غزل ورقيّة/ بقلم:حيدر حسين سويري

قصة قصيرة جداً: في موسم الحج، حين كانت شاشات التلفاز تمتلئ بصور الحجاج وهم يرمون الجمرات، وقف الشيخ العجوز “سلمان” وسط زقاق ضيق في بغداد وقال بحسرة: “الناس تروح ترجم الشيطان هناك… بس الشياطين الحقيقية ظلّت هنا.” ضحك الرجال الجالسون بالمقهى بمرارة، لأن الجميع يعرف أن الشيطان لم يعد مخلوقًا خفيًا بقرنين وذيل، بل صار يرتدي بدلة رسمية أحيانًا، أو عباءة دين، أو حتى وجه قريبٍ من العائلة. كان العراق في تلك السنوات يشبه بيتًا قديمًا تُرك بابه مفتوحًا لكل الذئاب. بعد دخول العراق الكويت وفرض الحصار واندلاع حرب عاصفة الصحراء، تلتها عذابات العصابة الحاكمة، ثم جاءت الضربة القاضية (حرب السقوط 2003)، تغيّرت الوجوه، تغيّرت القلوب، تغَّير كُل شيء، وصار الخوف يسكن داخل البيوت بدل الشوارع. وقصص الرعب أكثر من أن تحصى… في حيٍّ فقير، كانت تعيش الطفلتان: غزل ورقيّة. طفلتان تلعبان بالطين، تحلمان بدراجة هوائية، وبعيدٍ لا يوجد فيه صراخ ولا فقر. غزل كانت تؤمن أن خالها رجل طيب. كان يشتري لها الحلوى أحيانًا، ويضحك بوجهها. أما رقيّة، فكانت تخاف من نظرات الكبار دون أن تعرف السبب. لكن في ذلك الزمن، لم يعد الوحش يأتي من الغابة… بل من داخل العائلة نفسها. كانت أمّ غزل غارقة بالفقر والخذلان، وأمّ رقيّة غارقة بعلاقات مظلمة وأنانية عمياء. وفي ليلة خانقة، اجتمع ثلاثة رجال داخل مقهى شعبي، يتبادلون الضحكات والسجائر، بينما الشيطان يجلس بينهم كصديق قديم. اتفقوا على جريمة. ليس لأنهم جائعون… بل لأن أرواحهم ماتت منذ زمن. اتصل الخال بأختهِ وقال بخبث: “نسيت أعطي غزل فلوس… خليها تطلع تشتري.” خرجت غزل مع رقيّة، تظنان أنهما ذاهبتان لشراء الحلوى. كانت السماء تميل للغروب، والشارع خاليًا إلا من كلابٍ تنبش القمامة. ثم اختفتا. في مكان مهجور خارج المدينة، سقط آخر قناع للإنسان. تحوّل الرجال إلى وحوش، بلا رحمة، بلا شرف، بلا خوف من الله. صرخت غزل كثيرًا… لكن العراق في زمن السقوط لم يعد يسمع صراخ الأطفال. وحين انتهوا من جريمتهم، حاولوا دفن الحقيقة مع الجسد الصغير. أما رقيّة، فقد تُركت حيّة، لا رحمةً بها… بل لتعيش عمرًا كاملًا داخل سجن الرعب. عادت الطفلة وهي لا تتكلم. عينان فارغتان، وصوت مات قبل أن يخرج. قال الأطباء إنها “صدمة”. لكن الحقيقة كانت أكبر من كلمة. كانت روحًا مكسورة رأت الوجه الحقيقي للعالم. وفي اليوم التالي، امتلأت مواقع التواصل بالغضب. الناس تلعن المجرمين، تشتم الزمن، تبكي على العراق. لكن الشيخ سلمان عاد للمقهى وقال بصوت مرتجف: “المشكلة مو بجريمة وحدة… المشكلة إن الناس تعودت.” ساد الصمت. ثم أكمل: “زمان، الأب كان أمان… الخال ستر… الجار سند… اليوم صار الطفل يخاف من أقرب الناس إله.” رفع رأسه نحو السماء، حيث كانت طائرة تقلّ الحجاج تعبر بعيدًا، وقال: “مو كل من رمى حجر على الجمرات صار طاهر… بعضهم ترك شياطينه تأكل الوطن وترجعله بعد الحج.” في تلك الليلة، حلمت رقيّة بحقلٍ واسع، تركض فيه غزل وهي تضحك. كانت ترتدي فستانًا أبيض وتحمل بيدها وردة. سألتها رقيّة: “ليش تركتيني وحدي؟” ابتسمت غزل بحزن وقالت: “حتى تكبرين وتحجين… لأن السكوت خلّى الوحوش تكبر.” استيقظت رقيّة تبكي. أما بغداد… فبقيت مستيقظة هي الأخرى، تعدّ ضحاياها بصمت، وتنتظر يومًا يعود فيه الإنسان إنسانًا  من جديد

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!