بقلم ليلى صليبي.
القراءةُ النقديةُ:
يأتي نصُّ “سُكرة الانتشاء” محمّلًا بطاقةٍ وجدانيةٍ عاليةٍ، ويقومُ على تجربةٍ عشقيةٍ لا تُروى بقدرِ ما تُعاشُ عبرَ الصورةِ والحسِّ والموسيقى الداخليةِ. فالشاعرُ لا يصفُ المحبوبةَ من الخارجِ، بل يجعلُها فضاءً تتداخلُ فيه الطبيعةُ بالحلمِ، والقبلةِ بالمدينةِ، والياسمين بالبياضِ، حتى يغدوَ الحبُّ حالةً من الذوبانِ في الجمالِ.
عتبةُ العنوانِ «سُكرة الانتشاء» موفّقةٌ؛ إذ تختزلُ الحالةَ الشعوريةَ التي سيبني عليها النصُّ عالمَه. فالانتشاءُ هنا ليس مجرّدَ فرحٍ عابرٍ، وإنّما حالةٌ وجدانيّةٌ تفقدُ فيها الذاتُ حدودَها، وهو ما يتأكّدُ في الخاتمةِ: «دعينا نغرق في العناق / حدّ التلاشي / نتوه في لُجّة الهيام».
ويبدأُ النصُّ بصورةٍ لافتةٍ:
«يا أغنية الفجر في سرّة الحياة
وسرّ النجوى»
حيثُ تتحوّلُ المحبوبةُ إلى أغنيةٍ وفجرٍ وسرٍّ، وهي مفرداتٌ تنتمي إلى حقلِ النورِ والبداياتِ والصفاءِ. ثمَّ تتّسعُ دائرةُ الصورةِ لتشملَ المكانَ نفسَه:
«بإطلالتك تزدهي الصباحات»، و”تغني بموسيقاه الأمكنة”.
وهنا نلحظُ نزوعًا واضحًا إلى تشخيص الطبيعة؛ فالأمكنة تغني، والجلنار يورق، والياسمين يحتفي، واليمام يهمس، والشمس تمتلك جدائل. وبذلك لا تبقى الطبيعة خلفيةً للعاطفة، بل تصبح شريكًا فيها.
ومن أجملِ ما يميّزُ النصَّ تراسلُ الحواسِ؛ فنحنُ أمامَ عطرٍ يُشمُّ، وموسيقى تُسمعُ، وندى يُرى، وقبلةٌ تُحسُّ، وياسمينُ ونرجسُ وزعفرانُ وكرزُ. هذا التراكمُ الحسي يمنحُ القصيدةَ كثافةً لونيةً وعطريةً، ويجعلُ القارئَ لا يكتفي بقراءةِ الحبِّ، بل يكادُ يتذوقُه ويشمُّه ويسمعُ موسيقاه.
كما تتكرّرُ مفرداتُ الطبيعةِ بكثافةٍ: الفجر، الندى، العقيق، الياسمين، الجلنار، النهرين، الزعفران، النرجس، اليمام، الكرز، الشمس. وهذا المعجمُ ليس تزيينًا لغويًّا فحسبُ، بل يؤدي وظيفةً رمزيةً؛ إذ تصبحُ المحبوبةُ مركزًا تتجمّعُ حولَه عناصرُ الجمالِ كلِّها.
وفي قولِه
«من قبلة الحلم حتى ظفيرة النهرين»
نجدُ صورةً مركبةً جميلةً، تمتزجُ فيها الحسيةُ بالخيالِ، وتتحوّلُ القبلةُ إلى نقطةِ بدايةٍ لمسارٍ شعريٍّ ينتهي بالنهريْنِ، في إيحاءٍ قد يستحضرُ المكانَ والذاكرةَ والامتدادَ الحضاريَّ.
أمّا الفعلُ المتكرّرُ «دعينا» فيمنحُ النصَّ بعدًا حواريًّا حميميًّا، وينقلُ القصيدةَ من وصفِ المحبوبةِ إلى مشاركتِها التجربةَ:
«دعينا نغرق في العناق»،
«دعينا نتصفّح رقائق السعادة».
وهكذا يتحوّلُ الحبُّ من شعورٍ فرديٍّ إلى فعلٍ مشتركٍ.
وتأتي الخاتمةُ:
«ونكتب للزمن قصيدة خالدة
خلود الموناليزا»
لتمنحُ النصَّ أفقًا يتجاوزُ اللحظةَ العاطفيةَ؛ فالعاشقان لا يريدان مجرَّدَ عيشِ اللحظةِ، بل تخليدَها بالفنِّ. واستدعاءِ «الموناليزا» هنا يربطُ الحبُّ بالشعرِ والجمالِ والفنِّ الخالدِ.
فنيًّاينتمي النصُّ إلى قصيدةِ النثرِ ذاتِ النفسِ الغنائي؛ إذ يعتمدُ على الإيقاعِ الداخلي، والتكرارِ، والتوازي، وكثافةِ الاستعارةِ أكثرَ ممّا يعتمدُ على الوزنِ والقافيةِ التقليديين.
ومع ذلك، فإنَّ غزارةَ الصورِ وتتابعِها في بعضِ المواضعِ تكادُ تتجاوزُ حاجةَ المعنى، فتضعفُ أحيانًا قوةَّ بعضِ الصورِ الجميلةِ بسببِ ازدحامِها. ولو أُتيحَ لبعضِ الصورِ أن تأخذَ مساحتَها من الصمتِ لكانَ تأثيرُها أشدَّ. وهذه ملاحظةٌ لا تنتقصُ من جمالِ النصِّ، بل تشيرُ إلى أنَّ الاقتصادَ الشعريَّ قد يمنحُ هذا الفيضَ العاطفيَّ مزيدًا من اللمعانِ.
خلاصةُ القراءةِ:
«سُكرة الانتشاء» نصٌّ يحتفي بالحبِّ باعتبارِه حالةً جماليةً كاملةً؛ فيه تتحوّلُ المرأةُ إلى فجرٍ، والطبيعةُ إلى عاشقٍ، والقبلةُ إلى حلمٍ، والعناقُ إلى تلاشي، والشعرُ إلى محاولةٍ لمقاومةِ الزمنِ. إنّه نصٌّ غنيٌّ بالصورِ والعطورِ والألوانِ، يكتبُ العشقَ لا بوصفِه حكايةً، بل بوصفِه نشوةً تتّسعُ حتى تشملَ الكونَ كلَّه.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية