ما بين الأَدب والفن حكاية كما بين الروح والجسد ؛ حكاية

بقلم رندة عبد العزيز

* منذ أن خطَّ الإنسان أولى كلماته على صفحات الزمن ، ورسمَ أولى خطوطه على جدران الكُهوف ، بدأت الحكاية الكُبرى التي جَمعَت الأدب بالفن في علاقةٍ تُشبه الروح بالجسد ؛ فكلاهما نافذة يُطلُّ فيها الإنسان على ذاته ، ومرآة يعكسُ بها مشاعره وأفكاره وأحلامه .
وإذا كان الفنُّ لغةَ العين التي تُجسِّد الجمال بالألوان والأشكال والألحان ، فإن الأدب هو لغة الروح التي تُتَرجمُ الإحساس إلى كلمات تنبضُ بالحياة .

* ليس الأدب والفن طريقين متوازيين يسيران نحو غاية واحدة فحسب ، بل هما نهران قديمان يخرجان من عينٍ إنسانية واحدة ، ثُمَّ يتفرعان في دروب التعبير ليعودا ويلتقيا في بحر الجمال .
فمنذ أن وَعَى الإنسان دهشتهُ الأولى أمام الكون ، وحاولَ أن يمنح خوفه اسمًا ، وفرحَهُ نغمةً ، وحنينهُ صورةً ، وُلِدَ الأدب إلى جوار الفن كأخٍ لا يُنافس أخاه ، بل يُكمِل نقصه ويضيء زواياه الخفيِّة .

* إن المُتأمِل في تاريخ الأدب العربي يُدرك أن الكلمة لم تكن يوماً وسيلة للتواصل وحده ، بل كانت موطنًا للروح ، ومرآة للوجود ، وفضاءً رحبًا تُحلِّقُ فيه الأسئلة الكُبرى للإنسان .

* لقد عَرَفَ العربيّ القديم سِرَّ الموسيقى الكامنة في الحروف قبل أن تُصاغ نظريات الإيقاع ، فأقامَ للشِّعرِ موازينه ، وجَعل من القصيدة بناءً تتجاوز فيه الحِكمة والعاطِفة، والفِكرة والصورة ، والصوتُ والصمتُ، حتى أصبحت الكلمة كائنًا نابضًا له ظِلَّهُ ونوره ، وله أنفاسهُ التي تُسمع في أعماق المُتلقي قبل أن تصلَ إلى أذنه .

*وإذا كانت اللَّوحة التشكيليّة تُمسكُ باللَّحظة الهاربة وتُخلِّدها في أسر اللون ، وكانت الموسيقى تُذيب المشاعر في مجرى من الأنغام لا يُرى ولكنه يُلامسُ أعمق مناطق الشعور ، فإن الأدب يمتلك معجزةً خاصة ، فهو الفن الذي يَخلقُ لوحتَه من غياب اللَّون ، ويصنع موسيقاه من صمتِ الورق ، ويبني عمارته الشاهقة من مادة لا تُرى : { الحرف } .

* ولعلَّ هذه القُدرة على تحويل المجرّد إلى محسوس؛ هي التي جعلت الأدب أكثر الفنون قربًا من سِرِّ الإنسان الداخلي ، لأنه لا يَعرض العالم كما هو فحسب ، بل يُعيد خلقَه وفق رؤية بعيدة تجعل المألوف أكثر دهشة والعابر أكثر خلودًا ، ومع ذلك فإن هذا التشابه العميق بين الأدب والفنون الأخرى لا يمحو الحدود التي تَمنح كلّ فن فرادته الخاصة .
فالرسَّام يترك بصمته في حركة اللون وانكسارات الضوء ، والموسيقي يترك أثره في الذبذبات التي تعبُرُ إلى القلوب دون استئذان ، أما الأديب فإنه يزرع بذور المعنى في أرض الخيال ثم يترك لكل قارئ أن يسقيها من تجربته وذكرياته وأحلامه ؛ لذلك لا تُقرأُ القصيدة مرتين بالطريقة نفسها ، ولا تولَدُ الرواية ذاتها في وجدان قارئين مختلفين .

* وما يُميِّز الأدب العربيّ على وجه الخصوص؛ أنه لم يكتفِ بأن يكون سجلاً للحياة، بل أصبح صانعًا لوعيها وذاكرتها .
فقد حملت نصوصه على امتداد العصور أصوات العاشقين والحكماء والثائرين والحالمين ، وجعلت من اللغة العربيّة كائنًا حيَّا قادرًا على التجدّد دون أن يتخلّى عن جذوره مثل ، شجرة عتيقة تضربُ جذورها في عمق الأرض بينما تظلُّ أغصانَها مفتوحة على رياح الأزمنة القادمة .

* إنَّ الحكاية التي تجمع الأدب بالفن ليست حكاية تشابه في الوسائل أو تقارب في الأشكال ، وإنما هي حكاية بحثٍ أبديّ عن المعنى الكامن خلفَ الأشياء ، فالفنان حين يصنع لونه الأخير على اللَّوحة ، والشاعر حين يصنع كلمته الأخيرة في القصيدة لا يُعلِنان نهاية العمل ؛ بل يبدآن رحلة جديدة في قلب المُتَلقي ، إذ أنَّ الجمال الحقيقي لا يكتمل في لحظة الخَلق وحدها ؛ وإنما يكتمل حين يجدُ روحًا أخرى تُصغي إليه.

* وهكذا يظلُّ الأدب والفن كنجمتين في سماء الحضارة الإنسانية ؛ قد يختلفان في الضوء الذي يُرسله كلٌّ منهما ، لكنهما يهتديان إلى الأفق ذاته .
فإن كان الفن يُعَلِّمُ العين كيف ترى ما وراء الأشياء ، فإن الأدب يُعَلِّمُ الروح كيف تُصغي إلى ما لا يقال .

وبين الرؤية والإصغاء تولَدُ تلك الحكاية الأزليَّة التي لا تنتهي :
حكاية الإنسان في بحثه الدائم عن المعنى والجمال والخلود .

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!