بقلم:نوال عايد الفاعوري
ليست بعض الروايات مجرد حكايات تُقرأ ثم تُطوى صفحتها الأخيرة وينتهي أثرها، بل هي عوالم كاملة ندخلها ونخرج منها أشخاصًا آخرين. ورواية «خليلة الشيطان» واحدة من تلك الأعمال النادرة التي لا تكتفي بأن تحكي قصة، بل تتسلل إلى أكثر المناطق هشاشة في النفس الإنسانية، وتضع القارئ في مواجهة ذاته، عاريًا من يقيناته ومبرراته.
منذ عنوانها، تثير الرواية فضول القارئ وتمنح النص بعدًا رمزيًا كثيفًا. فـ«خليلة الشيطان» قد لا تكون امرأة بعينها، بقدر ما هي ذلك الصوت الخفي الذي يعرف نقاط ضعفنا جيدًا، ويهمس لنا بأن الخطوة الأولى ليست خطيئة، وأن كل انزلاق يمكن تبريره، وأن الإنسان قادر دائمًا على إنقاذ صورته أمام نفسه مهما فعل. غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن الإنسان لا يُهزم عند لحظة السقوط، بل عند اللحظة التي يتوقف فيها عن الاعتراف بأنه سقط.
تطرح الرواية إشكالية إنسانية عميقة، إذ لا تجعل الصراع بين الخير والشر معركة خارجية تدور بين الإنسان والعالم، وإنما تنقله إلى داخل النفس البشرية نفسها. هناك، في تلك المنطقة المظلمة والملتبسة، تدور المعركة الحقيقية. والمرأة في الرواية لا تُقدَّم بوصفها جسدًا للإغواء، بل بوصفها مرآة تكشف هشاشة الرجل، وتربك الصورة المثالية التي رسمها عن نفسه، وتضعه أمام تناقضاته التي طالما تهرب من رؤيتها.
ولا ملل في حضرة الدهشة التي تقدحها عبارات الرواية المفعمة بالحياة، ولا في كهوف معانيها التي تنتظر قارئًا قادرًا على اكتشاف كنوزها. إنها رواية تستعيدك إليها كلما انتهيت من قراءتها؛ فتعود لتقرأ بعض فقراتها الآسرة، وتتذوق جملها، وتتحسس وقعها في قلبك، وتسمع صداها في عقلك، فتعتريك تلك الرعشة النادرة التي لا يوقظها إلا الأدب العظيم.
والرواية الحقيقية هي تلك التي لا تشعرك بالغربة بين شخصياتها. تشعر أنك واحد منهم؛ تحزن لحزنهم، وتفرح لفرحهم، وتضحك لضحكهم، وتتألم لآلامهم. ثم، حين تودعهم في نهاية رحلة القراءة، يهمسون في أذنك: لن نذهب بعيدًا… سنظل هنا، نعشش في ذاكرتك، وننضم إلى ذلك الفردوس السري الذي نسميه: جنة الكتب.
بعد قراءة «خليلة الشيطان» سيتغير فيك شيء ما. قد لا تستطيع تحديده بدقة، لكنه سيكون حاضرًا في نظرتك إلى نفسك وإلى الآخرين. وهذا الأثر العميق هو أحد أهم معايير النص الأدبي الكبير في نظريات التلقي الحديثة؛ أن يترك في قارئه شرخًا صغيرًا في اليقين، أو سؤالًا لا يكف عن العودة.
وإذا سُئلت: ما الرواية الوحيدة التي ترغبين في اصطحابها معك في رحلة إلى المريخ؟ فلن أتردد في اختيار «خليلة الشيطان». لا مبالغة في ذلك؛ فقد قرأتها بشغف، ودفعني تشويقها إلى خاتمتها، ثم أعادني من جديد إلى بدايتها في رحلة أخرى بين صفحاتها، كأن القراءة الأولى لم تكن سوى تمهيد لقراءة أعمق.
اقرؤوها وكأنها آخر رواية سيكتبها إنسان على أرض ستؤول إلى لا شيء مع آخر كلمة فيها. ثم أعيدوا قراءتها بالإيقاع ذاته؛ فلعل الأرض، وهي تصغي إلى قراءتكم، تكف عن عبثها وترنحها، وتستمر في الدوران.
أما السؤال الذي تطرحه الرواية: «فلمن تكون الغلبة؟» فالإجابة ليست للرغبة دائمًا، ولا للإيمان دائمًا، بل لذلك الجزء الذي نغذيه في داخلنا. فكثيرًا ما يسقط الإنسان ليس لأنه ضعيف فحسب، بل لأنه يمتلك قدرة مذهلة على اختراع المبررات. والتبرير هو الوجه الأكثر تهذيبًا للهزيمة؛ يمنح السقوط لغةً تبدو منطقية ومقبولة، ويمنح الخطأ ثوبًا من الحكمة الزائفة.
ولعل أجمل ما في خاتمة الرواية أنها لا تُصدر حكمًا أخلاقيًا جاهزًا، ولا تدين أحدًا، بل تترك القارئ واقفًا أمام مرآته الخاصة. فالسؤال الحقيقي ليس: هل كنت ستقاوم؟ بل: كم مرة أقنعت نفسك بأن ما فعلته لم يكن سقوطًا، بل خيارًا اضطررت إليه؟
وهنا تكمن عبقرية «خليلة الشيطان»؛ إنها لا تحكي عن سقوط الآخرين، بل تجعل كل قارئ يفتش بصمت عن شياطينه الصغيرة، وعن المرات التي منح فيها هزائمه أسماءً أخرى.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية