تركيا…مآذن فوق مدينة لا تهدأ/بقلم:حنان الأمين فتاح(العراق)

حين تُذكر تركيا تتزاحم في الذاكرة صور كثيرة.

بحرٌ أزرق تتهادى فوقه السفن، وعبّارات تعبر من ضفة إلى أخرى، وترام يمر وسط الشوارع كأنه يعرف طريقه منذ قرون، ومترو يختصر المسافات تحت الأرض، ومرمراي يشق إسطنبول من تحت الماء، ووديان خضراء، وأشجار لا تكاد تنتهي، وناس يمضون في طرقاتهم بخطى سريعة، وكأن للمدينة موعدا لا ينبغي لأحد أن يتأخر عنه.

كل شيء في تركيا يدعوك لأن ترفع هاتفك وتلتقط صورة.

لكن وسط كل هذا البريق، هناك صورة لا تستطيع أن تتجاهلها، حتى لو لم تكن قد جئت من أجلها.

الجامع

لا أعرف كيف أصف حضور الجوامع في تركيا دون أن أقول إنها ليست مباني في المدينة بقدر ما هي جزء من روحها.

تخرج من محطة فتجد مئذنة ترتفع أمامك.

تنعطف في شارع فتظهر قبة بين الأبنية.

تجلس قرب البحر فتأتيك صورة جامع من بعيد كأن المدينة وضعت توقيعها على المشهد.

تمضي في مكان مزدحم بالسياح فتجد المسجد واقفًا بهدوء وسط كل ذلك الضجيج لا يركض، لا يلاحق أحدا، ولا يحاول أن يلفت انتباهك… ومع ذلك يجعلك تلتفت إليه.

والغريب أنك قد تدخل تركيا وأنت منشغل بكل شيء فيها، ثم تكتشف بعد أيام أن أكثر ما بقي في ذاكرتك ليس سفينة عبرت أمامك ولا جسرا، ولا شارعا مزدحما، وإنما صوت مؤذن جاءك من مكان لا تراه.

الله أكبر…

فجأة يتغير شيء في المشهد.

ليس في الشوارع ، وإنما فيك أنت.

السيارات مستمرة، والمارة يعبرون، والمقاهي ممتلئة، والباعة منشغلون، والترام لا ينتظر أحدا، والسياح يواصلون التقاط الصور.

والأذان يمضي فوق كل ذلك.

صوت واضح، عالٍ يصل إلى الجميع.

ثم تنظر حولك…

فتجد المدينة كما هي.

لا تتوقف.

ولا يتغير إيقاعها.

يمضي الناس في طرقهم، وكأن النداء لم يكن موجها إليهم.

وقليلون فقط يغيرون اتجاه خطواتهم نحو الجامع.

وهنا، لا أملك إلا أن أتأمل.

لا أريد أن أحاكم أحدا، ولا أن أضع إيمان الناس في ميزان مشهد عابر فالله أعلم بالقلوب، وأعلم بأحوال عباده، وربما صلى إنسان في مكان لا تراه، وربما كان له عذر لا تعرفه.

لكن المشهد، مع ذلك، يحزنني.

يحزنني أن يكون صوت الأذان حاضرًا بهذا الجمال، وأن تكون المآذن شاهقة بهذا الوقار، ثم لا ترى من يستجيب للنداء إلا قلة.

كأن شيئا عظيما يحدث في السماء،بينما الأرض مشغولة بأشياء أخرى.

ولعل هذا هو أكثر ما شدني إلى جوامع تركيا.

فهي لا تكتفي بأن تكون جميلة.

الجمال وحده لا يحرك شيئًا في القلب.

لكن الجامع هنا يذكّرك بأن هناك معنى آخر للمدينة معنى لا علاقة له بالمترو ولا بالترام، ولا بسرعة الإنترنت، ولا بازدحام الأسواق، ولا بعدد الصور التي يمكن أن تلتقطها في يوم واحد.

تذكرك المئذنة بأن المدن مهما أسرعت تحتاج إلى شيء يدعوها للتوقف.

وأن الإنسان، مهما كان مستعجلا، يحتاج أحيانا إلى صوت يقول له:

ليس كل ما في الحياة طريقا ينبغي أن تواصل السير فيه.

لهذا كنت كلما رأيت جامعًا أبطأت قليلا.

لا لألتقط صورة فقط وإن فعلت.

بل لأتأمل تلك المفارقة الغريبة:

جامع شامخ، ومئذنة لا تخطئها العين، وأذان يصل إلى آخر الشارع…

ثم مدينة تمضي.

ربما كانت تركيا بالنسبة للسائح بحرا وجسرا وتراما وعبّارة.

أما بالنسبة لي، فقد أصبحت أيضًا ذلك الصوت الذي يأتي من بين الأبنية، ويشق ضجيج المدينة دون أن يكسره:

الأذان.

صوتٌ لا يحتاج إلى مترجم.

يفهمه القلب قبل أن تفهمه اللغة.

وربما أجمل صورة يمكن أن تحملها من تركيا ليست صورة التقطتها الكاميرا…

بل صورة بقيت في داخلك:

مئذنةٌ في الأفق، ومدينة لا تهدأ، وصوت مؤذن ينادي… وقلةٌ فقط تمضي إليه.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
casibomcasibom girişcasibom resmi girişdeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusucasino sitelerideneme bonusu veren sitelerdeneme bonusu veren sitelercasino siteleribahis siteleribonus veren sitelermarsbahismarsbahis girişmarsbahis güncel girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişegebetegebet girişegebetegebet girişegebetegebet girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişbetparkbetpark girişbetparkbetpark girişbetparkbetpark girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahismarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahismarsbahis