أ. د. مصطفى لطيف عارف يكتب السيميائية الجمالية في رواية ( سماء مغادرة ) للروائية منال رضوان

أ.د. مصطفى لطيف عارف

سيقتصر حديثنا هنا في هذه الرواية عن تلقي الإشارة أو العلامة الجمالية حسب ، أي إن مدار الحديث هنا سيكون بين المتلقي والإشارة ، وبالرجوع إلى مفردات خطاطة ياكوبسون في التوصيل ( المرسل ـ الرسالة ـالمرسل إليه ـ قناة الاتصال ـ الشفرة ـ السياق ) نجد أن الوظيفة الجمالية هي التي تستطيع أن تجعل الإشارة أو الفعل الاتصالي يشير إلى الأشياء أو إلى العالم الخارجي ، أي تجعله عملا أدبيا ، وفي الواقع الذي نعيش فيه يمكن أن تحصل مطابقة بين فكرنا والعالم الخارجي ، ومن جهة أخرى فان ربط الجمالية أو الشعرية بالإشارة يفضي إلى شعرية المعنى وجماليته ، ونحن إذا ما سلكنا سلوكا بنيويا هنا وانغلقنا على النص بوصفه منبع المعنى الوحيد نكون قد بحثنا في ( بناء ) المعنى وليس ( إنتاجه ) ، أي سوف نعتمد على ما انطوى عليه النص من بنى لغوية وسياقية وتناصية مع أفكار دينية وأساطير وخرافات ، ذلك لأن إنتاج المعنى يرتبط بخبرات المتلقي وما اختمر في ذهنه من ثقافات متنوعة ، هناك مقاربتين لملامسة شعرية المعنى الأدبي في الإشارة أو العلامة الأدبية ؛ الأولى هي شعرية بناء المعنى الذي تتبناه البنيوية ، والثانية هي شعرية إنتاج المعنى التي يتبناها التأويل السيميائي في ضوء الحرية التي إتاحتها نظرية القراءة والتلقي ، فالمؤول السيميائي ينتج دلالات الإشارات والعلامات والرموز التي تنطوي عليها النصوص الأدبية من دون الرجوع إلى دلالاتها المعجمية ، بل يعمل على فهمه الخاص تبعا لاستعداده الثقافي وموهبته ، ولا يتبادر إلى الذهن هنا أن هذه القراءة غير منضبطة ، ذلك لأن المؤول السيميائي ليس حرا في صنع المعنى ، بل هو حر في العثور عليه بإتباع طرائق عديدة خارج نطاق الكلمات ، أي انه يستطيع إضافة أي معنى يشاء ، بل المعاني كلها التي يستطيع ربطها بالنص عن طريق الشفرة التأويلية ، أي انه يستطيع أن يغرف معانيه من مرجعيات تقع خارج النص بعيدا عــن نطاق الكلمات ،وسنوظف كلا الاتجاهين في التوصل إلى معاني بعض الإشارات أو العلامات الأدبية الجمالية في رواية (سماء مغادرة ) ، وسنركز حديثنا على بعض عناصر السرد الرئيسة كالشخصية و الفضاء السردي بوصفها إشارات سيميائية جمالية ، فضلا عن عناصر أخرى بعينها كالعنوان ،على أن نترك الباقي مبثوثا في أثناء الدراسة خوفا من الإطالة والتكرار ، ولا يفوتنا هنا الإشارة إلى إفادتنا من بعض المحاولات التجريبية الرائدة في هذا الموضوع ، ولاسيما تلك التجارب التي خاضها النقاد , ويعد العنوان الركيزة الأساسية لمعرفة النص والدلالة عليه , ومثلما نسمي الأشخاص فان العنوان يعني الاسم للكتاب ,فالعنوان للكتاب كالاسم للشيء , به يعرف وبفضله يتداول , يشار به إليه ويدل به عليه ,وبما يحمله من قصدية فاعلة لكشف الباطن بفعل أرادة ملزمة للبداية وإحراج المعنى ,لذا فان العنوان يكون صلة قائمة بين مقاصد المرسل وتجلياتها الدلالية في العمل ,إن علاقة العمل بالعنوان علاقة فاعلية تتكئ على منطق الضبط , تلك العلاقة أنما نكتشفها من الترابط بين المرسل بمراسلته ( العمل + العنوان ) فهو فاعل هذا , وفاعل ذاك ,ونحن نعد العنوان خطابا سيميائيا فكريا , يحمل مقاصد شتى , لان الاتجاه المرسوم للفاعلية المستحضرة يعتمد على قصدية المرسل , فالعنوان خطاب يعرف من خلال العمل الذي يتوجه به إلى المتلقي ,ذلك ممكن من خلال سياق الفعل الإبداعي , وقد تضيع على المتلقي آليات التعامل مع العمل إذا ما توهم فضاءات أخرى من العلامات لا يمكن أن تكون فاعلة,بل أن هناك ترابطا وتزامنا جدليين بين العنوان والنص في علاقة المحايثة , والعنوان مفتاح الشفرة والخطاب , وعنوان الرواية (سماء مغادرة ) يشتمل على علامات سيميائية متعددة تفضي إلى دلالات خارجية تكشف عنها بنيتها السطحية التي تحيل على البنيات العميقة التي تتمثل بالعالم الدلالي الذي تحيل عليه المبدعة (منال رضوان) ويكشف النص عن فضائيين دلاليين مهمين أولهما يحيل على (سماء ) , والآخر يحيل على,(مغادرة) , وبين الفضاء الأول , والثاني يتوسط اسم الروائية منال رضوان , ليربط بين العالمين ربطا مبهما , ومن هنا يبدأ الفضول يتسلل إلى المتلقي التي تركته المبدعة قد فعل فعله في المتلقي , إذ أحاله على كل جنس فضاء زماني متسع الآفاق , ومكاني من خلال الإشارة السيميائية الجمالية التي تعطي للعنوان بعدا سيميائيا واسعا من خلال المعنى المضمر الذي أرادته منال , والذي تتطابق مع مضمون الروائية , فنراها تقول : – الوقت طريق لا ينتظر أحدا, والعشق انتظار لا طريق له , فالزمن يمضي, والعشق مقيم من هنا تبدأ كل مأساة , ومن المألوف ألا يقدم السياق ـ على وفق ما تقدم ـ إضاءة للمعنى إذا لم يشركه المؤلف في قصده ، حتى وان قال بتغنشتين لا تفتش عن معنى الكلمة ، وإنما عن الطريقة التي تستعمل فيها ، بيد أن الأمر ليس بهذه السهولة ، فحتى لو كان المعنى مرتبطا ـ كما يقول أصحاب النظرية القصدية ـ بقصد المؤلفة فليس من السهل تحديده فالقارئ هنا يتوهم بأنه المؤلف ويذهب بعيدا في تحقيق غاياته بانتهاكه القواعد الأخلاقية ، فيزعم أن هذا هو قصد المؤلفة، أو أن تفسيرها للنص هو التفسير الوحيد الذي يتطابق وقصد المؤلفة ، ولغرض التقليل من حدة هذه المشكلة اقترح أصحاب هذه النظرية ربط المعنى الأدبي بشكل العمل الأدبي ، بوصفه انعكاسا للقصد ، وسوى ذلك فان أفضل الطرائق للوصول إلى قصد المؤلف هي ما دعت إليه المناهج السياقية كالنفسية والاجتماعية والتاريخية عندما أعطت المؤلف مكانة عليا وسلطة إلى حد جعلت العمل الأدبي معه أسيرا في دائرة مبدعته ، فلا معنى إلا ما أرادته المؤلفة نفسها ، فجعل هذا جهد النقاد والباحثين ينصب على دراسة شخصية المبدعة وحالتها النفسية والاجتماعية وظروفها البيئية والتاريخية التي أبدعت فيها ، فضلا عن ثقافتها وميولها حتى يتمكنوا بعد ذلك من التوصل إلى مقصدها ، ومن الطبيعي أن يكون كل ذلك على حساب النص الإبداعي نفسه فتروي لنا (منال رضوان) في روايتها (سماء مغادرة) سردا رائعا تعبر من خلال الحوار الآتي ما أرادت قوله , فنراها تقول :- نظراته الدامعة , تعثرت كما كلماته بحضورها , كأنها المرة الأولى التي يسمع صوتها , همست إليه: – يوسف أيعني هذا أن نفترق الآن؟ هل انتهت الرحلة؟ معك كدت اعرفني , كدت أجد اسمي الذي الفظه , كما قال سعيد أنصتت روحي إلي , وان كنت لم تناديني يوما , كيف لم انتبه قبل اليوم؟ كأنني عشت أربعة عقود بلا اسم!
توقفت اللحظة , كنبوءة تأخرت كثيرا عن موعدها ،ذلك لأن القارئ لا يأتي إلى النص خلوا من كل شيء ، ولغرض التقليل من حدة ميل أصحاب هذه النظرية صوب القارئ وعده المنتج الحقيقي والوحيد للمعنى الأدبي اقترح أصحاب مدرسة جنيف النقدية حلا وسطا بين القصدية والقراءة والتلقي وهو إقامة المعنى الأدبي على ثنائية الإنتاج بين القارئ والمؤلفة معا ، وفي ضوء ما تقدم يتضح أن التحليل السيميائي يقرا ما بين السطور ويستكشف العلاقات الدلالية غير المرئية، وهو يتأثر بشخصية من يقوم به وبالسياق الذي حوله ، لأنه يربط النص بالواقع ، لذلك قد يختلف التحليل من شخص إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى ومن فترة زمنية إلى أخرى ، وهو مجال خصب للإبداع لعدم وجود القيود عليه ، سوى وجود دلائل على صحة هذا التحليل من عدمها.
ما يميز الروائية منال رضوان شعرية السرد في كتابة روايتها الرائعة ( سماء مغادرة) تناولت واقعية الحدث , وبما تحمل هذه الرواية من رمزية تحتاج إلى القارئ المثقف , الذي لديه القدرة النقدية على كشف معاني الكلمات المضمرة , والمبثوثة في ثنايا هذه الرواية القصيرة في نصها ,والبديعة في معناها , والتي تناولت موضوعة الحب ,والفلسفة, والعشق والهيام, والحرب المدمرة , والتناص الديني الواضح مع قصة النبي يوسف عليه السلام, وزليخة ,ودور المرأة المثقفة, والواعية التي سطرت الرؤيا إلى حقيقة واقعة من خلال كتابتها لأطروحتها عن الرحلة الجامعية الممتعة التي بات بالفشل في حياتها الرومانسية لأنها تزوجت من شخص لا ترغب فيه , وتميز أسلوب المبدعة المتألقة الدكتورة منال رضوان بالأسلوب السهل الممتنع بحيث انك تتشوق إلى الأحداث المترابطة ,والمتماسكة من خلال الحبكة القوية , وقدرتها الأدبية على ربطها ,والحديث بشكل متسلسل عن الأحداث من خلال الرسائل المتبادلة مع نبيل.

ناقد أكاديمي وقاص عراقي

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!