكثر إثارة للأسى، بأن الإخفاء يتم غالبًا باسم:
حماية المجتمع، أو
مكافحة خطاب التحريض والكراهية،
أو الحفاظ على المعايير. تلك المعايير
التي يراها الجميع، وهي تُطبَّق بانتقائية وازدواجيةٍ فَجَّة، حيثُ
يُسمح بسردية واحدة
ويُوصَم غيرُها بالإرهاب بالتحريض أو التضليل،
دون فحص موضوعي للمحتوى ذاته،
وهنا تتحول القيمة الليبرالية من ضمانةٍ للحريات والعدالة والإنصاف، إلى أداة إقصاءٍ وقهرٍ انحايزي، ناعمة ومُجحفة في الوقت ذاته، وهي بذلك قد باتت أشدُّ خطرًا من القمع الصريح، لأنها تُمارَسُ باسم الأخلاق ذاتها وباسم القانون الدولي والإنساني المغلوط.
وأختتم بقولي:
إن المعارك غير الشريفة على مر التاريخ، لا تنحصرُ في المواجهات المسلحة على الأرض فحسب، بل تلجأ غالبا إلى حرب أدبيات (سردية) تُظهر شيئا وتخفي أشياء، وتُنصفُ طرفًا وتخذل آخرين، دون مراقبة من ضمير أخلاقي، يُقسطُ أو يعدل بين الأطراف.
إن إخفاء المحتويات التي تُعَبِّر عن وجهات نظر معارضة، وخصوصًا في سياق المأسوات الإنسانية وممارسات الحروب القذرة ليس حيادًا، بل يُعدُّ موقفًا غير أخلاقيٍ منحاز، ولا يعكس ثقةَ من يُدافع في نفسه، بل يضعه في خانة الضعيف الذي يخشى انكشاف حقيقته المُرَّة التي لا يُدركها إلا هو.
فالحق إذن، وفي نهاية كل حديث، لا يخشى صورة ولا مقطع فيديو، أو تسجيلاً صوتيًا، ولا يخاف الشهادة أو الاعتراف من جنوده أنفسهم، ولا يرتعد أمام الكلمة، والطرف الذي يحتاج إسكات الآخرين كي تصمد قضيته، هو الباغي غالبا، وهو من لا يثق في نفسه، وهذه من سمات الحروب المعاصرة التي تستخدم قوة الآداب الترويجية بجوار قوة السلاح، لذا نرى في الحروب المعاصرة أنها حروب الميديا التأثيرية التي تغطي ممارسات معارك الأرض وتجاوزات الأسلحة في الميدان.
***

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!