▪️الضياع أشد وطأة من كل شيء في حياة الشعوب، وأخطر ما يمكن أن يضيع في ظل الحروب والصراعات هو هويتها وذاكرتها؛ فالأرشيفات والوثائق المكتوبة والمرئية والمسموعة تشكل الرئة التي تتنفس منها الهوية الوطنية، وحين تتلف هذه الرئة أو تتعرض للعبث، تصبح الذاكرة بلا سند موثوق تستند إليه، ويصبح الماضي والموروث الشعبي عرضة للنسيان والتشويه.
فالوثيقة ليست مجرد ورقة قديمة، ولا الأرشيف مجرد ملفات تراكم عليها الغبار؛ إنها ذاكرة وطن، وشاهد على زمن مضى، ومصدر لا غنى عنه لفهم الأحداث والوقائع والتحولات التي مرت بها البلاد. وحين تضيع الوثائق، تضيع معها أجزاء من الحقيقة، ويصبح من الصعب على الأجيال القادمة أن تعرف كيف كان مجتمعها، وكيف تشكّلت مؤسساته، ومن صنع أحداثه، وما الذي جرى بالفعل.
وفي اليمن، الذي مرّ خلال العقود الماضية بأحداث سياسية وحروب وصراعات وانقسامات متتالية، تعرضت كثيرٌ من الوثائق والأرشيفات لخطر الإهمال والتلف والنهب والضياع. وبعضها ربما لا يزال موجودًا في أماكن مختلفة، لكنه بعيد عن أيدي الباحثين، أو محفوظ بطريقة لا تضمن بقاءه للأجيال المقبلة.
وتزداد خطورة هذه المسألة عندما يتعلق الأمر بأرشيف المؤسسات الإعلامية والثقافية، خصوصًا إذاعة وتلفزيون عدن، والصحف والمجلات والمراكز الثقافية. فهذه المؤسسات لم تكن مجرد أدوات إعلامية، بل كانت تسجل يوميات المجتمع، وتحفظ أصوات الناس، وصور الأحداث، والخطب واللقاءات والبرامج والأغاني والمسرحيات والحوارات، وهي جميعها أجزاء من الذاكرة الوطنية.
إن فقدان تسجيل إذاعي أو شريط تلفزيوني قد يعني فقدان صوت شخصية تاريخية أو حدث مهم. وضياع صورة قد يحرم الباحث من معرفة تفاصيل مرحلة كاملة. أما اختفاء الوثائق الرسمية والمراسلات والسجلات، فيفتح الباب أمام الروايات المتناقضة، ويجعل الحقيقة عرضة للتأويل أو النسيان.
ولهذا فإن حماية الأرشيف الوطني ليست ترفًا ثقافيًا، ولا مهمة تخص المؤرخين وحدهم، وإنما هي مسؤولية وطنية ينبغي أن تحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به حماية المباني والمنشآت.
نحن بحاجة إلى مشروع وطني جاد لجمع الوثائق والأرشيفات المتناثرة، وفهرستها وترميمها ورقمنتها وحفظ نسخ منها في أكثر من مكان، حتى لا تكون عرضة للضياع بسبب الحرب أو الإهمال أو الكوارث.
كما أن من المهم تشجيع المؤسسات والأفراد الذين يحتفظون بوثائق وصور وتسجيلات قديمة على تسليم نسخ رقمية منها إلى جهة وطنية متخصصة، مع حفظ حقوق أصحابها ومصادرها، لتصبح هذه المواد متاحة للباحثين والأجيال القادمة.
فالأوطان لا تُبنى بالإسمنت وحده، ولا تحفظ ذاكرتها بالنصب التذكارية فقط؛ فهناك وطن آخر يسكن في الورق والصورة والتسجيل والرسالة والصحيفة والكتاب.
وحين تضيع الوثيقة، لا نخسر ورقة من الماضي فحسب، بل نخسر نافذة نطل منها على تاريخنا، ونترك جزءًا من ذاكرتنا الوطنية للضياع.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية