«ربما تكون أشياؤنا الصغرى هي أشياؤنا الكبرى»، كما يقال.
لكن هناك أشياء كبرى في الحياة تكون أحيانًا أكبر من مخيلتنا، أو ربما أكبر من قدرتنا على استيعابها حين تقع.
حين تم تشخيص ما أصبت به: جلطة دماغية صغيرة، لم أستوعب شيئًا.
كانت تقارير الفحوصات واضحة، والأطباء يتحدثون بوضوح، والصور أمامي، ومع ذلك لم أشعر للحظة أنهم يتحدثون عني. كأن الملفات الطبية اختلطت، أو أن الرأس التي كانت محشورة تمامًا داخل جهاز الرنين لا علاقة لها برأسي من قريب أو بعيد.
لماذا؟
لا أدري.
بل إن الأمر، لو فكرنا فيه بهدوء، لم يكن مستحيلًا ولا حتى بالغ الغرابة. أنا مدخنة منذ سنوات طويلة، أتعامل مع النسكافيه كأنه ماء، ولدي كوليسترول أتابعه طبيًا منذ أكثر من ست سنوات.
ومع ذلك رفضت النتيجة.
اكتشفت أننا في لحظات اللامنطق قادرون على سحق العقل وإهانته في ثوانٍ.
ربما لأن الأعراض كلها لم تستغرق أكثر من دقائق، بعدها عدت إلى طبيعتي. وفي اليوم التالي ذهبت إلى طبيبتي بمفردي، وكان ضغطي ونبضي طبيعيين تمامًا. لكن ما إن شرحت لها ما حدث في تلك الدقائق التي اعتبرتها لاحقًا من أسوأ دقائق حياتي، حتى تغير وجهها وكأن مسًّا كهربائيًا قد أصابها، وطلبت مني أن أتوجه بأسرع ما يمكن لإجراء رنين مغناطيسي على المخ.
وربما كان هناك سبب آخر أكثر أنانية.
كانت أحلامي على المحك.
لدي الكثير مما لم أفعله بعد: كتابات، ومشاهدات، ورحلات، وقبل كل ذلك أن أرى أولادي كما يريدون أن يكونوا.
بعدها فقط اعترفت، وعلى مضض، بأن النتيجة التي أدهشتني لم تكن سوى الحقيقة الموثقة، وأن كل ما عداها كان خليطًا عجيبًا من الكبرياء والغرور والحماقة والجهل.
كأنني رفضت نفسي في لحظة ضعفها ومرضها، ولم أتعاطف معها.
لم أصدق لأنني لم أرَ نفسي، بتركيبتي النفسية والشخصية، متوافقة مع الإصابة. كنت أتصور أنني أكبر وأقوى من الضعف الذي ألصقته في خيالي بكلمة «جلطة».
ثم اكتشفت أنني لست وحدي.
نحن، في الحقيقة، لا نعرف الجلطة الدماغية إلا في صور محددة: إنسان لا يستطيع الكلام، أو نصف جسد لا يتحرك، أو شلل، أو موت.
ولا نقبل بأقل من ذلك.
هذه حصيلة معلوماتنا، وما نسمعه، وما نحكيه لبعضنا.
لا أحد تقريبًا يحكي عن شخص احتلت جلطة جزءًا من دماغه ثم خرج من المستشفى يمشي على قدميه ويكمل حياته.
فالنجاة، في حد ذاتها، ليست مثيرة بما يكفي.
نحن كبشر نسمع المصائب جيدًا. ننتبه إلى الحرب وهي مشتعلة، أما السلام فلا أخبار فيه. الكارثة تصلح لمقالات وتصريحات وبوستات وحكايات، أما أن يمر الخطر ويعود كل شيء هادئًا، فماذا سنقول؟
حتى المرض نتعامل معه بالطريقة نفسها.
المصيبة حدث.
أما التعافي فليس حدثًا.
وقد احتجت إلى جلطة دماغية كاملة كي أكتشف هذه الحقيقة البسي
في الأيام الأولى كنت خائفة.
خائفة فعلًا، لا بذلك الخوف الفلسفي المهذب الذي يمكن الكتابة عنه بعد أن ينتهي، بل الخوف الغبي الذي يجعل الإنسان يسأل أسئلة يعرف الآن أنها مضحكة، لكنه حينها لا يرى فيها شيئًا يضحك.
كنت أسأل الأطباء:
هل يمكن أن يحدث لي شلل بعد أسابيع؟
ينظر الطبيب إليّ:
— من نفس الجلطة؟
— نعم.
— لا.
ثم أعود:
طب بعد شهور؟
إلى أن قال لي أحدهم، فيما يشبه محاولة إنقاذ ما تبقى من أعصابه:
— اهدئي. الجلطة ليست مرضًا يظل يتطور داخلك. هي إصابة، وقد تترك آثارًا صعبة جدًا، لكن جلطة حدثت في يوليو 2026 لن تأتي في 2027 لتصيبك بالشلل. أثر هذه الجلطة انتهى. نحن الآن نبحث عن السبب كي نحميك بعد ذلك.
كان هذا هو مستوى الحوار الذي أوصلت إليه الأطباء.
كنت أريد تأكيدًا بأن الجلطة لن تستيقظ بعد ستة أشهر وتقول: نسيت حاجة.
وبينما كان الأطباء يحاولون إخراجي من هذه الفكرة، كان هناك بشر طيبون جدًا يقومون، دون قصد، بإعادتي إليها بكل حماس.
يهاتفني أحدهم مذعورًا:
— عاملة إيه؟
— كويسة جدًا، الحمد لله. كل شيء طبيعي.
لحظة صمت قصيرة، كأن إجابتي أربكته.
ثم:
— حلو جدًا… أصل أبو صاحبتي جاله شلل بعد الجلطة.
شكرًا.
هذا بالضبط ما كنت أحتاج إلى سماعه.
وآخر لديه صديقة على تويتر.
وثالث لديه قريب.
ورابع يعرف جارًا لقريب زوج أخت شخص عمل معه منذ عشرين عامًا، ولديه أيضًا قصة يجب أن أسمعها فورًا.
كنت أحتاج إلى دعم.
حصلت على أفلام رعب مستوحاة من أحداث حقيقية.
والكارثة أنني لم أكن أعرف وقتها ما إذا كانت تلك القصص يمكن أن تحدث لي أم لا.
لم تكن لدي بعد المسافة الكافية بين الخوف والمعلومة. كنت أسمع «جلطة» و«شلل» في الجملة نفسها، فيقرر عقلي الاحتفاظ بها لليل.
كانوا يغلقون الهاتف ويذهبون إلى حياتهم.
وأنا أذهب بقصصهم إلى سريري.
بعضها ظهر في أحلامي فعلًا.
والأعجب أنهم، بعد أن ينهوا الجولة الكاملة بين الجلطات والشلل والمضاعفات والوفيات، يختتمون المكالمة بحنان صادق:
— المهم اهتمي بنفسك، وابعدي عن كل حاجة كئيبة.
كنت أريد أحيانًا أن أسأل:
أبعد عن الكآبة إزاي؟ أقفل الخط يعني؟
اكتشفت أن الإنسان، حين يمرض، يتحول أحيانًا إلى شخصية ثانوية في مكالمة الاطمئنان عليه.
قصتك نفسها قد لا تكفي.
إذا قلت إنك بخير، فلا بد من قصة أخرى أكثر إثارة.
وهنا يبدأ المتصل في استعراض الأرشيف الطبي للعائلة والأصدقاء والجيران والسوشيال ميديا، بينما أنت، رغم إرهاقك واضطرابك وخوف أولادك عليك، مطالب بأن تستمع باهتمام وتقدر «لمسته».
وإلا أصبحت متعجرفًا لا يقدر من يسأل عنه.
وللإنصاف، لا فرق هنا بين رجل وامرأة.
لم أشعر في حياتي بمساواة حقيقية بين الجنسين مطابقة للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان كما شعرت بها أمام هذه السخافة.
الجميع متساوون تمام
وحدهم الأقرب جدًا إليك يفعلون شيئًا آخر.
لا يحتاجون إلى التفكير في طريقة دعمك.
يدعمونك لأنهم خائفون عليك، ولأن فكرة فقدك تخصهم هم أيضًا.
أولادك، أقرب أصدقائك، من يحبك فعلًا… هؤلاء لا يقفون خارج التجربة ويسألون ماذا يقولون. هم داخلها معك.
أما البقية، فمنهم لله.
اكتشفت أن طريق الدعم عند كثيرين One Way.
من عندك إليهم فقط.
تحتاجهم، فتكتشف لافتة صغيرة لم تكن تراها من قبل:
ممنوع الدخول.
لكن الأيام مرت.
هدأ خوفي.
فهمت أكثر.
عدت إلى حياتي.
وهنا ظهرت مشكلة جديدة لم أتوقعها.
بعض الناس لم يقتنعوا بالجلطة نفسها.
قال لي زميل بمنتهى الثقة:
— مدام قمتي سليمة، تبقى مش جلطة.
وجدت نفسي، للمرة الأولى في حياتي، أدافع عن حق جلطة في الوجود.
— لا، والله جلطة.
— بس إنتِ كويسة.
— عارفة… بس جلطة.
كان الموقف عبثيًا.
في البداية كنت أتمنى لو أقنعني الأطباء أنها ليست جلطة.
وبعدها بأسابيع أصبحت أنا التي تقنع الآخرين بأنها جلطة.
وحياتك جلطة.
ظهرت في الرنين، ودخلت بسببها المستشفى، واجتمعت حولها تخصصات طبية مختلفة، وأخذت أدوية، وأجريت فحوصات، وما زال البحث مستمرًا عن السبب، ومع ذلك تحتاج المسكينة إلى شهود إثبات.
ثم جاءت الشريحة التي ستزرع تحت الجلد لمراقبة القلب لفترة طويلة.
— هيراقبوا إيه؟
— اضطرابات في ضربات القلب قد تكون نادرة ومتقطعة ولم تظهر في الفحوصات القصيرة.
— يعني عندك حاجة في القلب؟
— لا نعرف. علشان كده هيراقبوا.
— طب ما دام مش عارفين، الشريحة ليه؟
— علشان يعرفوا.
— طب اسألي دكتور تاني.
في هذه اللحظة تفهم أن المشكلة ليست في الشرح.
المشكلة أن لدينا تصورًا كاملًا جاهزًا للمرض، وإذا لم تتطابق معه، فالمشكلة فيك أو في الطبيب أو في التشخيص.
لا يمكن أن تكون جلطة لأنك تمشين.
ولا يمكن أن تحتاج إلى متابعة لأنك تبدين بخير.
ولا يمكن أن تكون بخير وتظل في الوقت نفسه على أدوية وفحوصات دورية ومراقبة طويلة.
إما مريض، وإما سليم.
أما المساحة الهائلة بين الاثنين، التي اسمها التعافي، فلا مكان لها تقريبًا في قاموسنا.
نحن لا نجيد التعامل مع التعافي.
نحن نبدأ من القبور ونصعد.
إذا قيلت كلمة «جلطة»، نستعد للشلل والموت والمناحة، فإذا وجدنا صاحبها واقفًا أمامنا يشرب قهوته ويضحك، نشك في التشخيص.
كيف تكون جلطة ولا توجد مأساة؟
كيف يكون المرض حقيقيًا والإنسان عاد إلى حياته؟
وكأن النجاة تلغي ما نجونا منه.
ربما لأننا نفهم المرض باعتباره لحظة كارثية، ولا نفهم أن التعافي نفسه رحلة.
أن تعود إلى حياتك لا يعني أنك عدت إلى الحياة نفسها.
هناك دواء يومي.
وفحوصات.
ومواعيد أطباء.
وتغيير عادات عمر كامل.
وأشياء تتعلمها عن جسدك لم تكن تريد معرفتها.
وقلق يأتي أحيانًا دون استئذان ثم يتراجع.
وخوف من عرض صغير كان سيمر قبل ذلك دون أن تلاحظه.
وهناك، في المقابل، حياة تستردها قطعة قطعة.
خروجة عادية تصبح انتصارًا صغيرًا.
يوم كامل لا تفكر فيه فيما حدث يصبح خبرًا سعيدًا لا يعرفه أحد سواك.
تضحك.
تكتب.
تتشاجر.
تطبخ.
تخطط لرحلة.
وتكتشف فجأة أنك قضيت ساعات من دون أن تتذكر أنك كنت مريضة.
هذه أيضًا أحداث.
لكن لا أحد يتصل ليسأل عنها.
نحن نعرف كيف نزور المريض.
نعرف كيف نخاف عليه.
نعرف كيف ندعو له.
نعرف، للأسف، كيف نستعد لفقده.
لكننا لا نعرف ماذا نفعل بالناجي.
التعافي طويل وهادئ، بلا موسيقى تصويرية، ولا يصلح لمناحة، ولا توجد فيه كل يوم نتيجة رنين جديدة نحكي عنها.
لذلك يعيشه الإنسان غالبًا مع نفسه، ومع أولاده وأقرب الناس إليه، أو مع الكنيسة أو الجامع أو مع ربنا، كلٌّ بطريقته.
أما البشر؟
ادعيله بقى… هو عنده وقت وطاقة لكده.
لا أقول ذلك من موقع أفضل منهم.
على العكس.
أنا متأكدة أنني، قبل أن يحدث لي ما حدث، كنت بدرجة أو بأخرى واحدة منهم.
ربما حكيت يومًا لمريض قصة لم يكن يحتاج إلى سماعها.
ربما اعتقدت أن «الحمد لله على السلامة» تنهي مهمتي.
ربما اطمأننت إلى أن شخصًا خرج من المستشفى، ولم يخطر لي أن خروجه منها قد يكون بداية رحلة أخرى كاملة.
لكن يبدو أنني شُفيت من هذه السخافة يوم نجوت من الجلطة.
أو هكذا أتمنى.
تعلمت أن لكل محنة وجهًا آخر لا نراه لأننا مشغولون بالمصيبة نفسها.
وأن النجاة ليست نفيًا للكارثة.
وأن الإنسان قد يخرج سليمًا من إصابة خطيرة، لكنه يترك في غرف المستشفى وأروقته جزءًا من ثقته القديمة في جسده، ثم يقضي وقتًا طويلًا يستعيدها.
ربما لهذا يحتاج الناجي إلى من يمشي معه قليلًا بعد باب المستشفى، لا إلى من يكتفي بالتلويح له من الداخل.
المشكلة أننا لا نعرف ذلك.
وجهلنا، في النهاية، هو مصيبتنا.
أما أنا، فحتى إشعار آخر، ما زلت أدخل مع أغلب المكالمات غرفة التعذيب نفسها.
لكن الفارق أنني الآن أدخلها وأنا أضحك.
وأحيانًا لا أدخلها أصلًا.
فحتى التعافي له حقوق ليست بالهينة.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية