ثمن الشهرة / بقلم: حسن لمين

في كل صباح، قبل أن تفتح نافذة غرفتها، كانت تفتح نافذة أخرى لا تُطلّ على شارع أو سماء، وإنما على آلاف الوجوه المعلقة خلف الشاشات. تبتسم للكاميرا، ترتب خصلات شعرها بعناية، وتقول جملتها التي أحبها متابعوها:

«صباحكم أجمل من كل ما تتمنون.»

ثم تضغط زر البث.

في البداية، لم تكن هناء تبحث عن الشهرة. كانت تبحث عن مساحة صغيرة تقول فيها ما تفكر فيه، وتشارك صورًا من حياتها اليومية، وتقدم نصائح بسيطة للفتيات اللواتي كنّ يجدن في حديثها شيئًا من أنفسهن. شيئًا فشيئًا، أخذ عدد المتابعين يتضاعف. عشرة آلاف، ثم مئة ألف، ثم اقترب الرقم من المليون.

صار اسمها معروفًا.

بدأت شركات الإعلان تطرق بابها، ثم جاء المنتجون، وأصبحت صورها تُنشر على الملصقات والإعلانات. كانت تتلقى عروضًا لم تكن تتخيلها، وتتحدث إليها هواتف لا تتوقف عن الرنين.

لكن الشهرة التي تبدو من بعيد كحديقة مزهرة، كانت تخفي تحت أوراقها أشواكًا كثيرة.

في أحد الأيام، جاءها مدير إحدى الشركات بعقد طويل.

قال وهو يقلب الأوراق أمامها:

— هذا العرض ممتاز، وستحصلين على مبلغ كبير.

قرأته هناء بتمعن، ثم قالت:

— لكن الإعلان يطلب مني أن أقول شيئًا لم أجربه، ولا أستطيع أن أضمن للناس أنه جيد.

ابتسم الرجل ابتسامة باردة.

— الناس لا يريدون الحقيقة يا هناء. يريدون الصورة.

أغلقت العقد.

— وأنا لا أريد أن أبيع صورتي بالكذب.

خرج الرجل غاضبًا.

بعد أيام، بدأت حملة صغيرة ضدها. منشورات مجهولة المصدر تتهمها بالغرور، وتعليقات ساخرة تشكك في نجاحها، ومقاطع مبتورة من حديث قديم تُعرض خارج سياقها.

ثم ظهرت منافسة جديدة.

كانت جميلة، ذكية، وتعرف جيدًا كيف تستفز الناس. لم تذكر اسم هناء صراحة، لكنها كانت تلمح إليها في كل ظهور:

«بعض المشهورات يعتقدن أن النجاح شهادة أبدية، وأن الجمهور ملكية خاصة.»

انتشرت العبارة.

وفهم الجميع المقصود.

هناء أيضًا.

حاولت أن تتجاهل الأمر. لكنها كانت كلما دخلت إلى حسابها وجدت تعليقًا جديدًا، وكلما فتحت هاتفها وجدت رسالة أكثر قسوة من سابقتها.

ثم جاء الضربة الأكبر.

ألغى أحد المنتجين مشروعًا كانت تعمل عليه منذ أشهر، بعدما وصلت إليه أخبار وحكايات ملفقة عنها. لم يدافع عنها أحد. بعضهم صمت، وبعضهم وجد في سقوطها فرصة للصعود.

وفي تلك الليلة، جلست هناء أمام مرآتها.

كانت ترتدي الثوب نفسه الذي ظهرت به قبل أسابيع في إعلان حصد ملايين المشاهدات. غير أن وجهها في المرآة لم يكن الوجه الذي يعرفه الجمهور.

كان متعبًا.

أطفأت الأنوار.

وظلت في الظلام.

مرّ أسبوع.

ثم أسبوع آخر.

اختفت هناء عن الشاشة.

بدأ المتابعون يتساءلون:

«أين هناء؟»

«هل اعتزلت؟»

«ماذا حدث لها؟»

لكنها لم تجب.

كانت قد فقدت رغبتها في الكلام. حتى الكلمات التي كانت تكتبها بسهولة صارت تبدو ثقيلة كالحجارة. كلما أمسكت الهاتف شعرت كأنها تمسك مرآة تُظهر لها أسوأ ما فيها.

وفي إحدى الليالي، وصلتها رسالة من فتاة لا تعرفها.

كتبت:

«هناء، ربما لا تعرفينني، لكنني تابعتك منذ بدايتك. لم أحبك لأنك مشهورة، وإنما لأنك كنتِ صادقة. لا تسمحي لأناس لا يعرفونك أن يقنعوك بأنك لستِ أنتِ.»

قرأت هناء الرسالة مرة.

ثم مرتين.

ثم بكت.

لم تكن تعرف لماذا جعلتها تلك الكلمات تبكي. ربما لأنها للمرة الأولى منذ وقت طويل شعرت أن أحدًا يرى الإنسان المختبئ خلف الصورة.

بعدها اتصل بها صديقها القديم سامر.

قال لها:

— أنتِ لا تخسرين لأن بعض الناس تكلموا عنك. تخسرين فقط إذا صدقتِ كلامهم.

قالت بصوت خافت:

— لكنني تعبت.

— إذن استريحي، لكن لا تختفي.

سكتت.

ثم أضاف:

— أنتِ صنعتِ هناء التي عرفها الناس بيديك. فلا تتركي الآخرين يهدمونها بلسانهم.

في الأيام التالية، بدأت الرسائل تتوالى.

رسالة من فتاة تقول إن فيديو لهناء ساعدها في تجاوز أزمة.

شاب كتب لها أن نصيحتها ذات يوم دفعته إلى العودة إلى الدراسة.

امرأة أخبرتها أن حديثها عن الخوف منحها الشجاعة في لحظة صعبة.

كان العجيب أن هناء لم تكن تتذكر معظم هؤلاء.

لكنهم كانوا يتذكرونها.

اكتشفت أن الأشياء التي ظنت أنها ضاعت في بحر الشهرة لم تضع كلها. بعض كلماتها بقيت في مكان ما، داخل أشخاص لم تر وجوههم يومًا.

ذات صباح، جلست أمام الكاميرا.

لم تضع مكياجًا كثيرًا.

لم تختَر خلفية فاخرة.

لم تعدّ نصًا طويلًا.

ضغطت زر البث.

ظهرت عشرات التعليقات في اللحظة الأولى، ثم مئات.

نظرت إلى الشاشة وقالت:

— غبتُ لأنني تعبت. خفتُ، وتألمت، وصدقت للحظة أن قيمتي تتوقف على عدد المشاهدات والإعجابات.

توقفت قليلًا.

— ثم فهمت شيئًا.

رفعت عينيها إلى الكاميرا.

— نحن لسنا الأرقام التي تظهر تحت صورنا.

ساد الصمت لثوانٍ.

ثم أضافت:

— الشهرة تستطيع أن تجعل الناس يعرفون اسمك، لكنها لا تستطيع أن تمنحك قيمتك. هذه القيمة عليك أن تعرفها أنت أولًا.

امتلأت الشاشة بالتعليقات.

«اشتقنا إليك.»

«عودتك أجمل من أي إعلان.»

«نحن هنا.»

«لا تختفي مرة أخرى.»

ابتسمت هناء.

كانت تلك الابتسامة مختلفة.

لم تكن ابتسامة صنعتها الكاميرا، وإنما خرجت من مكان عميق استعاد شيئًا كان قد ضاع.

بعد أيام، عاد المنتجون إلى الاتصال.

وعادت العروض.

وعادت المنافسات أيضًا.

لكن شيئًا في هناء كان قد تغيّر.

صارت تقرأ العقود بعناية، وترفض ما لا يشبهها، ولا تدخل معارك صغيرة من أجل إثبات أنها الأقوى. وحين كانت تسمع تعليقًا جارحًا، لم تعد تقضي الليل تبحث عن صاحبه.

كانت تطفئ الهاتف.

وتنام.

وفي مساء هادئ، وقفت أمام المرآة نفسها التي جلست أمامها ذات ليلة منكّسة الرأس.

نظرت إلى وجهها طويلًا.

ثم ابتسمت.

لم تكن الشاشة هذه المرة أمامها.

ومع ذلك، شعرت أنها ترى نفسها للمرة الأولى.

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!