لعبة الأقنعة وتفكيك الذات: البيرسونا في المجموعة القصصية “العنكبوت” للقاص أكرم الزعبي

رؤية نقدية بقلم الناقدة منال العبادي 

. تطرح المجموعة القصصية “العنكبوت” للقاص الأردني أكرم الزعبي سؤالاً جوهرياً حول ماهية الذات وعلاقتها بالأقنعة الاجتماعية التي ترتديها. ففي عصر تتضاعف فيه صور الإنسان الرقمية والاجتماعية، تعود بنا هذه النصوص إلى سؤال قديم متجدد هل نملك ذاتاً ثابتة خلف أقنعتنا، أم أننا لسنا سوى مجموع تلك الأقنعة المتغيرة؟ وما الذي يحدث حين تتداخل الأصوات داخلياً حتى تعجز عن تمييز الحقيقي من المصطنع، الحي من الميت، الإنسان من الحشرة؟ عند العودة لنظرية إرفنغ غوفمان في “تقديم الذات في الحياة اليومية” التي ترى الحياة الاجتماعية مسرحاً نؤدي فيه أدواراً متعددة، ومفهوم الذات المتشظية الذي طورته الفلسفات الحداثية وما بعد الحداثية، والتي تنظر إلى الهوية كبناء لغوي وسردي متغير بدلاً من جوهر ثابت. “البيرسونا” في قرائتي هذه ماهي إلا إطاراً تأسيسياً لقراءة المجموعة، وسنحاول تتبع هذه اللعبة المعقدة بين الأقنعة في نصوص المجموعة وهذه القراءة ماهي إلا مقاربة أولية للنصوص. لو بحثنا في البيرسونا في المنظور الغوفماني الحداثي وقبل الغوص في نصوص الزعبي، لا بد من استحضار الإطارين النظريين اللذين سيؤطران هذه المقاربة، على أن نأخذهما كمنطلقين لا كقوالب جامدة، فالزعبي ليس مختبراً اجتماعياً بقدر ما هو فنان يحاور هذه الأفكار بلغة القص الخاصة به. غوفمان في كتابه الكلاسيكي “تقديم الذات في الحياة اليومية”، شبه التفاعل الاجتماعي بالمسرح، حيث ينقسم الفضاء إلى الواجهة حيث يؤدي الفرد دوره أمام جمهوره، مرتدياً قناعاً اجتماعياً محدداً، ومستخدماً أدوات دعم (الأثاث، الملبس، اللغة) لتأكيد هذا الدور، والكواليس حيث يخلع الفرد قناعه، ويسترخي، ويعيد ترتيب أدواته، ويكون “على طبيعته” – إن وجدت هذه الطبيعية أصلاً. لكن غوفمان يتجاوز هذه الثنائية ليؤكد أن “الذات ليست ملكاً للفرد، بل نتاج للموقف التفاعلي”، أي أن الإنسان ليس ممثلاً يؤدي دوراً بقدر ما هو الدور نفسه حين يؤديه. وهذا ما يقودنا إلى السؤال الصعب: هل هناك ذات خلف القناع، أم أن القناع هو كل ما لدينا؟ يضاف إلى المنظور الغوفماني قراءات فلسفية أحدث ترى الذات كبناء لغوي وسردي، بدلاً من جوهر ثابت، في سياق الفلسفة الوجودية وما بعد البنيوية. يمكن إجمال أهم ملامح هذه الرؤية في النقاط التالية، الذات كسردية متغيرة، فنحن من نروي أنفسنا باستمرار، وفي كل رواية نعيد اختراع هويتنا؛ والذات كتشظٍ، إذ لا توجد ذات واحدة بل ذوات متعددة تتنازع داخل الفرد (كما في مفهوم “تعدد الأنا”)؛ والموت كمواجهة للذات العارية، حيث تسقط كل الأقنعة الاجتماعية ليبقى الإنسان وحيداً مع حقيقة وجوده (كما في فلسفة هايدغر حول “الوجود للموت”). هذان المنظران – الغوفماني والحداثي – سيشكلان أداتنا في تتبع لعبة الأقنعة في “العنكبوت”، لكننا سنترك للنصوص مساحتها لتخبرنا عن نفسها خارج هذه الأطر، لعله يكون أقرب إلى قراءة منصفة. ومن هذه الأقنعة المتعددة في فضاءات المجموعة نجد قناع الشيخ المعالج، الجدل بين السلطة والهشاشة في قصة “تعويذة حب” (أو ما تشير له قصة الشيخ فرحان/فرحان العقرب)، نجد النموذج الأكثر تعقيداً للبيرسونا في المجموعة، فالشخصية التي تبدأ كرجل عادي، تتحول إلى مرجعية دينية واجتماعية بفعل ثقة الجماعة، ثم تكتشف أنها كانت طوال الوقت موضوعاً لنمذجة خفية من زوجتها عبر تعويذة سحرية. ثم تتعدد الأقنعة في هذه القصة على مستويات ثلاث، قناع القداسة حيث يتحول الراوي إلى “شيخ” في قريته، فيُقدم للإمامة ويُطلب منه حل المشكلات الاجتماعية، وهذا القناع يُصنع من الخارج عبر توقعات الجماعة، كما يوضح غوفمان حين يشير إلى أن الدور الاجتماعي يُنتج بالتفاوض بين الفاعل والجمهور، “جعل أهل القرية ينادونني بالشيخ، ويقدمونني أحياناً للإمامة في الصلاة حين يغيب الإمام”، ثم قناع الخداع حيث يمارس الشيخ فرحان نفسه لعبة الأقنعة حين يكتب تعويذات سحرية للآخرين، وهو يعرف أنها مجرد حبر على ورق، وهنا يصبح القناع أداة واعية للسلطة، حيث يستغل الفرد آليات النمذجة الاجتماعية لصالحه، بعد ذلك فضح القناعين حيث تحدث اللحظة الأكثر عمقاً حين يكتشف الشيخ أن التعويذة التي كتبها لزوجته لضمان طاعتها ليست سوى خدعة، وأن زوجته كانت تمارسه بلعبة الأقنعة نفسها، فيقرأ الراوي التعويذة التي وجدها في الفراش القديم، “هذه تعويذة سحر المحبة، كتبها فرحان العقرب، لسميرة المنصور… بأن لا يعصي لها أمراً، ولا يخالف لها قولاً”، وفي تلك اللحظة تتقابل الأقنعة وتتناثر، ويضحك الراوي “كثيراً حتى بكى”. هذا الضحك/البكاء هو لحظة وعي غوفمانية خالصة حيث يدرك الفرد أنه كان يؤدي دوراً على واجهة المسرح (الشيخ القدير)، بينما كانت زوجته تدير خيوط اللعبة من الكواليس، وحين يتكشف الخيوط معاً تنهار ثنائية الداخل/الخارج، ليصبح السؤال أين الحقيقة إذاً؟ لعل الزعبي هنا يلمح إلى أن الذات قد لا تملك من الحقيقة إلا وعيها بهشاشة أقنعتها. ولبست المجموعة قناع اللغة والطبقة، حين يصبح الكلام قيداً ففي قصة “لغتي أكبر من لغة العاملات”، يطرح الزعبي البيرسونا عبر اللغة كأداة للتمييز الطبقي. المتحدث الذي يعلن أن “لغتي أكبر من لغة العاملات” يرتدي قناعاً لغوياً يخفي وعياً طباقياً متأصلاً، حيث تصبح اللغة مقياساً للقيمة الاجتماعية و هنا يتقاطع غوفمان مع علم الاجتماع اللغوي الذي فيه اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل جزء من “مجموعة الأدوات الداعمة” التي يستخدمها الفرد لتأكيد دوره الاجتماعي، فالمتحدث لا يتحدث فقط، بل يؤكد عبر لغته موقعه في الهرم الاجتماعي، ويضع العاملات في موقع أدنى. لكن الزعبي لا يكتفي بعرض هذا القناع، بل يظهر هشاشته من خلال الحوارات التي تكشف عن وعي الطبقات المهمشة، وكأنه يقول إن الأقنعة اللغوية – مهما بدت صلبة – قابلة للانكشاف والتفكيك، خاصة حين يصبح الوعي بالاختلاف طبقيّاً أو جندريّاً، وهو ما قد يحيل إلى علاقات القوة غير المتكافئة داخل النص نفسه. وفي قصة “النحلة” التي تخاطب الملكة، نجد نموذجاً آخر للقناع اللغوي، الذكور الذين يخضعون لنظام لغوي صارم تفرضه الخلية، حتى أن أحدهم يصرخ: “اخرس، نريد أن ننام، لدينا في الصباح مسابقة العمر”، القناع هنا ليس فردياً بقدر ما هو جماعي، تفرضه المؤسسة (الخلية) على الأعضاء، بحيث يصبح الصمت في الوقت المناسب جزءاً من الدور المطلوب، والمفارقة أن الراوي نفسه يصرخ “لا، لا، لا” دون وعي منه، ليكتشف أن صرخته قد تفسر كتمرد، فيقول: “لم أكن أهدي بـ (لا) إنكاراً، إنها تعجباً ودهشة، وقد أفلت اللامات من لساني دون وعي”، هنا يصل بنا الزعبي إلى منطقة رمادية هل نملك وعياً كاملاً بأقنعتنا، أم أن بعضها ينزلق منا دون قصد، فنضطر بعد ذلك إلى إعادة تفسيرها وتبريرها؟ ثم تطرق إلى قناع العاشق المخلص أي الذوبان في الآخر، ففي قصة “الفراش القديم”، نجد نموذجاً آخر للبيرسوناوهو قناع الزوج المطيع/المخلص، فالعلاقة الزوجية تقوم على تمثيل متبادل، حيث يؤدي كل طرف دوراً متوقعاً منه، لكن الزعبي يكشف هذا القناع عبر التعويذة السحرية التي تكشف أن الطاعة لم تكن اختياراً بقدر ما كانت مفروضة بسحر، وهو ما يحيلنا إلى التساؤل، هل كان الزوج يؤدي دوراً حقيقياً أم كان مسحوراً فعلاً؟ وبغض النظر عن الإجابة، يظل السؤال الوجودي مطروحاً هل يمكننا القول إننا أحببنا بإرادتنا، أم أن الحب نفسه مجرد قناع نرتديه لتبرير حاجاتنا النفسية والبيولوجية للآخرين، وقد لا نملك حقيقة منه إلا ما نخترعه سردياً؟ وهذا ما يذكّرنا بطرح غوفمان عن “العمل العاطفي” (Emotional Work) في التفاعل الاجتماعي، حيث يؤدي الأفراد أدوارهم العاطفية وكأنها حقيقية، حتى وهم يعرفون – في العمق – أنها تمثيل، لكنهم يتمسكون بها للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والنفسي، وهذا التمثيل ليس تزويراً بالضرورة، بل هو شرط الحياة الاجتماعية نفسها، وهو ما يمنح القناع شرعية وجودية لا يمكن اختزالها ببساطة إلى خداع. ولو توجهنا إلى تفكيك الذات بين الجنين والميت والنحلة فالذات هنا في حالة الجنين قبل الأقنعة في نص “ها أجلك الأول”، يقدم الزعبي صورة للذات قبل تشكل الأقنعة الاجتماعية، في مرحلة الجنين أو الطفولة المبكرة، “كبيراً بدأت حياتك ثم بدأت تصغر، تتعلم أبجدية أحرفهم وتنسى ألف باء السر”. فالصورة التي يرسمها النص لطفل بدأ حياته كائناً حراً، ثم تم نمذجته اجتماعياً حتى أصبح “عجينة سهلة التشكيل بين أيديهم” و “صبوك في القالب الذي شاؤوه”، تطرح سؤالاً أساسياً عن البيرسونا، هل الأقنعة تُضاف إلى ذات جوهرية موجودة مسبقاً، أم أنها تشكل الذات نفسها من الصفر؟ النص يوحي بالثاني: الإنسان لا يولد بقناع، بل يصبح أقنعة متعاقبة عبر عملية التنشئة الاجتماعية، وكل قناع يمحو جزءاً من القناع السابق، حتى يصبح من المستحيل تذكر “ألف باء السر” الأولى. هذه الرؤية تتناغم مع الفلسفة الوجودية التي ترى أن الذات تُبنى عبر الاختيارات و٠الأفعال، لا أنها موجودة مسبقاً، لكن الزعبي يضيف بعداً تراجيدياً: فالفرد يظل يحن إلى ذات أولى فقدها، ولا يمكنه استعادتها إلا عبر وعيه بسقوط أقنعته، أو عبر لحظات الشعر حيث تطل الذات العارية مكشوفة ولو للحظة قبل أن تعود إلى التمويه اللغوي. ولكن هل هذا الحنين إلى “ذات أولى” ليس مجرد قناع آخر ترتديه الذات لتبرير اغترابها؟ ربما كان هذا التساؤل أحد الأسئلة التي تظل النصوص مفتوحة عليها بدلاً من حسمها. في قصة “السندباد”، يصل الزعبي إلى أعمق تجلي لتفكيك البيرسونا، حين تدرك الشخصية التي تدفن(الموت) وتترك وحيدة في قبرها أن “هذا المكان هو سجنه الأبدي، وأنه ينفرد الآن مع الصمت، اثنان لا ثالث لها إلا الحقيقة”. هنا يصبح الموت لحظة انكشاف للحقيقة، حيث تسقط كل الأقنعة الاجتماعية التي بنيت حول الفرد خلال حياته، ليصبح وحيداً مع وجوده العاري. يتجلى ذلك في كلمات الخطاط على شاهد القبر “أيها المار من هنا، لم يكن لك في الحياة متسع كمثل من يرقد في هذا المكان، أدرك نفسك قبل أن تدرك”، لكن المفارقة أن “إدراك النفس” لا يحدث إلا في الموت، حين لا تعود هناك حاجة للأقنعة، وحين تنكشف حقيقة أن كل الأدوار التي لعبناها في الحياة لم تكن سوى ستائر تخفي وحدتنا الوجودية. في هذا السياق، تبرز الذات المتشظية بأقصى درجاتها: الشخصية التي كانت معلماً، أو أباً، أو موظفاً، أو زوجاً، تكتشف أنها لم تكن سوى تلك الأقنعة، وأن “الحقيقة” التي وعد بها الخطاط لم تكن سوى وهم آخر، أو صدى لصوت الشيخ الذي “يشعرها بالأمان «إنك ميت وإنهم ميتون»” و “منها خلقناكم وفيها نعيدكم”، هذا الصوت الديني، رغم كونه يمنح الطمأنينة، يظل مجرد قناع آخر للحقيقة، أو تأويل لها بلغة الجماعة، لا الحقيقة نفسها التي تبقى عصية على التمثيل أو التعبير، لعلها تكمن في الصمت ذاته الذي ينفرد به الميت. في قصة النحلة، يقدم الزعبي نموذجاً فريداً لتشظي الذات حين يتحدث الراوي باسم كائن ليس إنسانياً، متخذاً صوت نحلة تخاطب الملكة(الأنسنة) . هنا تتحقق حالة من السيولة الوجودية حيث تتداخل الأصوات والكائنات، وتصبح الحدود بين الذوات غير واضحة وهذه التقنية السردية تحقق ما يمكن تسميته بـ”تفكيك البيرسونا” على مستوى السرد نفسه، عندما يتحدث الراوي باسم النحلة، فهو يخلع قناعه الإنساني ليرتدي قناعاً حيوانياً، لكن هذا القناع الجديد يكشف عن واقع أكثر قسوة، حيث يخضع الذكور لنظام الخلية الذي يحدد حتى أوقات الكلام والصمت، بل ويقرر مصيرهم بالموت بعد محاولة التزاوج مع الملكة. المفارقة هنا أن قناع النحلة ليس أقل قسوة من القناع الإنساني؛ بل هو نسخة مكثفة منه، فمن خلال هذا القناع، يفضح الزعبي النمذجة الاجتماعية في أقصى تجلياتها، حيث يتحول الأفراد إلى أدوات في نظام لا يرحم، وكأن القناع الحيواني يكشف ما يخفيه القناع الإنساني من وحشية العلاقات الاجتماعية. وهذه الرؤية يمكن مقاربتها مع ما يطرحه الفلاسفة عن السيرورة الحيوانية في الذات، لكنها تظل إشارة أولية لا تغني عن القراءة المتأنية للنص في سياقه الثقافي والأدبي. في المقطع الطويل الأخير من المجموعة، الذي يبدأ بعبارة: “لن أحاول هندسة الحروف أو زخرفة الكلمات”، يعلن الراوي خلع الأقنعة علناً، معترفاً بأنه طوال حياته كان “شارعاً عبرته نون النسوة” و “مزقه جمع المذكر”. هذا الإعلان يطرح السؤال الأهم: هل يمثل خلع الأقنعة تحرراً حقيقياً، أم أنه مجرد قناع آخر، هو قناع العراء/الصراحة؟ وظف الزعبي النص الأخير وكأنه بيان شعري بالتحرر من كل الأقنعة السابقة، فالراوي يعلن أنه لن يحاول إرضاء أحد، ولن يتصنع الجنون أو الضلال، بل سيكتب من أجل أن “يكون نفسه”: “فقط سأحاول أن أكونني لمرة، مرة واحدة فقط أمارس فيها حقي بإنسانيتي”، هذه العبارة تحمل وعداً بالذات الأصيلة، تلك الذات التي تفلتت منه طوال حياته تحت وطأة الأقنعة الاجتماعية المختلفة، إنها لحظة مماثلة لما يسميه غوفمان “العودة إلى الكواليس” حيث يخلع الفرد قناعه نهائياً، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: أليس هذا الوعد نفسه مجرد قناع جديد يرتديه الراوي ليبدو أكثر صدقاً من غيره؟ أليس في إعلان الرغبة في التحرر نوع من التمثيل أيضاً، خاصة حين يكتبه ويقدمه لقارئ سيتلقاه ويؤوله؟ يكشف النص نفسه عن وعي بهذه المفارقة(مفارقة الصراحة ) حين يقول الراوي: “هذه الكلمات سيفترها بعض متوسطي الذكاء بالرومانسية المبالغ فيها… وسيراها بعض أهل العلم هدراً لا نفع منها”، هذا الوعي المزدوج (بكتابة النص وبقراءاته المحتملة) يكشف عن أن الراوي لا يخلع قناعه بالكامل، بل يرتدي قناعاً آخر هو قناع المتنبه/المدرك، الذي يعرف أن كل كلمة ستُقرأ وتُؤول، فيكتب معترفاً بهذه القراءات مسبقاً، إنه قناع العراء الذي يظل قناعاً لأنه يدرك أنه يُرى، وهنا نصل إلى جوهر لعبة الزعبي فالبيرسونا في المجموعة ليست خداعاً يمكن تجاوزه، بل هي شرط الوجود الإنساني نفسه. لا يمكننا العيش بدون أقنعة، لأن الأقنعة ليست مجرد تمويه، بل هي الطريقة الوحيدة التي نتواصل بها مع الآخرين ونفهم بها أنفسنا. وما يسميه الراوي “خلع القناع” ليس أكثر من استبدال قناع بقناع آخر، لكن وعيه بهذه اللعبة هو ما يشكل تحرره الحقيقي، أو ربما وهم التحرر الذي يجعل العيش ممكناً. لا تقتصر لعبة البيرسونا في المجموعة على المستوى الموضوعي (الشخصيات التي ترتدي أقنعة)، بل تمتد إلى المستوى السردي نفسه، فالزعبي يوظف تقنيات سردية تعكس تشظي الذات وتعدد الأقنعة، تتنقل المجموعة بين رواة مختلفين(تعدد الرواة) ، تارة بصيغة المتكلم (أنا) وتارة بصيغة الغائب (هو)، وأحياناً بصيغة المخاطب (أنت)، هذا التنوع الصوتي يحقق تشظياً في وجهة النظر، وكأن ذاتاً واحدة لا تكفي للتعبير عن تجربة الوجود، في قصة النحلة، يتحدث الراوي بلسان نحلة، وفي قصة السندباد بلسان ميت، وفي النص الأخير بلسان كاتب يعلن تحرره وكل هذه الأصوات هي أقنعة سردية يرتديها المؤلف، لكنها ليست أقنعة زائفة بقدر ما هي تجارب وجودية مختلفة، يحاول من خلالها استنطاق جوانب متعددة من الذات. ومن أبرز تقنيات الزعبي السردية تحويل القارئ إلى طرف في لعبة الأقنعة(لعبة المخاطَب والمُخاطِب) ، ففي كثير من النصوص، يتوجه الراوي مباشرة إلى القارئ بكلمات مثل: “اسمعيني جيداً”، أو “أيها المار من هنا”، مما يكسر الجدار الرابع ويجعل القارئ شريكاً في أداء الأدوار. هذه التقنية تحقق ما يمكن تسميته بـ”بيرسونا القراءة”، حيث يصبح القارئ نفسه مرتدياً قناعاً في تفاعله مع النص، وهذا ما يتوافق مع رؤية غوفمان في أن الأداء المسرحي لا يتم دون جمهور، وأن الجمهور جزء من إنتاج المعنى والدور معاً. ربما كانت السمة الأكثر تميزاً في سرد الزعبي هي قدرته على إذابة الحدود بين الكائنات المختلفة (سيولة الكائنات) : إنسان، نحلة، جنين، ميت، شبح، هذه السيولة السردية تعكس رؤية فلسفية للذات ككيان غير مستقر، يتشكل ويتفكك باستمرار عبر العلاقات والتفاعلات. في قصة “الناموس”، يتحول الكابوس إلى واقع، وتصبح الحشرات تجسيداً للهواجس الداخلية، وهنا الذات لا ترتدي قناعاً فحسب، بل تتحول إلى كائنات متعددة، وكأنها تعكس تعدد الأقنعة التي ترتديها في حياتها اليومية: قناع الخائف، المذعور، العاجز، الضحية، كلها تظهر في صورة الناموس الذي يغرس إبرته في جسد الراوي دون رحمة. فهل كان الهروب من الحشرات ممكناً، أم أن الهروب نفسه كان مجرد لعبة أخرى من لعبة الأقنعة التي لا تنتهي؟ نصل إلى ما يمكن اعتباره جوهر لعبة البيرسونا في المجموعة: العلاقة بين الأقنعة والموت(خلع القناع في مواجهة الموت)، ففي قصة السندباد، وفي لحظة العزلة في القبر، تسقط كل الأقنعة الاجتماعية، وتواجه الذات حقيقة وجودها العارية، لكن الزعبي لا يقدم الموت كحل أو خلاص، بل كمرآة تعكس هشاشة الحياة وأقنعتها. يقول النص في قصة السندباد: “التراب هو الحقيقة الأولى والأخيرة(الموت كفضح للأقنعة) ، هو البداية والنهائية وما أنت بينهما إلا قطرة ماء تتطاير مع أول خيط ترسله الشمس ليعود كما كان”، هذا الخطاب، الذي يصل الشخصية وهي في قبرها، يمثل لحظة انكشاف البيرسونا، ففي الحياة كان الفرد يرتدي أقنعة متعددة: الابن، الأب، الموظف، الزوج، المؤمن، العالم… لكن في الموت تسقط كل هذه الأقنعة ليبقى فقط “قطرة ماء تتطاير”. إنها لحظة وجودية خالصة، حيث تنكشف الذات كمجرد وجود عابر في الكون، بعيداً عن كل البنى الاجتماعية التي كانت تشكل هويته. لكن المفارقة أن حتى هذه اللحظة الوجودية لا تخلو من قناع فالصوت الذي يصل الشخصية هو صوت الشيخ الديني، أي أنه قناع آخر للحقيقة، أو تأويل لها بلغة المؤسسة الدينية، وهكذا، حتى في الموت، لا يمكن للذات أن تهرب من لعبة الأقنعة تماماً. قد نذهب أبعد من ذلك لنقول إن الزعبي يقدم الموت نفسه كقناع للحياة، ففي قصة السندباد، الموت ليس نهاية، بل بداية لوعي جديد، ومن خلال تجربة الموت تستطيع الشخصية أن ترى حياتها السابقة بوضوح، وتدرك أن كل ما كانت تظنه حقيقياً كان مجرد قناع. هذه الرؤية تتناغم مع فلسفة هايدغر في “الكينونة والزمن”، حيث يشكل الوعي بالموت شرطاً لتحقيق الوجود الأصيل، فالموت ليس مجرد نهاية، بل هو الأفق الذي من خلاله ندرك حياتنا ونعطيها معنى، وبهذا المعنى يصبح الموت نفسه قناعاً نرتديه لنفهم الحياة، أو لعبة أخرى في لعبة الأقنعة التي لا تنتهي. في المجموعة القصصية “العنكبوت”، لا يقدم أكرم الزعبي البيرسونا كخداع يمكن التخلص منه ، بل كجزء من لعبة الوجود الإنساني ذاته. فالإنسان لا يمكنه العيش بدون أقنعة، لأن الأقنعة ليست مجرد تمويه اجتماعي، بل هي الطريقة الوحيدة التي نتواصل بها مع الآخرين ونفهم بها أنفسنا. وما نسميه “الذات” ليس أكثر من مجموع الأقنعة التي نرتديها، والوعي بهذه اللعبة هو ما يشكل تحررنا الوحيد الممكن( لعبة لاتنتهي). لكن هذا التحرر يظل مؤقتاً ومشروطاً، ففي كل مرة نظن أننا خلعنا قناعنا، نكتشف أننا ارتدينا قناعاً جديداً، هو قناع العراء أو الصراحة.

وهكذا تستمر اللعبة بلا نهاية، وربما كان هذا هو بالضبط ما يريده الزعبي منا، أن ندرك أن السؤال عن “من يتكلم؟” و”بأي قناع؟” ليس سؤالاً عارياً يمكن حسمه، بل هو جزء من متعة النص وإشكاليته، تماماً كما هو جزء من متعة الحياة وإشكاليتها. وإذا كان غوفمان قد قال إن الحياة مسرح، فإن الزعبي يضيف أننا في هذا المسرح لا نمثل أدواراً مكتوبة مسبقاً، بل نكتب أدوارنا أثناء تمثيلها، ونعيد كتابتها في كل مرة نكتشف فيها أننا كنا نرتدي قناعاً. وهذه الكتابة المستمرة هي ما يسمى حياة، أو ربما ما يسمى أدباً، أو ربما لا شيء سوى صدى لعبة الأقنعة ذاتها التي نعيشها ولا ندركها إلا حين نكتب عنها أو حين نموت، أو حين نقرأ قصة تحكي لنا عن نحلة تبحث عن ملكتها. هل بالإمكان تحرر الأدب نفسه من لعبة الأقنعة، أم أنه أيضاً قناع آخر؟ مجموعة العنكبوت لأكرم الزعبي اتقنت لعبة الأقنعة والتنطع على خيوط نسجها من(النسيج والخيط والفخ والافتراس والضعف ) .

 

أما علاقة العنوان بـ”البيرسونا”، فيكشف لنا الزعبي أن العنكبوت ليس مجرد استعارة زخرفية، بل نواة دلالية تضيء فلسفة المجموعة كلها؛ فالعنكبوت ينسج خيوطه من جسمه، كما تنسج الذات أقنعتها من مادتها الخاصة، لكنه يعلق في شبكته التي نَسجها، وكأن الإنسان يعلق في أقنعته التي ابتكرها للتواصل والسيطرة. وهذه الشبكة ليست بيتاً آمناً، بل فخاً علائقياً تُصطاد فيه الشخصيات وتُصطاد معها، تماماً كما يُصطاد القارئ في شبكة النص نفسه. كما يعكس العنكبوت تشظي الذات وتعدد أصواتها، فهو كائن واحد ينسج خيوطاً متعددة الاتجاهات، كالراوي الذي يتنقل بين “أنا” و”هو” و”أنت”، أو الشخصيات التي تذوب في كائنات أخرى كالنحلة والجنين والميت. وحتى في لحظة الموت، حين تتفكك الشبكة العلائقية، تظل مادة الذات سائلة غير محددة، ويبقى صوت التأويل الديني واللغوي يمتد شبكته إلى ما بعد القبر، ليثبت أن لا مفر من لعبة العنكبوت التي لا تنتهي. والأعمق أن العنكبوت يحمل أبعاداً إضافية تغيب عن الناقدة، كالافتراس في علاقات القوة، وشفافية الخيوط التي لا تُرى إلا حين الوقوع فيها، واستمرارية النسيج اليومي للأقنعة، وانقلاب دور الأنثى التي تلتهم الذكر، ما يحيل إلى قصة النحلة والملكة وتعويذة الزوجة. هكذا يصبح العنوان قناعاً مزدوجاً ظاهراً يوحي بالحشرة والفخ، وباطناً يختزل اللعبة اللامتناهية بين الذات وأقنعتها، ليلخص الزعبي فلسفته كلها في كلمة واحدة: نحن عناكب ننسج من ذواتنا عالماً نعيش فيه ونصطاد به أنفسنا والآخرين، ولا نعرف إن كنا صيادين أم فريسة، أم أن الفرق بينهما مجرد قناع آخر في شبكة لا حدود لها.

 

 

 

قائمة المصادر والمراجع · غوفمان، إرفنغ. تقديم الذات في الحياة اليومية. ترجمة: أحمد زكي. عالم المعرفة، 1992. · هايدغر، مارتن. الكينونة والزمن. ترجمة: فتحي المسكيني. دار التنوير، 2012. · دريدا، جاك. كتابة الاختلاف. ترجمة: كمال أبو ديب. دار الطليعة، 1993. · الزعبي، أكرم. العنكبوت (مجموعة قصصية). دار أزمنة، 2015

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!